فيلم "رأس العنكبوت": حين يخشى الإنسان نفسه

1 24 0 - فيلم "رأس العنكبوت": حين يخشى الإنسان نفسه

سجناء محكومون بإدانات مختلفة، سمحت لهم الحكومة الأميركية بالانتقال إلى مؤسسة خاصة تدعى “مؤسسة أبنيست الدوائية”. داخل هذه المؤسسة، سيخضع المحكومون لبرنامج إصلاحي تأهيلي يعتمد على دراسة افتراضية هدفها مراقبة السلوك البشري واستخلاص النتائج النفسية والعقلية بعد تطعيمهم بعقاقير تجريبية متخيلة. عنوان البرنامج هو “رأس العنكبوت” وهو نفسه عنوان الفيلم Spiderhead الذي أخرجه الأميركي جوزيف كوزينسكي، والمتوفّر على منصة نتفليكس.

اقرا ايضا

feu israel - فيلم "رأس العنكبوت": حين يخشى الإنسان نفسه

نابل: تواصل جهود السيطرة على حريق هائل اندلع بجبل زاوية المقايز بالهوارية 

2022/08/17 23:21
1660774214 foot ligue1 660x330 - فيلم "رأس العنكبوت": حين يخشى الإنسان نفسه

الجامعة تمهل الملعب التونسي خلاص ديونها المقدرة ب432 الف دينار

2022/08/17 23:10

نظام الحياة في المنشأة مختلفٌ تماماً عن النظام التقليدي للسجون الحكومية. امتيازات عدة تقدم للمحكومين الذين سيتحولون لمتطوعين، لا إلى سجناء بالمعنى الشكلي. منزل أشبه بقصرٍ فاخر، وغرف نوم مجهزة بخدمات عالية الجودة، إضافة إلى غرف تسلية ولهو ونشاطات ترفيهية. الطعام والشراب هو من أحسن ما يمكن تقديمه. إنها بيئة مناسبة لاستفزاز الخير الفطري داخل الإنسان ومقارنته بالخير المكتسب. مقابل هذه الامتيازات، يُطْلَب من المتطوعين الانخراط بمجموعة تجارب يقودها “ستيف أبنيست” (كريس هيمسوورث).

يفترض بهذه التجارب، بحسب وجهة نظر “ستيف”، تحسين حياة البشرية نفسياً وفكرياً واجتماعياً. لكن، في صلب الحكاية ستطفو دوافع وسلوكيات تخص شخصيات العمل، ولا سيما شخصية “جيف” (مايلز تيلر) بطل الفيلم. سيقع على عاتق “جيف” استنتاج خبايا التجربة ومخاطرها وآثارها عليه وعلى المتطوعين. وكذلك، سيتم من خلاله تحييد أفكار الإنسان ومنطقه السليم مقابل الارتهان لسلوكيات وعواطف تحرّضها عقاقير خاصة، لها مستويات عالية في إظهار غرائز المرء ومشاعره الدفينة.

تتنوع التجارب وتختلف باختلاف نوع الدواء. هناك دواء الضحك أو دواء قتل الحزن. بواسطته يسلخ المرء عن رجاحته واستقامته الفكرية والهبوط فيه إلى أدنى مستويات السذاجة، إلى درجة يصبح فيها غير مسؤول حتى عن قيمه ومبادئه بشكل مثير للسخرية وللتفكر في آن واحد. وكما يقول أفلاطون في كتابه “الجمهورية”: “الضحك عاطفة تتجاوز ضبط النفس العقلانية”، فإن التعليق على الإبادة الجماعية في راوندا عام 1994 سيغدو مجرد عارض نفسي يستثير الضحك لدى أحد المتطوعين الخاضعين لهذه التجربة، بشكل غريب وتلقائي من دون أي وعي أو إدراك.

هناك أيضاً دواء “مقوي الفصاحة” و”تحسين اللغة والتعبير” ويهدفان إلى تعزيز شعور الإنسان تجاه الماديات والطبيعة وإفساح المجال للنشاط الذهني الخامل والمقيد لأسباب تربوية المنشأ واجتماعية المصدر بالتعبير عن مكنوناته واستنتاجاته لغوياً وتصويرياً. ولعلّ هذه التجربة ستكون أٌقرب إلى تطوير مفردات التعبير لدى المتوحدين، والذين لديهم مشاكل نفسية عميقة تحد من تواصلهم مع العالم الخارجي.

أمّا دواء “إكسير الحب” فهو في حد ذاته يطرح مفاهيم فلسفية في علاقة الحب والجمال في دائرة التواصل البشري. وهو أقرب إلى اختبار التنازل العقلي عن عرش انضباطه لمصلحة الجسد وغرائزه، ضمن مدلول حسي، يهدف إلى منح الناس القدرة على الحب بدلاً من العيش في وحدة واغتراب نتيجة لعوامل ظرفية ومجتمعية. فتنتج، عبر تفاعل جنسي بين شريكين متناقضين في الشخصية، عملية تواصل جسدي مفرغ من أيّ اعتبارات اجتماعية أو ضوابط سلوكية ستنشط، ولا بد بعد انتهاء مفعول الحقنة. إلّا أنّ السؤال الأهم في هذه التجربة مرتبط بمدى فاعلية فصل العقل عن الإحساس في عملية خلق شراكة حسية مستدامة نوعًا ما. وهل في إمكان الإنسان أن يتقبل الآخرين من دون أي شروط اجتماعية وتواصلية في حال احتكم للغريزة المطلقة فقط؟

الدواء الأكثر أهمية في هذه التجربة هو “ظلام النفوس”. القدرة على اختراق بواطن النفس البشرية وقراءة مكنوناتها والبحث عن مسببات الألم والقلق هي غاية ستحمل نتائج إيجابية في حال تم علاجها والسيطرة عليها. لكنها ستكون تجربة ذات حساسية عالية. مساحة الفرد الشخصية ستكون عرضة لخراب نفسي لا تحتمل نتائجه حين يواجه أسوأ كوابيسه. وقد تدفع المرء في مستويات مختلفة إلى الانتحار كما حصل مع شخصية “هيذر” (تيس هاوبريك). وهنا اعتراف مضمر يشي بقدرة الإنسان على تدمير الآخر في حال امتلك الوسيلة على اقتحام الدائرة النفسية الخاصة للناس. وهو ما كان يدافع عنه “جيف” طوال فترة اختباراته التي رفض فيها، هو أو غيره من المتطوعين، تناول هذا الدواء بالتحديد، لما له من آثار كارثية حيث لا يصلح ليكون منتجاً يباع في الأسواق، بل سلاحاً خطراً في يد من يتحكم فيه.

وقد ترجمت هذه الفرضية في مشهد الصراع الذي سيدور بين “ستيف” و”جيف” بعد اكتشاف الأخير لدواء سري كان يعطيه الأول للمتطوعين من دون علمهم واسمه “الطاعة”. من خلال هذا الدواء كان “ستيف” يتحكم بقرارات السجناء ويوهمهم بأنهم أصحاب القرار. والغاية الدراسية منه اختبار إرادة الإنسان ومدى تحملها وقدرتها على الاستلاب والخنوع حين تواجه أوامر تناقض أعمق قيم المرء وعواطفه. وبالتالي كانت دراسة هدامة لجميع التجارب التي بنيت عليها أفكار الفيلم، وأظهرت حجم التناقضات والبشاعة الإنسانية حين يمتلك المرء السلطة على امتلاك الآخر وإرادته، كما فعل “ستيف”.

هدم جميع ما كان يحاول الفيلم بحثه أو تجريبه في علاقة الإنسان مع نفسه ومحيطه بطرق علمية وطبية ليس مسألة متقاطعة مع الخيال المفروض هنا. فالتجارب المقصودة في الشريط لم تكن غايتها إظهار مخاوف الإنسان ومساوئه وخيره أو شره، بقدر ما كانت الغاية البحث عن الحكمة والجمال الداخلي فيه إذا ما استطاع أن يسامح نفسه من دون أن يكون هناك دواء يقدر على تحقيق هذه الغايات.

شارك المقال
  • تم النسخ