الوضع الوبائي في تونس
الحالات
90٬213
الوفيات
2٬935
مريضة حاليا
21٬975
حرجة
287
الحالات التي شُفيت
65٬303
أخر تحديث بتاريخ 11/25/2020 الساعة 5:32 ص

وساطة تركيّة وراء إطلاق سراح المعتقلَين الروسيَين في ليبيا

كشفت مصادر ليبية مطلعة عن انتهاء تسوية ملف المعتقلين الروسيين لدى حكومة “الوفاق” الليبية مع الجانب الروسي وبوساطة تركية، مؤكدة أن الجانبين، الليبي والروسي، سيعلنان “قريباً” عن عودتهما إلى بلادهما. 

واعتقلت أجهزة أمنية تابعة لوزارة داخلية حكومة “الوفاق” الروسيين مكسيم شوغالي وسامر سويفان، في مايو/ أيار 2019، بتهمة “محاولة التأثير على الانتخابات” في ليبيا لصالح رموز النظام السابق، وتحديداً سيف الإسلام، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، والمطلوب للعدالة الدولية. لكن رئيس صندوق حماية القيم الوطنية الروسي، ألكسندر مالكيفيتش، أكد، في تصريحات صحافية إثر الاعتقال، أنّ شوغالي “عالم اجتماع روسي يعمل على إجراء دراسات استقصائية ثقافية واجتماعية سياسية في ليبيا”، ويعمل سويفان مترجماً له، وفق تصريحاته. 

ونقلت وكالة “بلومبيرغ” الأميركية عن مصادرها، منتصف الأسبوع الجاري، موافقة حكومة “الوفاق” على إطلاق الروسيين المعتقلين لديها، مشيرة إلى أنّ الحكومة قد تطلق سراحهما “في غضون عدة أيام”. 

لكن مصادر ليبية من طرابلس كشفت لــ”العربي الجديد” أنّ تركيا لعبت دور الوسيط في قضية المعتقلين الروسيين، بهدف إحداث تقارب أكثر بين طرابلس وموسكو، في محاولة لاختراق الموقف الروسي المائل لصالح اللواء المتقاعد خليفة حفتر ومليشياته، وحلحلة ملف مرتزقة “فاغنر” المنتشرين في عدة مواقع عسكرية ونفطية في البلاد، بعد أن بحث مسؤولو حكومة “الوفاق” عن صيغة قانونية مناسبة لتبرئة المعتقلين، خصوصاً وأنّ تهمة “التخابر” التي وجهت لهما تضعهما تحت طائلة قانون العقوبات الليبي وبمدة لا تقل عن 17 عاماً من السجن. 

مصادر ليبية من طرابلس كشفت لــ”العربي الجديد” أن تركيا لعبت دور الوسيط في قضية المعتقلين الروسيين

وتصر موسكو على نفي التهم الليبية الموجهة للمعتقلين الروسيين، فيما أكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، خلال تصريحات صحافية، مطلع يونيو/حزيران الماضي، أنّ المعتقلِين يشكلون عقبة أمام التعاون بين موسكو وطرابلس.

لكن حكومة “الوفاق” اتهمت موسكو عدة مرات بدعمها العسكري والسياسي للواء المقاعد خليفة حفتر ومليشياته من خلال مرتزقة “فاغنر” الروسية، خصوصاً إبان عدوانه على العاصمة الذي انتهى بانكسار قواته نهاية مايو/ أيار الماضي. بل أكثر من ذلك، كشف وزير الداخلية بحكومة “الوفاق”، فتحي باشاغا، في تصريحات نقلتها صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني العام الماضي، عن علاقة محتملة بين المعتقلين الروسيين ومرتزقة “فاغنر”. 

وأشارت تصريحات للمبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط، ميخائيل بوغدانوف، منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي، إلى وساطة تركية في قضية المعتقلين الروسيين، قائلاً إنّ “موسكو تتباحث مع أنقرة حول الإفراج عن اثنين من المواطنين الروس المحتجزين في ليبيا”. 

لكن التوقيت له دلالته، بحسب الباحث الليبي في العلاقات الدولية مصطفى البرق، الذي يرى أنّ تشابكاً وتعقيداً يشوبان الملف الليبي في فترة ما بعد الهزيمة التي مني بها حفتر، وهو ما ترك أثرًا لدى حلفائه الذين راهنوا عليه لعدة سنوات، ومنهم روسيا. 

ويوضح البرق أنّ “دخول أنقرة على خط الصراع الليبي أربك حسابات الكثير من الأطراف وبعثر الأوراق، ما أجبر حلفاء حفتر على مراجعة مواقفهم”، لكنه يشير إلى أنّ “الموقف الروسي كان الأكثر حرجاً، باعتبار تماس روسيا مع تركيا في أكثر من ملف آخر خارج الساحة الليبية”. 

ويعتقد البرق، في حديثه لــ”العربي الجديد”، أنّ “انخراط الأميركيين في الملف الليبي وتصوراتهم بشأن مناطق وسط ليبيا التي تبنتها البعثة الأممية، زادت من حرج الموقف الروسي، فحاولت موسكو عرقلة الدور الأميركي من خلال رعايتها لمفاوضات حول النفط بين حفتر ونائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق، لكن اتفاقهما المعلن فشل في تحقيق أي شيء على الأرض”. 

وعلى العكس من ذلك، يرى البرق أنّ “اتفاق حفتر وأحمد معيتيق (نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق) كشف عن خسارة موسكو لرهانها على حفتر، الذي طالما استقبلته موسكو كشخصية رسمية وعلى مستوى عال، وجعلها تتمسك بملف النفط كآخر أوراقها في البلاد”، وقال: “خطوتها للقبول بالتقارب مع حكومة الوفاق من خلال معيتيق، والآن بشكل مباشر مع حكومة الوفاق وعبر أنقرة، تؤكد أن وجودها في ليبيا شارف على الانتهاء، مقابل صفقات لا يبدو أنها تتجاوز حفاظها على مصالحها الاقتصادية”. 

ويقر المحلل السياسي الليبي مروان ذويب، بأنّ ملف النفط أهم ملفات روسيا في ليبيا، خصوصاً الغاز الذي يعتبر أهم الأوراق الروسية الضاغطة على أوروبا، ولا يرى ذويب أنّ روسيا خسرت مصالحها في ليبيا، “فهي لم تراهن على حفتر؛ والتهم الموجهة للمعتقلين، وسعيهما للتأثير على الانتخابات لصالح رموز النظام السابق، تؤكد ذلك”. 

ويشير ذويب، في حديثه لــ”العربي الجديد”، إلى أنّ “المعطيات الجديدة في الملف الليبي دفعت بموسكو لبدء مناورة جديدة”، قائلاً: “الاتفاق العسكري وما نتج عنه من خسارة حفتر سيطرته على مواقع النفط التي ستشرف عليها قوات ليبية مشتركة، وعودة الإنتاج والتصدير تحت رعاية مؤسسة النفط في طرابلس، دعت موسكو لتغيير أوراق لعبتها”، مشيراً إلى أنّ “مشتركاتها في مجالات الغاز والطاقة مع تركيا عديدة وهو ما تدركه تركيا أيضا، ولذا فموسكو لا تزال تناور من خلال ملف النفط والغاز الليبي ولم تبتعد عن الأحداث بشكل كبير”. 

ويبدو أنّ ظاهر التصريحات الروسية الرسمية للحل السلمي في ليبيا، وعدم إعلان موسكو موقفاً رسمياً داعماً لحفتر، جعلاها تتحرك بحرية أكثر للحفاظ على موقعها في الملف الليبي، بحسب ذويب، مضيفاً أنّ “قضية المعتقلين الروسيين لا تبدو ذات أهمية كبيرة في سياسات روسيا، بقدر ما تمثل بادرة طيبة من جانب طرابلس تمهد لعلاقات أكثر متانة”. 

لكن من جانب آخر يتساءل ذويب: “إلامَ تخطط طرابلس وحليفها التركي المصر على البقاء في ليبيا، والأيام التي تفصل عن ملتقى سياسي سيعقد في تونس لتوافق حول سلطة جديدة موحدة باتت قليلة؟”، معتبراً أنّ “عزم طرابلس على تسليم المعتقلين بعد عام ونصف يعني حصولها على شيء بالمقابل لن يكون أقل من دعم سياسي في هذه المرحلة وفي هذه الأيام الحرجة”. 

ويعتقد ذويب أن “قضية المعتقلين الروسيين قد تبرز تقارباً مع طرابلس في وقت شديد الحساسية مرتبط بموقف رئيس حكومة الوفاق فائز السراج واستقالته الغامضة، وسط مطالب حلفائه المحليين بتأجيلها، وترحيب تركي متحفظ بالاتفاق العسكري لوقف إطلاق النار في ليبيا، الذي رحبت به موسكو أيضاً بفتور، ما يعني أنّ المشهد سيستقبل قريباً مستجدات تتعلق بالمساعي الأممية الأخيرة، قد تقابل بتصريحات أميركية وأوروبية حادة”.