ما لم يرد كشفه “الغداء الأخير”

عرضت قناة الجزيرة، أخيرا، تحقيقا تلفزيونيا في فيلم "الغداء الأخير"، عن اغتيال الرئيس اليمني الأسبق، عبد الله الحمدي، في أكتوبر/ تشرين الأول 1977. وعلى الرغم مما اشتمل عليه من جهد توثيقي واضح، إلا أنه لم يكن أعمق مما كان منتظرا منه، فكل ما قدّمه هو إثباته رواية شعبية في اللاوعي الشعبي لدى كل اليمنيين عن تلك الجريمة الأليمة التي أجهضت مشروع دولة اليمنيين باكرا، بقتلها أهم رئيس يمني على الإطلاق، وأحبهم إلى شعبه.
بدا هذا الجهد التوثيقي، وتجميعه الشواهد، إنما لتأكيد الرواية المتداولة عند اليمنيين، بكل تفاصيلها. ولكن الجديد في الفيلم، والذي ربما لم يخطر في بال المخرج الصديق جمال المليكي وطاقمه، ولم يكن في حسبانهما، هو الدور الواضح لما سميت "الهاشمية السياسية" في تلك الجريمة، وغيابها عن أصابع الاتهام طويلا. وذلك من خلال الأسماء الثلاثة التي وردت في سياق الأحداث، ودورها المحوري فيها، أحمد العماد ومحمد الشامي وَعَبَد الله الحكيمي، ذاته، شاهد الفيلم والمتحدث الرئيس الباقي الوحيد فيه، والمعروف اليوم موقفه من الانقلاب على الحمدي، فضلا عن تماهيه مع القتلة حينها، وكتابته بيان نعي مقتل الرئيس، بالاشتراك مع أحمد العماد، مدير مكتب الرئيس أحمد الغشمي، الذي خلف الحمدي. وكان الحكيمي يعد من أقرب المقرّبين للرئيس الحمدي، فكيف تجاسر على التماهي مع مرتكبي تلك الجريمة، وهذا سؤال كان ينبغي أن يُوجه إليه من جمال المليكي.
أما أحمد العماد فقد ظل حاضراً بقوة في عهد الغشمي وتاليا علي عبد الله صالح، ممثلاً لتيار الهاشمية السياسية وجناحها، منذ عشية المصالحة الملكية الجمهورية بداية السبعينيات وحتى وفاته، وهو الذي ظل رقماً صعباً في نظام صالح، وعلى رأس جناح كبير، كاللواء يحيى الشامي، والسياسي والبرلماني أحمد الكحلاني، وغيرهما من الأسماء التي اشتغلت طوال حكم صالح في تمكين الهاشمية السياسية ورعايتها في مؤسسات الدولة طوال حكم الحمدي والغشمي وصالح، حتى عشية سقوط صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014.
وفي ما يتعلق بدور الجناح القبلي في سلطة الحمدي، فقد كان واضحا في عرقلة مسيرة الرجل التصحيحية، ولكنه لم يكن من الذكاء السياسي أن يفكر بالطريقة التي فكر بها جناح الهاشمية السياسية، والذي استخدم الجناح العسكري، ممثلا بعلي صالح وأحمد الغشمي ومحمد الحاوري، في إطاحة الرئيس الحمدي، فيما هم ظلوا بعيدين عن أصابع الاتهام التي وجهوها للجناح القبلي مباشرة، فيما ذهبوا هم إلى قطف ثمار جهودهم في التحكم والتغلغل في مؤسسات الدولة.
وهذا ليس دفاعا عن الجناح القبلي، وحليفهم حينها الإسلاميين الذين كانوا حينها في أشبه بتحالف مع الحمدي الذي مكّنهم، وأسس لهم المعاهد العلمية وهيئة الأوقاف والإرشاد، وحاول جاهدا دمجهم في مؤسسات الدولة أولا، ليظلوا تحت عينه حينها، فضلا عن مواجهة اليسار وحزب البعث من خلالهم أيضا، ما يبعد عنهم أي فرضية للتآمر والاشتراك في مقتله وإطاحته.
وبالنسبة للرواية التي دأب على سردها الناصريون، في أدبياتهم وسردياتهم التنظيمية الشفهية، فقد ظهرت بوضوح من خلال ما سرده الأمين العام السابق للتنظيم الناصري، عبد الغني ثابت، وتلك الرواية كانت شديدة الاتهام للدور السعودي مباشرة في التخلص من الحمدي، باعتباره كان يحاول جاهدا إخراج اليمن من عهدة الوصاية السعودية وذهابه نحو تشكيل تجمع دول البحر الأحمر، فضلا عن تهميشه القوى القبلية التي كانت مدعومة من العربية السعودية.
وفي ما يتعلق بالدور القبلي، أو ما يسمى بالجناح القبلي في سلطة الحمدي، ممثلا بكل من الشيخين عبد الله الأحمر وسنان أبو لحوم، وحلفائهما، فما أكّده الفيلم ووثقه عكس ما روجته السردية الإعلامية للناصريين وغيرهم في ما يتعلق بالدور المشيخي القبلي المباشر في الحادث، على الرغم من أن هذا لم يثبت من خلال الرواية التي قدّمها الفيلم، ولكن هذا أيضاً لا ينفي، ولا يعني بحال، عدم رضى الجناح القبلي، بل العكس، وخصوصا إذا ما علمنا أن الأحمر وأبو لحوم كانا على خلافٍ كبيرٍ مع الحمدي حيال قضايا عديدة، ومنها قضية تعطيل الدستور ومجلس الشورى، الذي كان الأحمر رئيسا له، لكن هذا مع ذلك لا يعني بحال أنهم كانوا شركاء مباشرين بالجريمة، وإن صبّت في صالحهم.
باختصار، ما أكده الفيلم أن الصراع الذي شهده نظام والحمدي وسلطته، كان بين ثلاثة أجنحة، هم الحمدي الذي كان في قلب هذا النظام، بمعية العسكر، وهم علي عبد الله صالح وأحمد حسين الغشمي، وعبد الله عبد العالم، والجناح القبلي المشيخي، والجناح الثالث هو الجناح الأخطر الذي كان مخترقا للجناحين السابقين، وضرب أحدهم بالآخر، بحيث تخلص من الحمدي بالجناح العسكري للحمدي، وألقى التهمة على الجناح القبلي، وعزز هذه السردية وثبتها، حتى كشف هذا الفيلم طرفا مهما منها، ممثلا بحضور محمد الشامي الذي جلب الفتاتين الفرنسيتين، وأحمد العماد مدير مكتب الغشمي، وعبد الله الحكيمي الشاهد الوحيد اليوم. 600 36 - ما لم يرد كشفه "الغداء الأخير"

قد يعجبك ايضا