Business is booming.

الجوهر الإسلامي والثوب الشيوعي

يسبق السودان الوطن العربي بمسار خاص، فكري واجتماعي. ليست لديّ إحصائيات لذلك، لكنّ دلائل المتابعة تفيد بتميز هذا المسرح السوداني. هذا المسار هو الالتحام التقاطعي العميق بين التيارات الفكرية وجذورها الاجتماعية، وتأثير هذه الجذور، على الرغم من البأس السياسي والاستبداد الذي نصب مشانقه ضد مناضلي التيارات، بغض النظر عن مساحة التدافع، سياسياً مشروعاً أم مسلحاً. لكنّ عسف المستبد كان توحشاً سلطوياً في العموم، والعدالة المستقلة في صراع التيارات هي الحكم، وليست أفعال السلطة.
لكنّ السودان الفكري والاجتماعي واظب على اشتباك إيجابي، عزّزته تلك الجذور المشتركة بين العرب وأشقائهم الأفارقة، فأحدثت لهذه الرحلة معهداً بنيوياً مختلفاً عن بقية الأوطان العربية، وهي كذلك في مساحة التداخل الفكري الذي يمثل السودان فيه جامعة مفتوحة، يحجّ لها بالفعل من يرغب في نصب خيمته عند التاريخ الفكري الملتحم بطيفٍ اجتماعيٍّ واسع، يمارس ميثاقاً اجتماعياً أخلاقياً بين أركانه، لا نبرّئ في إضعافه أيّ نظام مستبد، لكنّ آثار ميثاق الضمير بقيت قائمة، ونأمل أن يتعزز أخلاقياً، ويتم تجاوز مرحلة الصراع الفكري الحالية من دون إسقاطه.

الجوهر الذي ظلّ يحكم فاطمة أحمد إبراهيم في تحديد طبيعة الكفاح الحقوقي من الثأر الثقافي التياري الذي تعيشه جماعات متناحرة

من هذه التميزات السودانية، نستذكر شخصية المناضلة الحقوقية الشيوعية، فاطمة أحمد إبراهيم، التي قادت الحركة الحقوقية النسائية، في رحلة غريبة عن أوساط الراديكالية العلمانية، من حيث الجامع لأفكارها، وبالذات الأركان القيمية في حياتها الشخصية. ولعلّ النص الذي رثاها به المحبوب عبد السلام، نحت أدبي ملهم، ممتلئ بمخزون الرؤية الكفاحية بينها وبين أخيها الشاعر صلاح أحمد إبراهيم. والأهم قصة الجوهر الذي ظلّ يحكم فاطمة، فهو المفصل هنا، ليس في قضيتها الشخصية، لكن في تحديد طبيعة الكفاح الحقوقي من الثأر الثقافي التياري الذي تعيشه جماعات متناحرة، تختلف لكنّها تشترك في هذه السمة، وهو الصراع للثأر، وليس للحقوق الوطنية والإنسانية للمجتمع والشعب. وهي حالة يشترك فيها الإسلامي الأيديولوجي المتطرّف والعلماني الراديكالي، مع الاختلاف في قضية التبني. وهنا تبرز لنا رحلة فاطمة أحمد إبراهيم، من بيت أبيها الذي كفل لها أصل التدين الروحي والجوهر القيمي، وبقي ثابتاً فارقاً لم تزعزعه الاشتراكية العلمية، كما أنّ هذا الجوهر بقي معها في كلّ رحلتها الحقوقية الممتدة، والتي عسف بها الزمان، فأعدم زوجها الشفيع أحمد الشيخ، ثم لم تكسرها مظلمة إعدامه، وواصلت رحلتها، بعدما انطلقت بصحبته زوجاً ورفيقاً، في رحلة العمل النقابي والتمثيل النيابي الذي كانت المرأة الرائدة فيه.
كان الثوب السوداني المجلل بما يشابه الحجاب معها طوال رحلتها، وكانت تقوم لصلاتها في أوقاتها مطمئنة، لم تكن تعرض صلاتها على الناس، ولا المسرح الخطابي، ولا ضجيج الجمهور، وإنّما كانت تردّد أنّه الجوهر الذي تقوم عليه رحلة الروح. وقد قرأتُ سلسلة المطالب التي انتزعتها فاطمة إبراهيم، لصالح المرأة، فلم أجد فيها ما يناقض الإسلام، بل على العكس؛ الاسترداد الحقوقي من دون أن يُسقط ذلك حق المرأة في خيارها، تكاملاً لها بحسب ظرفها، فهي خيارات وحاجات للمجتمع وللمرأة، وليست شروطاً تفرض عليها.

تيار التطرّف قديماً وحديثاً موجود في الحياة الحزبية العلمانية العربية، لكنّ تطرّف اليوم يبرز في ميدان، فاطمة إبراهيم، نفسه، في صدام فلسفتها مع ثأر تيار النزوة الجديد

وتبدو رحلة رائدة الحركة النسائية في السودان، فاطمة إبراهيم، في الجمع بين المفهوم الحقوقي الثقافي الذي ينصف المجتمع أو شريحة منه، حالة تشمل عدداً آخر من كوادر العمل النقابي والمنتمين إلى أحزب اليسار وأحزاب علمانية متعددة. القاعدة هنا أنّهم فهموا زاوية النقص والتعدّي والظلم، ورأوا في ذلك القالب الفكري، ثم النقابي، مسطرة كفاح وطريق نضال أو تنوير لصالح الإنسان.
في المقابل، تيار التطرّف قديماً وحديثاً موجود في الحياة الحزبية العلمانية العربية، وليست مهمة هذا المقال جرده، لكنّ تطرّف اليوم يبرز في ميدان، فاطمة إبراهيم، نفسه، في صدام فلسفتها مع ثأر تيار النزوة الجديد، ونقول هو ثأر، لأنّه يُمركز كلّ قضيته في التحول الجندري الصراعي، ويسحب البساط من الجوهر القيمي والأخلاقي الذي كافحت لأجله فاطمة إبراهيم، وهو حقوق المحرومين في المجتمع، وانتزاع التشريعات والقوانين لحماية المرأة المظلومة أو المهمشة، وهنا فارق كبير للغاية، فالحرب اليوم التي بعث الغرب الحداثي الإبادي فكرتها، ونشرها على العالم، وجعل الشرق ميداناً للضغط فيها، تحوّلت فيه قضايا الحقوق للمرأة التي تكفل رفع الظلم، وبقاء حق أنوثتها وشراكتها، كمركز للأسرة الفطرية، إلى حرب جندرية، لا معايير حقوقية لها، وإنّما معايير أيديولوجية عنيفة متطرّفة لا سقف لها، إلا نزوة الثأر الغربية في إسقاط الأسرة، وجعل فكرة الثورة باسم الجندر المنتقم من الذكور، ثم من أنوثة المرأة، جوهر الهوية النسوية. وبالفعل، هنا يتبين أنّ هناك تصادماً بين جوهرين؛ جوهر القيم الأخلاقي، وأقانيم الجوهر المادي المنزوعة منه الروح والأخلاق.

تعتقد فاطمة إبراهيم أنّ المجتمع المتكاتف يجب أن يكون ظلّ المرأة معها وبها

رأت فاطمة إبراهيم أنّ رحلة الكفاح للمرأة مسيرة تحرّر مجتمعي، لوطن أجمل ولشعبٍ يحب بعضه، وينسجم حول قيمه، ولم ترَ في هذه القيم بأساً، بل جعلت حياتها مرتبطةً بهذا الجوهر. تقوم إلى صلاتها وهي تستشعر القوة في نداء الروح، وتقوم إلى كفاحها وهي تعتقد أنّ المجتمع المتكاتف يجب أن يكون ظلّ المرأة معها وبها، فهنا إرادة وطن حر يكافح النساء والرجال لأجل المساواة الحقوقية في المعايير، وليست البيولوجية القهرية، التي تؤسَّس عليها اليوم حرب الجندر ضد الحياة المطمئنة.
ومن المؤكد أنّ للفكرة الشيوعية مساحتها التي لا تتفق مع رؤية الإسلام الكونية، لكنّنا هنا لا نناقش هذه الرؤية، وإنّما نستذكر نموذجاً أخلص لمجتمعه وأخلاقه، وكانت قصة كفاحه منظومة حقوق وردّ اعتبار للمرأة، من ساحات النقابات حتى قبة البرلمانات، فيما مهمة الجندر المريض حصار المرأة في نزع أنوثتها، ثم دفعها إلى حرب الذات والمجتمع والشريك. هنا قصة جوهر فاطمة الأخير، يقرع باب السودان الجديد.