ذكرى ميلاد: إبراهيم الصلحي.. لوحة من تراب أم درمان

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها، في محاولة لإضاءة جوانب أخرى من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، الخامس من أيلول/ سبتمبر، ذكرى ميلاد الفنان التشكيلي السوداني إبراهيم الصلحي (1930).

في كتابه “قبضة من تراب” (2012)، يقول إبراهيم الصلحي الذي تحلّ اليوم الأحد ذكرى ميلاده: “غادرت السودان ثم عدت. ثم فجأة بدأت أنظر من حولي.. وفجأة أدركت كل ذلك الجمال على حين غرة.. كان عليّ أن أسافر للخارج والعودة مجدداً بنظرة مغايرة للأشياء”.

يشير الفنان التشكيلي السوداني (1930) إلى أنه عاد إلى بلاده بعد تخرّجه من “مدرسة سليد للفنون الجميلة” في لندن عام 1957، فأصابته صدمة أثّرت كثيراً في مجرى حياته حين رأى عزوف الجمهور عن تذوّق الأعمال الفنية، فخلص إلى ضرورة توظيف فنون الخط العربي والزخارف الأفريقية ضمن رؤية فنية معاصرة.

أسّس مدرسة الخرطوم التشكيلية التي استعادت الميثولوجيا الأفريقية والفنون الإسلامية

وتعرّف خلال تلك الفترة إلى عدد من المثقفين، الذين تصدّروا حركة التحرّر الوطني في القارّة السمراء، وفي مقدمتهم الكاتبَين النيجيريَّين وولي سوينكا وتشينوا أتشيبي، وكان التقاء في الأفكار السياسية وفي إعادة إنتاج التراث، من أجل بناء هوية وطنية حديثة.

أسّس الصلحي برفقة فنانين آخرين، منهم أحمد شرين وحسين جمعان وعثمان وقيع الله، مدرسة الخرطوم التشكيلية، التي استعادت الميثولوجيا السودانية والأفريقية من علامات ونقوش وأوشام، وكذلك الحروفيات والعمارة والفنون الإسلامية، ومشاهد الطبيعة وتضاريس السودان المتنوّعة، وكان التراب بصفرته وحمرته الذي قبض عليه الصلحي على مدار أكثر من ستين عاماً، الحاضر الأساسي في لوحته.

ويعود في ذاكرته إلى مدينة أم درمان، حيث كان طفلاً يلهو ويتعلّم في خلوة أبيه المتصوّف، قائلاً: “لقد تأثرت أعمالي التشكيلية باستمرار بتعليمي ونشأتي الدينية.. إنه من البديهيات التي لا أفكر فيها لأنها موجودة هكذا”، ولا يخلو الكتاب أيضاً من الإشارة إلى دور الصلحي في تأسيس وزارة الثقافة السودانية بداية السبعينيات، وتجربته في السجن، التي وضع فيه مجموعة من أشهر رسوماته، وكذلك صداقته الوطيدة مع الطيب صالح، حيث شارك ممثلاً في الفيلم المقتبس من روايته “عرس الزين”.

في الزنزانة التي اعتقل فيها الصلحي، نفّذ العديد من الرسوم التوضيحية على سطوح جافة، بأحجام مختلفة في تجريد ورمزية تحمل بعداً فلسفياً، مستخدماً أغلفة أكياس الإسمنت وغيرها من الموادّ التي حوّلها إلى سطوح ملائمة للرسم، دون أن يضع مخطّطاً مسبقاً لأعماله مع تسجيل الملاحظات حولها في دفتر ظلّ يحتفظ به، موضحاً أنه منذ أواخر السبعينيات وحتى منتصف التسعينيات “اتجهت إلى التركيز على اللونين الأسود والأبيض في معالجة الصورة بحثاً عن درجة رمادية، مع الإبقاء على كثافة الأسود ونقاء اللون الأبيض دون مزج”.

درس الفنان السوداني في مدرسة التصميم بكلية غوردون التذكارية التي أسسها المستعمر الإنكليزي، ثم انتقل إلى “معهد الخرطوم الفني”، وابتُعِث إلى بريطانيا، وبعدها درس التصوير الفوتوغرافي في “جامعة كولومبيا” بنيويورك حيث تخرّج منها عام 1965.

قدّم الصلحي البرنامج التلفزيوني الشهير “بيت الجاك” في السبعينيات، ليكون عنوان الكتاب الذي صدر بعد نحو ربع قرن، وضمّ حواراً طويلاً أجراه معه الكاتب فتحي محمد عثمان، بالإضافة إلى كتاب آخر يحتوي على سجال بينه وبين مواطنه الفنان حسن موسى، امتد لما يُقارب ثلاثة عشر عاماً.