الواجب والكاتب

1 6 - الواجب والكاتب

يعتذر يوسف إدريس، في مقدّمة روايته القصيرة “رجال وثيران”، من الثوّار الجزائريين لأنه لم يكتب رواية، أو مسرحية، عن الثورة الجزائرية كما توقّع ذلك منه أولئك الذين عرفوه هناك في الجزائر. كان الكاتب قد زار الجزائر مرّتين، بحسب ما يقول؛ مرّة أثناء الثورة، حين ذهب في بعثة إلى هناك، والتحق بجيش التحرير الجزائري، وحضر بعض معاركه، ومرّة ثانية بعد استقلال الجزائر عامَ 1962.

اقرا ايضا

1653652936 accident - الواجب والكاتب

عاجل: حادث مرور بالطريق السيارة تونس-صفاقس وغلق جزئي للطريق..

2022/05/28 14:21
مسعود - الواجب والكاتب

كمال بن مسعود: “النظام السياسي المرتقب سيكون رئاسويّا والدستور الجديد لن يتضمّن مقومات النظام البرلماني”

2022/05/28 14:10

“إن مشكلتي”، يقول إدريس، “أنّي لا أستطيع أن أكتب لأن من ‘واجبي’ أن أكتب. ولم أجرّب أبداً أن أفرض على نفسي موضوعاً، ولا أن أُعطي لموضوع بالذات حقّ الأولوية في الخروج إلى حيّز الوجود”.

نحن هنا أمام إقرارٍ من كاتب معروف يقول إنه لا يستطيع، ولا يريد، أن يكتب في الموضوعات بتحريض من الواجب، والواجب قيمة اجتماعية وسياسية وفكرية كانت في النصف الثاني من القرن العشرين تشغل مساحة كبيرة من المهام الملقاة على عاتق الكتاب في الثقافة العربية. وقد خصّصت الأبحاث حيّزاً واسعاً لما سُمّي الأدب الاجتماعي، وثمّة العديد من الكتب التي أخذت عنواناً مستمدّاً تقريباً من قضية الواجب، مثل الأدب والحياة والأدب والشعب والأدب والواقع. وكانت ذرائع الواجب كثيرة وموضوعية، ويمكن تلمُّس الكثير منها لدى النقّاد الذين انشغلوا بموضوع مهامّ الكاتب ومطالب المجتمع. 

الإنجاز الفنّي الرفيع يحقّق بالضرورة إنجازاً فكرياً رفيعاً

وبصرف النظر هنا عن تفاصيل المسألة، فإن المؤكّد لديّ أن الدعوات لم تُثمر عن أي عمل ذي أهمّية فنية وفكرية، لا في الثقافة العربية، ولا في أي ثقافة أخرى. وكلّ ما في الأمر أنها وضعت ثقلاً أخلاقياً على عاتق مئات الكتاب من أولئك الذين شعروا أنهم عجزوا عن “مواكبة” الأحداث الهامّة في بلادهم أدبيّاً. ويمكن للموقف من الأنظمة الحاكمة، من جهة، والموقف من الثورات المعاصرة، من جهة ثانية أن يكون حقلاً لفحص العلاقة بين الكاتب والواجب. هل من واجب الروائي أن يكتب عن الثورة؟

يعتذر يوسف إدريس، في المقدّمة ذاتها، اعتذاراً آخرَ يُحبط اعتذاره الأول، إذ يقول: “الصورة الأساسية لأيّ عمل يكتب عن ثورة عظيمة كثورة الجزائر، أنه يجب أن يكون في مستوى عظمة هذه الثورة”. ثمّ يضيف كلاماً آخرَ أكثر ضعفاً، ناجماً عن الحرج كما أعتقد: “وأنّى لي بهذا المستوى وأنا لا أزال بالكاد أتأمّل ما رأيت ووعيت”.

ليس الأمر أن الكاتب أكبر أو أصغر من الثورة، ولا أن الثورة مقدّسة أو طاهرة أو نبيلة أو مسلّحة أو طيّبة أو مغدورة، بل هو متعلّق بمجموعة من المعطيات المتكاملة التي تجعل من الكتابة عن ثورة، أو عن قصّة حب، أو عن صراع بين الأخوة، أو عن وردة، قضيّة كبيرة في يقين الكاتب؛ قضيّة يستطيع أن يكتب فيها دون إملاءات من واجب، أو من جهة خارجية تدّعي أن الواجب أهمّ من الصدق مثلاً. أي أن يكتب انطلاقاً من رغبة داخلية متحرّرة من أيّ مقولات مسبقة، ومستندة إلى أن الإنجاز الفنّي الرفيع يحقّق بالضرورة إنجازاً فكرياً رفيعاً يدعم أي قضية إنسانية.

* روائي من سورية

شارك المقال
  • تم النسخ