برلين 2 الليبي: تحديات مختلفة في مرحلة السلام الهش

تستضيف العاصمة الألمانية برلين، اليوم الأربعاء، اجتماعاً دولياً لاستكمال البحث في الملف الليبي، والتطورات التي طرأت عليه، منذ عقد برلين مؤتمرها الدولي الأول حول ليبيا، في 19 يناير/ كانون الثاني 2020، على مستوى رئاسي، جمع 16 دولة ومنظمة دولية. ويجري المؤتمر اليوم بمشاركة ليبية رسمية، بخلاف المؤتمر الماضي، كما يأتي وسط تبدلات مشجعة في المشهد الليبي، ساهمت عوامل عدة في الدفع إليها، وأهمها الانخراط الأميركي وفشل الدول الراعية لأي من أفرقاء الحرب في أجندتها، بالإضافة إلى صراعات جيوسياسية في المنطقة حتّمت تفاوض الدول الراعية لحرب ليبيا حول التهدئة. لكن المؤتمر الجديد يأتي أيضاً وسط تحديات جديدة – قديمة تعيشها ليبيا، ينبغي أيضاً لحلّها توفر إرادة محلية وتوافق الدول المعنية حولها، واستمرارها العمل على إدارة خلافاتها.

يحضر رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة المؤتمر

ويُحسب لمؤتمر برلين الليبي، في بداية العام الماضي، بأنه كان أكثر المحاولات الدولية جدّية، منذ أعوام طويلة، لحلّ الأزمة الليبية، والحرب التي دارت في هذا البلد منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، ولكن خصوصاً منذ إطلاق اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي وصف دائماً بـ”الرجل القوي” في الشرق الليبي، في إبريل/ نيسان 2019، عملية عسكرية لاقتحام العاصمة الليبية طرابلس، وإسقاط حكومة الوفاق، التي كانت قد انبثقت عن اتفاق الصخيرات المغربي، الموقع بين أطراف الصراع الليبي في 2015. وتكمن أهمية مؤتمر برلين الأول، في محاولته معالجة الأزمة، عبر اجتماع الدول الخارجية المعنية بها، والمؤثرة فيها، وهو استنتاج تأكد منذ سنوات، مع كثرة اللاعبين الدوليين في ليبيا، والذين اصطفوا وتحالفوا في ما بينهم لدعم هذا الطرف أو ذاك. وعقد المؤتمر حينها، وفق خلاصة للمبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، الذي اعتبر أن حلّ الأزمة يجب أن يكون ضمن منهجية “من الخارج إلى الداخل”، بعدما اشتكى كثيراً خلال توليه منصبه من التدخلات الخارجية التي تعرقل الحلّ الليبي.

وتنظم برلين مؤتمر اليوم، كما السابق، بالتعاون مع الأمم المتحدة. وجاءت الدعوة للمؤتمر من وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس. وأكدت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو، أول من أمس، على “تويتر”، مشاركتها، مضيفة “سنعمل على الدفع نحو إحراز تقدم في اتفاق وقف إطلاق النار، بما في ذلك احترام حظر الأسلحة وسحب المرتزقة”، كما أشارت أيضاً إلى أن الهدف “هو الدفع نحو تنفيذ خريطة الطريق السياسية و(إجراء) الانتخابات”. ويعقد الاجتماع على مستوى وزراء الخارجية لكل من ألمانيا والولايات المتحدة ومصر وروسيا وإيطاليا وفرنسا والمغرب والإمارات وتركيا وتونس والجزائر والصين وبريطانيا، بالإضافة إلى ممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية.

وبخلاف مؤتمر برلين الأول، تحضر ليبيا أعمال الاجتماع، بشكل رسمي، ممثلة برئيس الحكومة الانتقالية عبد الحميد الدبيبة، ووزيرة الخارجية نجلاء المنقوش. وكان حفتر ورئيس حكومة الوفاق السابقة فائز السراج موجودين في برلين عام 2019 خلال عقد المؤتمر، واجتمع كل منهما بشكل منفصل مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، لكنهما لم يحضرا المؤتمر ولم يلتقيا، وسط تصاعد الصراع حينها، واستمرار رهان الدول الداعمة لحفتر، أي محور مصر والإمارات ومعهما فرنسا وروسيا، على إمكانية الحسم العسكري لصالح معسكر الشرق الليبي. ومن الممكن القول إن مؤتمر برلين الأول، الذي حضره في ذلك الحين وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، وإن شكّل منعطفاً لجهة التزام الدول المعنية بالصراع بفكّ يدها، ووقف النار، إلا أن ذلك لم يحصل إلا بعد تدخل تركي عسكري داعم لغرب ليبيا، وذلك على الرغم من أن أهم إنجازات المؤتمر السابق كانت تشكيل لجنة عسكرية مشتركة (5+5)، من فريقي الصراع، لبحث وقف إطلاق النار.

وشكّل المؤتمر السابق أيضاً، بشكل أو بآخر، عودة الانخراط الأميركي في الملف الليبي بجدية، وهو ما تبدى لاحقاً من خلال نشاط نائبة سلامة، المستقيل في مارس/ آذار من العام ذاته، الأميركية ستيفاني وليامز، التي أدارت عملية أممية سياسية، ومساراً للوصول إلى خريطة طريق للحل نتجت عنه ولادة الحكومة الانتقالية الليبية، التي تسملت مهامها في مارس الماضي. ولا يخفى أن اللقاء الألماني الأول جاء أيضاً بدافع الهلع الأوروبي من موجة هجرة غير شرعية قوية عبر الأراضي الليبية من أفريقيا، وبتصميم أميركي على منع موسكو من تثبيت أقدامها في ليبيا، بعدما أرسلت مرتزقتها من شركة “فاغنر” لدعم حفتر. وأفضى التدخل التركي في غرب ليبيا إلى ما يشبه خطّ تماس بين الفريقين، عند خط سرت الجفرة، وسط البلاد، وجعل لأنقرة كلمة مهمة في رسم استكمال معالم الحلّ الليبي، وهو ما تزامن مع صراع لها في شرق المتوسط مع اليونان على حقوق التنقيب عن الغاز.

سيؤكد المؤتمر على إجراء الانتخابات وخروج المرتزقة

بناء على هذه الخلفية، يأتي مؤتمر برلين الثاني اليوم لاستكمال تنفيذ مخرجات المؤتمر الأول، والتي لم تتحقق فعلياً لولا معطيات الأرض والضغط الأميركي. وإذا كان المؤتمر الأول قد عقد فيما كانت ليبيا على مفترق طرق، بين الحلّ أو انزلاق النزاع أكثر، واحتمال انفلاشه بقوة إلى دول الجوار، ما يهدد أوروبا، فإن ليبيا اليوم أيضاً لا تزال تعيش على مفترق طرق، بين سلام ووقف إطلاق نار هشّين، لكنهما يحظيان بدعم دولي، ونزوات بعض الأفرقاء السياسيين في الداخل، التي لا تزال حاضرة بقوة، وهم يحاولون حجز مقاعد لهم في مستقبل البلاد السياسي. ومن وجهة نظر عملية، فإن هذا المستقبل يجب أن يكون ثمرة انتخابات رئاسية وتشريعية مقرّرة بحسب خريطة الأمم المتحدة، في 24 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، وهو موعد سيشدد المجتمعون على الالتزام به. ويواجه الموعد “عراقيل دستورية وقانونية” عليها أن تحسم مع بداية يوليو/ تموز المقبل، كما لا تزال عقدة المرتزقة والقوات الأجنبية الموجودة في هذا البلد بلا حلّ، وهي كانت أحد أسباب فشل إعادة فتح الطريق الساحلي، الأحد الماضي، بين سرت ومدينة مصراتة في الغرب.

وشملت الأجندة الرسمية للمؤتمر التي أعلنت في بداية شهر يونيو/ حزيران الحالي، “النقاش حول التحضير للانتخابات، وانسحاب القوات الأجنبية من ليبيا”. وقالت وزارة الخارجية الألمانية إن المؤتمر سيبحث التقدم في ليبيا الذي طرأ منذ مؤتمر برلين الأول، وسيناقش “الخطوات اللاحقة الضرورية للوصول إلى استقرار دائم”. وأضافت أن “التركيز سيكون على التحضير لانتخابات وطنية في 24 ديسمبر، وانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا وفق اتفاق وقف إطلاق النار (في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي)، كما ستجري مناقشة الخطوات اللازمة لتشكيل قوات أمنية ليبية موحدة”. وأكد السفير الأميركي في طرابلس، المبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا، ريتشارد نورلاند، أول من أمس الإثنين، مشاركة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في المؤتمر، مضيفاً أن بلاده وبرلين وشركاءهما “سيعيدون تأكيد دعمهم لحكومة الوحدة الوطنية الموقتة في الوقت الذي تواصل فيه أهم مهامها، وهي التحضير للانتخابات الوطنية”. وحذّر نورلاند، من “كل التصعيد ومن التدخل العسكري الأجنبي الذي من شأنه إطالة أمد الصراع في ليبيا بلا داعٍ”. وقال إن واشنطن تسعى إلى “ليبيا موحدة ومستقرة وذات سيادة دون تدخل أجنبي، ودولة قادرة على محاربة الإرهاب داخل حدودها”، مشيراً إلى الجماعات المتمردة في تشاد التي دُربت وحصلت على أسلحة نارية في ليبيا بمساعدة مجموعة “فاغنر” الروسية، محذراً أيضاً من خطر “داعش”.

وسرّبت، أول من أمس الإثنين، ما قيل إنها مسودة أولية للبيان الختامي للقمة، تتضمن 51 نقطة، وتدعو إلى الانسحاب الفوري للمرتزقة الأجانب من ليبيا، وتقديم الدعم القوي للسلطات الليبية من أجل إجراء الانتخابات في موعدها. وتتكون المسودة من 6 أجزاء هي المقدمة، الأمن، العملية السياسية، الإصلاحات الاقتصادية والمالية، الامتثال للقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، والمتابعات.

وفي طرابلس، أكدت مصادر مقربة من وزارة الخارجية الليبية، لـ”العربي الجديد”، أن الحكومة ستحمل معها إلى المؤتمر رؤيتها للوضع في البلاد، وأن إحاطتها ستركز على ملف إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية والحد من تأثير التدخلات الخارجية في ليبيا، كونها أقصر الطرق لإنجاح العملية السياسية. وقالت المصادر إن الرؤية الليبية ستتضمن مضمون تقارير اللجنة العسكرية المشتركة بشأن استحالة تطبيق بنود الاتفاق العسكري، دون إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، وأن هذا الجانب ناقشته المنقوش مع مسؤولي الدول الذين التقتهم أخيراً، وآخرهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة.

ويأتي المؤتمر أيضاً، وسط عودة أجواء الضغط التي يمارسها حفتر. ورأى الباحث السياسي الليبي مصطفى البرق، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن حراك حفتر العسكري نحو الجنوب وتعثر فتح الطريق الساحلي وعرقلة التوصل إلى قاعدة دستورية للانتخابات وامتناع مجلس النواب عن اعتماد الميزانية للحكومة، كلّها من ملامح توتير الوضع.