الرئيسية / عالمية/

في انحدار وعي معارضي المنفى في تركيا

ECE28795 4141 4BE9 918C 8E619AA562CB - في انحدار وعي معارضي المنفى في تركيا

على مدى سبع سنوات، تباهى الإخوان المسلمون بسياسات تركيا، واعتبارها مركز السياسات الحكيمة في العالم الإسلامي، في حواراتٍ كثر فيها الإعجاب باقتراب انبعاث الخلافة الإسلامية من إسطنبول مرة أخرى، لمّا صارت ملاذاً عادلاً لكل رواد الإسلاميين من بلدان مختلفة. وقد سارت تلك الديباجات، لتُشكل ثقافة تعبوية لحركة الإخوان المسلمين المصريين في تركيا، غير أن تبدّل مواقفهم يثير النقاش في سياق التقارب والتباعد عن حكومة العدالة والتنمية، على الرغم من الاستفادة من التسهيلات الواسعة. هنا، تبدو مواقفهم مثيرة للجدل، فبينما لم تزل مجموعة معارضة في المنفى، فإنها تتواصل سياسياً مع جهاتٍ حزبيةٍ خارج التحالف الحاكم، وهو ما يثير التساؤل بشأن ملاءمة الاندفاع نحو الانخراط في الشؤون الداخلية لتركيا، وتزامنه مع تطورات العلاقات التركية المصرية.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى ثلاث مشاهدات متقاربة زمنياً، وبطريقة متساندة، ويمكن أن تساعد في رسم صورة التحركات ومراميها. في 21 الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، زار تشكيل من إحدى مجموعات الإخوان المسلمين في تركيا حزب “السعادة” محدود الوزن السياسي، وهي زيارة ذات طابع تنظيمي واضح، لم تستطع بياناتٌ لاحقةٌ نفيه وتحويل الانتباه عنه، لم يكن مثل هذا التحرّك الأول من نوعه، فقد سبقته تصرّفاتٌ مماثلة ترسم صورة مستقرّة على التلاقي بين الطرفين. وهي تصرفاتٌ يمكن قراءتها شكلاً من التعبير السياسي، وليس عملاً خيرياً يحمل في طياته، بوعي أو بدونه، سماتٍ سلبية تعكس وجود رغبةٍ في التداخل مع السياسة التركية. تبدو هذه التوجهات معلنة ومستقرة منذ وقت طويل، غير أنها ظلت في أطر فرديةٍ، ولم تظهر على نحو انحياز سياسي علني، في وقتٍ استفادت فيه من رعاية الحكومة التركية للحيلولة دون وقوعهم تحت حالة اللجوء وفقدان الأمن.

نظرة المعارضة تميل إلى قبول أن توتر العلاقات بين تركيا ومصر يتيح لها فرصة العمل المناهض على الأراضي التركية

وأشار نائب مرشد الإخوان المسلمين، إبراهيم منير، لقناة الجزيرة مباشر في 19 مارس/ آذار الماضي، إلى وجود عقيدة عدائية لدى الجيش المصري تجاه الجمهورية التركية، واعتبر السياسة المصرية مجرد مناورة وتلاعب. وتبدو هذه الصيغة مناهضة للتغير في العلاقات المصرية التركية، وتعمل على تكبير الصورة السلبية، ولم تخفّف منها إشارات متناثرة عن عدم الاعتراض على سياسة تركيا. ويمكن فهم الصيغ الواردة في الحوار في نطاقٍ يتجاوز التشكيك في التقارب بين البلدين، لعدم الارتياح لها أو رفضها، فالتصريح يتضمن اعتراضاً على طريقة إدارة الحكومة التركية علاقتها مع مصر، ويتلاقى هذا الموقف مع ادعاءات المعارضين برصانتهم في إدراك السياسة المصرية. وبالتالي، يمكن فهم إظهار الترابط مع حزب السعادة امتداداً للنظرة غير المريحة لحزب العدالة والتنمية، باعتباره حزباً علمانياً منشقاً عن الحركة الإسلامية.

وأيضاً، في شهر مارس/ آذار الماضي، كشف خروج المناقشات بشأن التعامل مع قنوات المعارضة المصرية إلى العلن نوعاً من ابتزاز المعارضين، فقد ظهرت مطالب تشير إلى ضرورة توجيه تركيا إلى ما يجب أن تفعله مع مصر، وخصوصاً ما يتعلق بوضعهم ضمن عملية التفاوض على قاعدة المعاملة بالمثل، وهو نمطٌ من التفكير يعتبر نفسه جزءًا من مكونات السياسة التركية، متجاهلاً كونهم حالة معارضة في المنفى.

وفي سياق التغيرات المصاحبة لقنوات الإعلان المعارض، بدت قناعة، لدى بعضهم، مؤقتة، تطالب بمعالجة الإعلام كما لو كان جزءًا من النظام التركي، حيث طرح نفر من المعارضة فكرة التلازم المتبادل بين البلدين بالرقابة الإعلامية المتماثلة. وعلى الرغم من التراجع عن محاولة التوجه تلك، فإنها تكشف عن تضخم النظرة إلى الذات، وتَقَمص خيال المواطن من دون معارض المنفى، غير أن خفوتها السريع يوضح جانب الهشاشة والإذعان، ويؤكد على سيادة زئبقية التفكير والمواقف.

تشكل مجموعات الإخوان المسلمين الخيط الرابط بين حزمة من التصرّفات المتماثلة في التَحَفُظ على السياسة التركية

على أية حال، تُشكل مجموعات الإخوان المسلمين الخيط الرابط بين حزمة من التصرّفات المتماثلة في التَحَفُظ على السياسة التركية، سواء من الأطر الرسمية أو التوجهات العامة لأعضائها، وهي مكوناتٌ متَنوعة لبدائل تجمع ما بين البحث عن الاستقرار في ملاذ آمن سهل وميول التطرف والعنف في تركيبةٍ مرنةٍ تسمح بالانتقال فيما بينها وفقاً للتغيرات السياسية. ويمكن النظر إلى تحَيُّز مجموعة من الإخوان في المنفى والمحكومين في بلدهم الأصلي لأحد الأحزاب السياسية نوعاً من الانحشار في التنافسية أو الصراع السياسي في نظامٍ حزبيٍّ يشهد تعقيدات كثيرة.

ما يثير الجدل هنا يتمثل في وجود شعور مزيف بإمكانية التأثير في السياسة التركية وفق اتجاهات الأممية الإسلامية، فيما تسير تركيا نحو توضيح مرامي الدولة الوطنية. وإلى جانب هذا التباين، تترتب على اختلاف المنظور حزمة تناقضات وإكراهات سياسية لضبط التصرفات. في حقيقة الأمر، تقع فروع حركة الإخوان في المشرق العربي تحت تصنيف مشكلة أمنية أو منظمة إرهابية. وبهذا المعنى، قد يساهم استمرار انحسار القيم والتقلب بين خيارات متنافرة في بلورة مآلات مماثلة.

تتفاعل هذه السلوكيات في سياق مرور ما تبقى من حركة الإخوان في مرحلة تشتت وانقسامات متناثرة. ولم تفلح محاولات إعادة التشكيل الظاهري للجنة الإدارية، سبتمبر/ أيلول 2020، في معالجتها، وتلبسها نمطا تنافسيا أو صراعيا بين مجموعتين تتوزعان على لندن وإسطنبول، وفي بعض الأحيان تظهر خلافات حول تصريف الأعمال والانتخابات الداخلية. ترافقت حالة الانسداد التنظيمي مع تشتت حركة الإخوان المصريين في الخارج إلى عدة مجموعات، تختلف في موقفها وطرق العمل، بحيث صارت في صيغةٍ يصعب الاعتماد عليها حليفاً مستقبلياً، سواء لانحسار مكونها التنظيمي أو تنافر أجزائها. ولهذا يرجح سعيها إلى ترتيب بقائها في الخارج ضمن أنشطة خاصة، تتراجع فيها الاهتمامات المصرية، لتتشكل سياقات الذوبان في المجتمع الجديد، وبطريقةٍ تمهد لاستقرار التوظيف السياسي على الجانب الأميركي، اعتماداً على توجهات أميركية جديدة ومحاولات نقل قرار الجماعة إلى الغرب الأوروبي، في صورة تزيد من احتمالية خوضها رحلة أخرى من تلاعب الدول بأزماتها مع مصر.

شعور مزيف بإمكانية التأثير في السياسة التركية وفق اتجاهات الأممية الإسلامية، فيما تسير تركيا نحو توضيح مرامي الدولة الوطنية

وتبدو ملاحظات مشتركة بأن نظرة المعارضة تميل إلى قبول أن توتر العلاقات بين تركيا ومصر يتيح لها فرصة العمل المناهض على الأراضي التركية. ربما ترتبط حالة الفصام والوهم بإمكانية إعادة توجيه السياسة الخارجية التركية بالحصول السهل على تسهيلات، خلال السنوات الماضية، ولَّدت إدراكاً بإمكانية التأثير السياسي أو الدخول في مناقشاتٍ رسميةٍ مع الحكومة. قد يفسّر ذلك، جزئياً، تسارع بعض ذوي الاتجاه الإسلامي ومعارضين للتعبير عن عدم جدوى التقارب بين تركيا ومصر، والحديث بشكل واسع عن قيود تحول دون الوصول إلى غايته بإثارة الجدل بشأن تخلي تركيا عن مسؤوليتها، وبالخضوع للمطالب المصرية. تعود هذه القناعات إلى صورة ذهنية مفادها بأن مجموعات المعارضة بَنَت انطباعاً افتراضياً بإمكانية الدخول على القرار السياسي، وتوجيهه وفقاً لمقتضياتها، فيما غاب عنهم الالتفات إلى وقوعهم ضمن طائفة خدماتٍ مماثلةٍ تُقدمها الحكومة لشعوب مختلفة، فمنذ بداية 2016، بدت تركيا على قناعة بأن المعارضين المصريين أكثر انهماكا في صراعاتٍ تصرفهم نحو مشكلاتٍ فرعيةٍ بعيدة عن السياسة والمصلحة العامة. وصارت السياقات السياسية ترجّح أن مجموعات الإخوان والمعارضة تشكل حالة خِفة سياسية أقرب إلى التعايش وفق هامشٍ متروكٍ قد تمثل محاولة تجاوزه عبئاً مفتوحاً.

وإزاء هذه التصرفات، يحاجج بعضهم بأن اجتماعات رئيس الدولة، رجب أردوغان، بمسؤولين في بعض الأحزاب التركية في إطار تقاليد سياسية، تُعد مبرّراً كافياً للتواصل السياسي بين منظمات أجنبية مع أحزاب سياسية معارضة للحكومة. ثمّة حالة وحيدة يكتسب فيها هذا التبرير حجيته، حيث يتم فيها الإعلان عن انقضاء وصفهم بالمعارضة المصرية، والتصرّف على قاعدة المواطنة التركية المُكتسبة بتسهيلات من الحكومة القائمة، ومن دون اندماج حقيقي. وهي في حقيقتها ظلت حالةً هامشيةً في السياسة والاجتماع.

ربما ترتبط حالة الفصام والوهم بإمكانية إعادة توجيه السياسة الخارجية التركية بالحصول السهل على تسهيلات خلال السنوات الماضية

لا تعد الصور السابقة الشكل المعبر عن المصريين في الخارج، حيث تكشف المناقشات المفتوحة لمجموعات من المصريين في الخارج عن تبلور حالة نضجٍ تقترب من تعريفاتٍ تدرك التمايز ما بين الخلاف السياسي والسعي إلى حماية المصلحة الوطنية. وكان لافتاً استقرار التناول بمسؤولية القضايا الاستراتيجية بطريقة تتباين مع ما تثيره المعارضة الظاهرة على السطح. لعل ما تكشفه غرف المناقشات يتمثل في بيان سماتٍ متوفرةٍ تتمثل في قوة التعبير الانفتاحي، على الرغم من إدراك وجود حالة مزايدة ومحاولات سحب المناقشات نحو حالة تَوحد تبدو مرَضية. وتكمن أهمية ما تثيره هذه المناقشات في نوعية الشخصيات وارتفاع مستوى تأهيلهم بشكلٍ يزيد من فرصة التعدّدية، وظهور بدائل تعتمد على ذاتها، وبعيدة عن تأثير المال السياسي السهل.

على أي حال، تبدو صعوبة الفصل ما بين مناكفات تكوينات الإخوان المسلمين ومسار العلاقات المصرية التركية، ليس فقط بسبب تزامن الأحداث، ولكن لظهور قناعاتٍ جزئيةٍ لما يمكن تسميتها مشروطية المعارضة على الدولة المضيفة لإلزامها بالسير في مطالبهم وتحَمل أعبائهم. يمثل ذلك حالة غير مسبوقة في حالات المعارضة في المنفى، حيث توظِّف الدول الجماعات السياسية لمصلحتها، فيما كانت المعارضة المصرية سلسلة من الأعباء على السياسة التركية. ولهذا تبدو أهمية تجاوز تلك الحالات والإشكالات، عبر بناء وعيٍ يعطي اعتباراً محترماً للمصلحة الوطنية لكل من البلدين.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة