مَن ليس معنا

الجزار القسم الثقافي - مَن ليس معنا

حيّر الصامتون في النزاعات الكُتّاب والسياسيين على مدار التاريخ، فقال الكاتب الفرنسي ميشيل دو مونتاني: “أن يظلّ المرء متردّداً وحائراً بين الطرفين، وأن يظل غير مبال لا يميل إلى أي طرف منهما وسط الاضطرابات الهائلة التي تمزّق البلاد، فذلك ما لا أعتبره شيئاً حسناً، ولا مُشرّفاً، ليس الأمر اختيار الطريق الأوسط، بل عدم أخذ أي طريق، إنه انتظار الحدث للميل للطرف الأمثل”. تتضح الإدانة هنا، لا يتسامح مونتاني مع الصمت، ومن الواضح أنه يعتبر أن الصامتين الانتهازيين ينتظرون أن يُحسم أمر النزاع كي يعلنوا تأييدهم للمنتصر.

اقرا ايضا

fbi - مَن ليس معنا

عاجل: احباط مخطط لاغتيال “جورج بوش الابن”..وهذه التفاصيل..

2022/05/25 10:28
1653470237 Imed khmiri - مَن ليس معنا

هذا ما قررته حركة النهضة بخصوص المشاركة في الاستفتاء والانتخابات..#خبر_عاجل

2022/05/25 10:17

بينما قال المفكّر المجري جورج لوكاش: “إن والتر سكوت (الروائي البريطاني ومؤسّس الرواية التاريخية) هذا الواقعي الكبير، يدرك على أية حال بأن ما من حرب أهلية في التاريخ كانت على درجة من العنف بحيث تحوّل كامل السكان وبلا استثناء إلى أنصار متعصبين لهذا أو ذاك من المعسكرين المتخاصمين. وقد وقفت أقسام كبيرة من الناس دائماً بين المعسكرات بعواطف متقلبة، مرة مع هذا الطرف وأخرى مع ذاك”.

ماذا على الروائي أن يفعل تجاه شخصياته من الصامتين؟ أمامه الكثير من الحلول، حين يجد الكثير من المواقف، ففي أي مواجهة بين الروائي والشخصية يتطلب الأمر، أمر الكتابة، من الروائي تفهّم الآخر. ليس الآخر هنا في الرواية مُحاوراً، وليس طرفاً في فريق آخر، بل هو في لحظة الكتابة الروائي نفسه، وبقدر ما يتمكّن الكاتب من تقمّص موقف الشخصية الروائية، بقدر ما يكون قادراً على صياغة موقف من لحم ودم وأفكار حرة.

ماذا على الروائي أن يفعل تجاه شخصياته من الصامتين؟

لا يعني كلامي هنا أن الصامت على حق، لا نعرف حقيقة موقفه بسبب صمته، غير أن الروائي وحده، إذا ما اختار شخصية الصامت أو الرمادي، هو الذي يعرف، أو أن عليه أن يقدم لنا شخصية مكتملة تعلن لنا، للقراء وحدهم، وليس للشخصيات الأخرى التي تتعايش معها في الرواية، موقفها الحقيقي. وبقدر براعة الرواية في عرض شخصية حية من لحم ودم، بقدر ما نتعرّف إلى الحقيقة، ولنا بعد القراءة أن نحكم، وسوف يكون حكمنا أكثر عدالة، لأننا اطلعنا على مشاعر الإنسان من الداخل.

لدى الروائي يتسع أفق النظر، بينما يضيق لدى السياسي، ولهذا ترى أن السمة السائدة بين المشتغلين بالسياسة هي تقسيم الناس بحسب مواقفهم المعلنة، قسمة قاطعة بحسب ما يُظهرون، لا بما يُضمرون، بينما يسعى الروائي لمعرفة الموقف الوجداني الذي قد لا يظهر على سطح الحياة.

يتفهم الروائي الصمت، أو يحاول أن يجعلنا نفهمه، بينما يدينه السياسي. صمت الأفراد يبلبل موقف السياسي، لا شك أنه لا يهتم بأولئك الذين أعلنوا عن موقفهم تجاه الأطراف المتنازعة، فمؤيدوه وأعداؤه، باتوا في الخنادق، بينما يتوجه إلى أولئك الذين لم يعلنوا موقفاً، أولئك الذين يبقون على الهامش، أو خارج دوائر الصراع، هم الذين يطلب منهم توضيح موقفهم، وهم الذين تهدّدهم تلك العبارة التي تتردّد طوال التاريخ: من ليس معنا فهو ضدنا.

* روائي من سورية

شارك المقال
  • تم النسخ