إيران ـ أميركا: روحية كيسنجر

بعد أسبوعين تقريباً من التحشيد والتصعيد، بدا أن الإيرانيين والأميركيين باتوا أكثر ميلاً إلى التهدئة. الطرفان يدركان قواعد اللعبة: "القوة في إظهار القوة". ومع أنه واقعٌ اعتادته الولايات المتحدة، إلا أن إيران تخوضه، ربما، للمرة الأولى مع الأميركيين بشكل مباشر. الحديث الإيراني عن "القدرة على سحق القوات الأميركية في الخليج والقواعد المحيطة بإيران" ليس سوى واحدةٍ من محطات الضغط الكلامي. طهران مدركة تماماً أنه لا قدرة لها على ضرب واشنطن. إيران ليست فييتنام وأميركا حالياً ليست أميركا الستينات والسبعينات. في المقابل، ليس الحديث الأميركي عن "سهولة القضاء على النظام الإيراني" في محله. الإيراني هو فارسي أولاً، قبل أن ينتمي إلى عقيدة دينية. عليه، بدأت ترتسم بنود المرحلة المقبلة. سيعمد البلدان إلى توسيع رقعة التفاوض غير المباشر. عادة في الشارع، يدفع تأخر الطرفين المتقابلين عن التواجه المباشر الأطراف المحتفظة بعلاقة ودّية بينهما إلى التدخّل لتلافي الصدام. وعادةً، كلما ازدادت مساحة تدخّل هذه الأطراف ضاقت مساحة الخلاف بين الفريقين الكبيرين. ومع الوقت، وفي حال استمرّ التفاوض غير المباشر، يكبر طرح التفاوض المباشر. بالتالي، يمكن توقع أنه في حال لم تقع الحرب، لا مباشرة ولا غير مباشرة، بين إيران والولايات المتحدة، فإن البلدين سيتحوّلان إلى التفاوض المباشر، ومن ثم تطبيع العلاقات، وصولاً إلى إعادة فتح السفارات. في النهاية، تريد إيران أن تأكل، وتريد أميركا الانخراط في طريق الحرير الجديد.
طبعاً، قبل الوصول إلى هذا المسار، هناك ملفات عدة، كالحوثيين والحشد الشعبي وحزب الله. وهي ملفاتٌ يريد الأميركيون من إيران التخلّي عنها، بادرة "حسن نية". الإيراني لن ينفّذ هذا الأمر، أقلّه على المدى القريب. ويمكن لكلام رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه، أن يُشكّل معياراً، قال إن "إيران لن تخوض تحت أي ظرف حرباً مع الولايات المتحدة، لا مباشرة ولا بالوكالة"، مضيفاً أنه "لا يمكن لأي جماعة أن تعلن أنها تدخل في حرب بالوكالة عن إيران". يكفي كلامه لإطفاء "حماسة" من أراد الحرب ضد الأميركيين، خصوصاً من يعتبر نفسه حليفاً لإيران، و"واثقاً" من قدرته على إشعال الشرق الأوسط من دون خسائر هائلة.
يريد الأميركيون بدورهم أمراً واحداً: طريق الحرير، وإيران الجزء الأهم فيه. بالنسبة للولايات المتحدة، الصراع على المسار البحري من هذا الطريق، في بحر الصين الجنوبي، ثم في سريلانكا، على خلفية وجود المخابرات الأميركية لـ"المساهمة في التحقيقات بتفجيرات عيد الفصح" في 21 إبريل /نيسان الماضي"، أساسي، خصوصاً أن المسار يمتد بحراً وصولاً إلى أفريقيا، حيث الصراع على أشدّه هناك، سواء في السواحل الغربية من القارّة، أو في وسطها. الأميركيون مدركون أهمية طريق الحرير البرّي، وأهمية وجود إيران فيه. حسابات واشنطن، مرتبطة بكيفية تطبيق بعض أفكار وزير الخارجية الأسبق، هنري كيسنجر، لناحية كسب إيران "شريكاً أساسياً". والمعروف أن أميركا حين تريد أمراً ما تحققه. مثلاً، إذا خرج الإيرانيون اليوم معلنين اتفاقهم مع الأميركيين على فتح السوق الإيرانية للشركات الأميركية، ستزول كل الخلافات، أما باقي المسائل، مثل "تحرير فلسطين" و"القضاء على إسرائيل"، فليست سوى شعارات فقط في هذه المرحلة، ومن غير الوارد تطبيقها.
السؤال الأهم: هل يحصل هذا كله؟ قد يكون الجواب مرتبطاً بعوامل عدة. أولاً، العامل الأبرز الذي يحكم كل الخلاف الإيراني ـ الأميركي هو الاقتصادي. ثانياً، وجود محمد جواد ظريف على رأس الدبلوماسية الإيرانية كفيل بإفساح المجال للتقارب الأميركي ـ الإيراني. ثالثاً، لا إيران تريد أن تكون عراقاً ثانياً ولا أميركا تريد تكرار المرحلة العراقية. الآن الدولتان في الوسط، وروحية كيسنجر هي التي تحكم المرحلة الحالية. 600 782 - إيران ـ أميركا: روحية كيسنجر

قد يعجبك ايضا