دولة يوليو من التحرّر الوطني إلى الفشل السياسي

14373218 504E 4C81 9BEB AF23B526E07A - دولة يوليو من التحرّر الوطني إلى الفشل السياسي

تكتمل سبعون عاماً على تأسيس دولة ضباط يوليو في مصر. الدولة التي تأسست نتيجة انقلاب عسكري لمجموعة من الضباط في الجيش المصري. انقلاب عسكري، لكنهم ألبسوه لباس الثورة، معتمدين في ذلك على خطاب تضليلي، واستخدام الدعاية على الطريقة النازية في ترويج مشروعهم، أو ثورتهم التي لم تعرف حتى اللحظة أهدافها. يتساوى اليوم عمر دولة يوليو مع عمر الاحتلال الإنكليزي الذي احتل مصر، وأنشأ الإدارة المصرية الحديثة وهندسها، وكان له أثر كبير ألقى بظلاله على الدولة والمجتمع معا. وعند مقارنة أثر وعمق دولة يوليو في مقابل أثر الاحتلال الإنكليزي، نجد أن دولة يوليو أحدثت أثرا فاق أثر الاحتلال الإنكليزي، وأحدثت تغييرا ليس فقط على مستوى الدولة والمجتمع المصريين، بل أيضا على مستوى القضايا الإقليمية، وألقت بظلالها وما زالت على مسار القضايا الكبرى داخل هذا المحيط المسمى جغرافيا العالم العربي. لا يمكن لهذه السطور القليلة ادعاء أنها تستطيع تقديم تقييم كامل لدولة يوليو، لكنها ستحاول أن تلقي الضوء على بعض اللحظات التي مرّت بها تلك الدولة، وعلى تصرفات مؤسسيها، الخالية من المسؤولية، والتي ما زال أثرها مستمرّاً داخل دولة الضباط.
منذ اللحظة الأولى، فرض نظام ضباط دولة يوليو في مصر مقايضة ما زالت سرديتها مستمرّة، وهي العيش أو الحرية. صحيح أنها أرادت أن تؤسس لنظام يعمل لصالح الطبقات المحرومة والمهمشة، لكن من دون أن يكون لهذه الطبقات المهمشة أي دور، في تناقض صارخ ومرعب مع أبجديات أي عمل سياسي. العيش أو الحرية، كانت هذه المقايضة، في أساسها، مركّبة بين السياسة والاقتصاد والأمن، لكنها أبرزت وعكست، بكل وضوح، التناقضات داخل نظام دولة يوليو؛ فدولة التحرّر الوطني الاستبدادية تلك هي الأرضية المشتركة لهؤلاء الضباط. ولكن، في الوقت نفسه، ونتيجة للتكوين التاريخي لهذه المجموعة التي تكوّنت داخل تيارات سياسية ودينية (مثل مصر الفتاة والإخوان المسلمين) قبل إطاحة الملكية، ومشاركتها أيضا في محاربة الاستعمار ودعم التيارات الفاشية والنازية والتأثر بها، قد أثر هذا على تكوينها وتركيبتها وجعل تركيبة معظم الضباط يمينية محافظة، بل ووجود اتجاه أكثر راديكالية داخل تنظيم ضباط دولة يوليو، وهو الاتجاه الذي تمكّن في ما بعد من فرض توجهاته وعرقلة ما يراه شططًا في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مرحلة الخمسينيات والستينيات ثم فرض الهيمنة والسيطرة الكاملة لاحقًا، وهو الجناح الذي كان دائما ينضم لعبد الناصر في معاركه المختلفة.

اقرا ايضا

1660858154 Siliana 660x330 - دولة يوليو من التحرّر الوطني إلى الفشل السياسي

سليانة: حريق جبل لشيهب بالكريب لازال متواصلا وأتى مبدئيا على حوالي 16 هكتارا من الكساء الغابي

2022/08/18 22:29
oness jaber 660x330 - دولة يوليو من التحرّر الوطني إلى الفشل السياسي

بطولة سينسيناتي الامريكية: انس جابر تنهزم امام التشيكية كفيتوفا

2022/08/18 22:18

تأسّس صراع الأجهزة الأمنية ومناطق النفوذ مع نشأة دولة يوليو واستفحل داخلها، وما زال أسلوب الصراع نفسه بين الأجهزة الأمنية ممتداً

قاد عبد الناصر معارك عديدة ضد الديمقراطية، بدءا بمعركته ضد محمد نجيب، ثم ضد ضباط طالبوا بعودة الجيش إلى الثكنات وعودة الحكم البرلماني الديمقراطي، ثم معركته ضد القوى المدنية في المجتمع (حزب الوفد والشيوعيين والنقابات والجامعات والمثقفين والإعلام)، والهدف تأسيس نظام سلطوي جديد يقوم على الانفراد بالسلطة المطلقة، والوصاية التامة على الشعب والمجتمع وقتل السياسة ومنع التعدّدية والتنظيم المستقل والحريات، بحجة أن هذا ضروري من أجل تغيير المجتمع وهندسته من أعلى لتحقيق “أهداف الثورة”، وهو من منح نفسه السلطة في أن يحدّد أهداف الثورة من عدمها، أو كما ذكر أحمد أمين في مذكراته على لسان أنور السادات “هذه ثورة عبد الناصر” حينما لم يكن السادات يحضر اجتماعات مجلس الوزراء، وتبرم عبد الناصر من ذلك.
هنا قد يعترض معترض ويقول إن عبد الناصر قاد معارك كبرى حول الاقتصاد والتأميم، والإصلاح الزراعي والمعركة ضد البرجوازية في الستينيات. وحينما أسمع هذا أتذكر جملة خالد محيي الدين في مذكراته، الهدف كان “السيطرة على موارد الرزق بهدف تأمين السلطة السياسية”.
لم تنته المعارك داخل دولة يوليو أبداً، فما حدث في ما بعد بين عبد الحكيم عامر وعبد الناصر لا يمكن فصله نهائيا عن الصراع حول السلطة والسيطرة على الجيش، ولعل أحد أسباب هذا الصراع الأخطاء التي ارتكبها عبد الحكيم عامر في حرب 1956، وكذلك النكسة في 1967، إلي جانب أدائه المزري في سورية وانتهاء الوحدة بين مصر وسورية عام 1961، عندما كان نائب رئيس الجمهورية بصلاحيات رئيس الجمهورية في الإقليم الشمالي السوري من الجمهورية العربية المتحدة، وانتهت قصته في سورية بترحيله مطرودًا من البلاد في طائرة حربية على يد انقلاب عسكري خطط له ونفذه مدير مكتبه في سورية المقدّم عبد الكريم النحلاوي. أما عن حرب اليمن، فحدّث ولا حرج، ويا لها من تجربة مريرة أنهكت الاقتصاد المصري واستنزفت ما لديه.
تأسّس صراع الأجهزة الأمنية ومناطق النفوذ مع نشأة دولة يوليو واستفحل داخلها، وما زال أسلوب الصراع نفسه بين الأجهزة الأمنية ممتداً، فقد كانت المعارك مشتعلة بين الضباط وبعضهم بعضا كما حدث مثلا بين كمال الدين حسين واعتراضه على الممارسات القمعية البوليسية لأجهزة عبد الحكيم عامر العسكرية، المباحث الجنائية العسكرية وغيرها في ذلك الوقت، وهو ما ذكره كمال الدين حسين في ما بعد في مذكراته “الصامتون يتكلمون”. وذكر عبد اللطيف البغدادي بعض التفاصيل أيضا عن ذلك في مذكّراته.

لم تؤسس دولة يوليو للديمقراطية في مصر أبدا، ولم تكن تعترف بها، بل أسّست لحكم الفرد المطلق، وجعلت السلطة وراثية يتناوب عليها الضباط داخل المؤسسة العسكرية

قبل حدوث انقلاب 1952، كانت لدى مصر تجربة حزبية ودستورية رائدة في المنطقة كلها، كان يمكنها أن تتطور وتصل إلى تشكيل بناء ديمقراطي في المعادلة السياسية المصرية، في الوقت نفسه كان لدى مصر أيضا تنوع عرقي ومجتمعي ساهم في تحديث الاقتصاد وتطوّره. ومع مجيء انقلاب الضباط، قطع الطريق على هذا كله، وتم قتل الحياة الحزبية والدستورية.
لم تؤسس دولة يوليو للديمقراطية في مصر أبدا، ولم تكن تعترف بها، بل أسّست لحكم الفرد المطلق، وجعلت السلطة وراثية يتناوب عليها الضباط داخل المؤسسة العسكرية، إلى جانب عسكرة الدولة، وقد تخبّطت تلك الدولة (دولة يوليو) في خططها وتوجهاتها السياسية والاقتصادية، فمن التخبّط من الولاية لأميركا، ثم الاتحاد السوفييتي، حتى تشكلت قوى عدم الانحياز. وفي الاقتصاد، اعتمدت بصورة مطلقة على التمويل المسيّس من الخارج (القروض الصناعية من الكتلة الشيوعية والمعونات الزراعية من الولايات المتحدة). ولعل ما نراه اليوم هو التخبّط والتذبذب نفسيهما في الاقتصاد والسياسة. مرحلة تفريغ المجتمع المصري من قواه المختلفة لصالح أيديولوجيا الضباط ومراكز قواهم.
صحيح أن الدولة المصرية هجينة، إدارتها هندسها الاحتلال الإنكليزي، وأجهزتها الأمنية هندستها بقايا ضباط أجهزة هتلر، خصوصا الغاستابو، إلى جانب ألمانيا الشرقية وخصوصا شتازي، واقتصادها لا يعرف أحد ما هو شكله بالتحديد، فهو اقتصاد لا صيغة واضحة له، أو يحكمه توجه معين، بل هو اقتصاد على باب الله كما يمكن أن يطلق عليه، أو بعبارة صريحة تحول الآن إلى اقتصاد التسول على يد الجنرال عبد الفتاح السيسي.
بعيدا عن هذا الأمر، كلما تحل ذكرى يوليو، يتجدّد الجدل بشأنها، هل هي انقلاب أم ثورة، وفي كل لحظات التغيير في مصر وصولا إلى لحظة 2011 كانت جميع النقاشات عن الدستور وشكل الدولة من دون مناقشة كيفية توزيع الثروة وطرق إصلاح الدولة.

شارك المقال
  • تم النسخ