كازاخستان القديمة.. بلاد القبجاق كما وصفها العمري قبل ثمانية قرون

الثقافي - كازاخستان القديمة.. بلاد القبجاق كما وصفها العمري قبل ثمانية قرون

تأسست جمهورية كازاخستان بحدودها الحالية قبل مائة عام تقريباً، ولكنها قبل ذلك بألف عام كانت مقر اتحاد بين قبيلتين تركيتين عظيمتين هما القبجاق والكومان، وسبب اتحادهما، على الأرجح، هو سيطرتهما على طريق الحرير الذي كان يؤمن للقبائل البدوية التركية في أواسط آسيا مصدر دخل أساسياً، بعد انهيار مملكة الخزر الشهيرة. ولكن هذا الاتحاد قضى عليه هولاكو حين اجتاح العالم في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي، ومع ذلك، احتفظت هذه البلاد باسم مملكة القبجاق حتى بعد أن حكمها المغول، إلى أن أصبح اسمها بلاد خانات الكازاخ، ثم كازاخستان.

اقرا ايضا

Agriculture - كازاخستان القديمة.. بلاد القبجاق كما وصفها العمري قبل ثمانية قرون

رئيس نقابة الفلاحين ل”وات”: تراجع دخل الفلاحين وتهميش الفلاحة ينذر بإفلاس أكثر من منظومة ويهدد قوت الشعب والسيادة الغذائية والسلم الاجتماعي

2022/05/22 13:57
1653223569 fait divers - كازاخستان القديمة.. بلاد القبجاق كما وصفها العمري قبل ثمانية قرون

عجوز السبعين سنة تدير وكراً للدعارة..وهذه التفاصيل..

2022/05/22 13:46

وقد حفلت المصادر الجغرافية العربية بالكثير من النصوص الرحلية والوصفية لهذه البلاد مترامية الأطراف، والتي كانت قد مدت نفوذها قبل الغزو المغولي بقرون إلى جبال القوقاز وشعوبها القديمة، كالشركس والأرمن والكرج. ومن هذه المؤلفات ما جمعه الجغرافي الدمشقي ابن فضل الله العمري عن هذه البلاد من معلومات استقاها من شهود عيان زاروها، وحدثوه عنها. وعلى الأرجح؛ فإن منبع اهتمامه بها أنها موطن سلاطين المماليك الذين جلبوا إلى ديار الإسلام عبيداً من بلاد القوقاز، قبل أن يعتنقوا الإسلام، ويعتقوا ويصبحوا ملوك البلاد والعباد.

ويحدثنا العمري نقلاً عن الشيخ نجم الدين بن الشحام الموصلي عن أن هذه المملكة متسعة الجوانب طولاً وعرضاً، كثيرة الصحراء، قليلة المدن، وبها عالم كثير، لا يدخل تحت حدٍّ، وليس لهم كبير نفع لقلة السلاح ورداءة الخيل”. ويضيف “أرضهم سهلة قليلة الحجر لا تطيق خيل، ربيت فيها الأوعار، فلهذا يقل عناء أهل هذه المملكة في الحروب، وليس لملوكهم عظيم عناية بالأوضاع، وترتيب سلطان هذه البلاد في أمور جيشه وسلطانه ترتيب مملكة العراق والعجم، في عدة الأمراء والأحكام والخدم”.

العاصمة سراي

وبعد أن يخبرنا بأن ملك هذه البلاد المتسعة في العام 1330م كان يدعى السلطان أوزبك؛ يقول إن العاصمة تدعى سراي، و”هي مدينة صغيرة بين رمل ونهر، وقد بنى بها سلطانها القائم بها الآن أوزبك خان مدرسة للعلم، وهو معظمٌ لجانب العلم وأهله”. ومدينة سراي المقصودة هنا هي سراي جوك الحالية عاصمة خانية القبيلة الذهبية الواقعة غربي كازاخستان على نهر الأورال، قبل أن يصب في بحر قزوين.

وحول مدينة سراي المذكورة، ينقل العمري عن عبد الرحمن الخوارزمي الترجمان قوله إن هذه المدينة “بناها بركة خان (حفيد هولاكو) على شط نهر توران (أي الأورال)، وهي في أرض سبخة بغير سورٍ، ودار الملك بها قصر عظيم، على عليائه هلال ذهب قنطاران بالمصري، ويحيط بالقصر سور به أبراج مساكن لأمرائه، وبهذا القصر مشتاهم. وهذا النهر يكون قدر النيل ثلاث مرات أو أكثر، وتجري به السفن الكبار تسافر إلى الروس والصقلب (السلاف)، وأصل هذا النهر أيضاً من بلاد الصقلب”.

ويتابع: “وهي (يعني سراي) مدينة كبيرة ذات أسواق وحمامات ووجوه مقصودة بالأجلاب، في وسطها بركة ماؤها من هذا النهر، يستعمل ماؤها للاستعمال، وأما شربهم فمن النهر، يستقى لهم في جرار فخار، ويصف على العجلات، وتجر إلى المدينة، وتباع بها، وبُعدها عن خوارزم نحو شهر ونصف، وبينها وبين سراي مدينة وحق، ومدينة قطلوكت، ودينارهم رائج عنه ستة دراهم”.

أما حاصلات وأقوات مدينة سراي فيقول الترجمان الخوارزمي: “القمح والشعير والدخن، ويسمى عندهم الأزرن، والماش، والجاورس، وهو شبيه بحب البرسيم وليس يباع عندهم هذه الحبوب إلا بالرطل، يقال كل حمل حمار بكذا، وحمل الحمار عندهم مائة رطل، بهذا الرطل، والسعر المتوسط للقمح بدينارين ونصف، وكذلك الماش والشعير بدينارين، وكذلك الدخن، وكذلك الجاورس أو أزيد، والغالب أن يكون سعره قياس سعر القمح، وسعر الشعير واللحم الضاني على السعر المتوسط في كل ثلاثة أرطال بدرهم”.

أما الفواكه فيقول إن بها جميع أنواع الفواكه إلا النخل، والزيتون، وقصب السكر، والموز، والأترج، والليمون والنارنج، ويضيف أيضاً أن فيها من أنواع الطير والوحش، وبها الغزلان كباراً جداً، يكون الغزال قدُّ بقر الوحش. وكذلك بها معدن يخرج منه أحجار يعمل منها قدور، تقيم القدرة نحو ستين سنة، ولا يتغير.

السلطان أوزبك ونساؤه

وينقل العمري عن تاجر يدعى عمر بن مسافر قوله: “إن هذا السلطان أوزبك غير ملتفت من أمور مملكته إلا إلى جمليات (أي عموميات) الأمور، دون تفصيل الأحوال، يقنع بما حُمل إليه، ولا يفحص عن وجوهه في القبض والصرف، وإن لكل امرأة من خواتينه جانباً من الحمل، وهو يركب كل يوم إلى امرأة منهن يقيم ذلك اليوم عندها، يأكل في بيتها، ويشرب، وتلبسه بذلة قماش كاملة، ويخلع التي كانت عليه، على من يتفق ممن حوله، وقماشه ليس بفائق الجنس، ولا غالي الثمن، وهو مسلم، حسن الإسلام، متظاهر بالديانة، والتمسك بالشريعة، محافظ على إقامة الصلاة، ومداومة الصيام مع قربه من الرعايا والقاصدين إليه. وليست يده بمبسوطة بالعطاء، ولو أراد هذا لما وفى له به دخل بلاده، وغالب رعاياها أصحاب عمد في الصحراء، أقواتهم من مواشيهم من الخيل والبقر والغنم، والزرع عندهم قليل، وأقله القمح والشعير، وأما الفول فلا يكاد يوجد، وأكثر الموجود عندهم من الزروع، والدخن منه أكلهم، وعليه فيما يخرج الأرض كلهم، والأسعار في جميع هذه المملكة رضية إلى غاية”.

ويشير العمري إلى نساء هذه المملكة ومشاركتهن الرجال في الحكم، وإصدار الأوامر، تماماً كما كان عليه الأمر في بغداد ذلك الزمن حين كانت الخاتون بنت جوبان، زوجة السلطان المغولي المسلم أبو سعيد بهادر بن خدابنده، تتحكم في أمور المملكة وقراراتها، حيث يقول: “إننا ما رأينا في زماننا، ولا سمعنا عمن قارب زماننا أن امرأة تحكمت تحكمها، وقد وقفت علي كثير من الكتب الصادرة عن ملوك هذه البلاد من عهد بركة وما بعده، وفيها وافقت آراء الخواتين (أي السيدات) والأمراء على كذا أو ما يجري هذا المجرى”.

الجركس والروس واللاص

يؤكد العمري أن شعوب الجركس والروس واللاص يخضعون لسلطان هذه الخانيّة، ويصفهم بأنهم أهل مدن عامرة وآهلة، وجبال مشجرة مثمرة، ينبت عندهم الزرع، ويدر الضرع، وتجري الأنهار، وتجنى الثمار”.

وبعد أن يشير إلى أنه “لا طاقة لهم بسلطان هذه البلاد”، أي أنهم خاضعون له مكرهين، يضيف أن “لهم ملوكاً كالرعايا، فإن داروه بالطاعة، والتحف، والطرف كفَّ عنهم، وإلاَّ شن عليهم الغارات، وضايقهم بالحصار، وكم من مرة قتل رجالهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وجلب رقيقهم إلى أقطار الأرض”. وهذه إشارة مهمة إلى أن الرقيق في ذلك الزمن كان يتكون من الجركس واللاص وغيرهم من أمم شمالي القوقاز.

ويقول العمري مستطرداً إن “ترك هذه البلاد هم خيار الترك أجناساً، لوفائهم وشجاعتهم، وتجنبهم الغدر مع تمام قاماتهم، وحسن صورهم، وظرافة شمائلهم، ومنهم معظم جيش مصر لأن سلاطينها وأمراءها منهم منذ رغب الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل في مشترى مماليك القبجاق، ثم انتقل الملك إليهم”.

شعب البشكير

بعد ذلك، يحدثنا العمري عن شعب تركي شمالي تقع أراضيه في أقصى شمال هذه المملكة، وهو يعني على الأرجح شعب البشكير، حيث يصفه بقوله: “ينضم إلى جناح هذا السلطان قوم من الترك في نهاية الشمال من حدوده، وهم في جهدٍ من قشف العيش، لأنهم ليسوا أهل حاضرة لهم زرع، وشدة البرد تهلك مواشيهم، وهم همج رعاع لا لهم مسكة بدين، ولا رزانة في عقل، وهم لشدة ما بهم من سوء الحال إذا وجد أحدهم لحماً سلقه ولم ينضجه، وشرب مرقه، وترك اللحم ليأكله مرة أخرى، ثم يجمع العظام، ويعاود سلقها مرة أخرى، ويشرب مرقها، وقس على هذا بقية عيشهم”.

وينقل العمري عن تاجر جلود يدعى عبد الله الحصني، زار تلك البلاد، قوله إن الجلود في هذه الناحية من مملكة أوزبك خان قليلة، ويضيف أنهم “لا يعرفون في المأكل ما يُعاف مما لا يُعاف، ولا التحريم من التحليل، وأنهم في الأزمات يبيعون أولادهم ليتقوتوا بأثمانهم إذا ضاقت بهم الأحوال في بعض السنين، ويقولون عمن يبيعونه من أولادهم: نعيش نحن خير من أن نموت نحن وهو”.

محاصيل زراعية

ويشير التاجر الحصني إلى أن “هذه البلاد أكثر الأرض ماءً ومرعى، وأخصبها زرعاً إذا زرع بها، ولكنهم أهل حل وترحال، أصحاب ماشية، ليس لهم مبالاة بالزرع والغراس، ولقد كانت قبل استيلاء التتار عليها معمورة الجوانب، وهي الآن في بقايا تلك العمارة فيها الأشجار المختلفة الأنواع، من الفواكه: العنب، والرمان والسفرجل، والتفاح، والكمثرى، والمشمش، والخوخ، والجوز. وبها فاكهة تسمى بلغة القبجاق بابيك شبيهة بالتين، والفواكه الموجودة عندهم الآن من بقايا ما باد من غراس من كان قبل هؤلاء، ممن كان لهم عناية بالزرع والنصب، وهي كثيرة الوجود في جبالهم، وما يحدث إلى المدن مع كثرة ما بادوا”. وعلى الأرجح؛ المقصود هنا شعوب البلغار والمجر والروس الذين هاجروا إلى شرقي أوروبا بعد اجتياح هولاكو لهذه البلاد.

ويؤكد التاجر الحصني أن في مدن الجركس والروس واللاص الكثير من البطيخ وهو في غاية الحلاوة وطيب الطعم مع ما يحكى من كثرة وجوده ورخصه، ومنهم من يستخرج ماءه ويعقد منه الحلوى. ويلفت النظر كذلك إلى وجود كثير من الخضراوات، كاللفت والجزر والكرنب وغير ذلك، وبها العسل الكثير الأبيض اللون اللذيذ الطعم الخالي من الحدة”. ويؤكد أن الإسلام دخل إلى هذه البلاد، أي بلاد الجركس والروس واللاص، “وأشرق على أقطارهم نور الإيمان”. وهذا ينفي إلى حد ما أن العثمانيين هم الذي أدخلوا الجركس في الإسلام.

بلاد مترامية الأطراف

يعود العمري للإشارة إلى أن هذه المملكة المغولية هي بلاد القبجاق القديمة، ويقول في ذلك: “لما فاضت عليها التتار صارت القبجاق لهم رعايا، ثم خالطوهم وناسبوهم، وغلبت الأرض على الجبلة والأصل، فصار الكل كالقبجاق كأنهم جنس واحد لسكن المغل بأرض القبجاق ومصاهرتهم لهم، وبلادهم في أرضهم، وهكذا طول المكث في كل بلد وأرض يجوِّز التجايز إليها، ويحوِّل الغرائز إلى طباعها كما قدمنا ذكره، وقد يقل اختلاف الألوان ويزيد لسبب آخر غير البلدية”.

وينقل العمري عن التاجر كثير الأسفار حسن الرومي قوله إن حدود هذه المملكة تبدأ من جهة جيجون وباركند، وجند، وسراي وصولاً إلى سوداق، وسقسين، والكل، وبلغار على بحر القسطنطينية، وهو البحر الأسود.

ويضيف حسن الرومي أن “مدينة باكو هي إحدى مدن أقليم شروان، وعندها الباب الحديد الذي يسميه الترك دمرقبو، ومن الباب الحديد الذي هو عبارة عن مدينة باكو إلى حدود بلاد الخطا (أي نواحي منشوريا الحالية) مسيرة خمسة أشهر، هذا هو طول هذه المملكة، وفي هذه المملكة من الأنهار الكثيرة المشهورة، سيحون، وجيحون، وطونا (أي الدانوب)، وإيتل، وباين، وتن، وطرلو، فمن سيحون إلى طونا مسيرة أربعة أشهر، وبين سيحون وجيحون خمسة عشر يوماً، ومن جيحون إلى باين خمسة عشر يوماً، ومن باين إلى إتيل عشرة أيام، ومن إتيل إلى تن شهر واحد، ومن تن إلى طرلو عشرة أيام، ومن طرلو إلى طونا شهر واحد، ويقلب جيحون وإتيل إلى بحر القلزم وسيحون منهى إلى مقصبة ورمل تحت مدينة جند بثلاثة إيام فيقلب هناك، وتأتي الأنهر المذكورة تقلب إلى بحر عمان، وهذه السبعة أنهر في هذه المملكة، ويتصل منها إلى إقليم ما وراء النهر سيحون وجيحون”.

سيبيريا

يقول حسن الرومي إن بلاد السبر، أي سيبيريا، تقع ضمن مملكة المغول: “وبلاد السبر وجولمان مضافة إلى باشغرد، (أي البشكير). وفي بلاد باشغرد قاض مسلم معتبر، وبلاد السبر وجولمان شديدة البرودة لا يفارقها الثلج مدة ستة أشهر، لا يزال يسقط على جبالهم وبيوتهم وبلادهم، ولهذا تقل مواشيهم عندهم، وهم سكان قلب الشمال، والواصل عندهم وإليهم من الناس قليل، والأقوات عندهم قليلة، ويحكى عنهم أن الإنسان منهم يجمع عظام أي حيوان كان، ثم إنه يغلي عليها بقدر كفايته ثم يتركها وبعد سبع مرات لا يبقى فيها شيء من الدهن. وهم مع ضيق العيش ليس في أجناس الرقيق أنعم من أجسامهم، ولا أحسن من بياضهم، صورهم تامة الخلقة في حسن وبياض ونعومة عجيبة، زرق العيون”.

ويضيف أن التجار لا يتعدون مدينة بلغار، يسافرون إلى بلاد جولمان، وتجار جولمان يسافرون إلى بلاد بوغزَه لأنها في أقصى الشمال، وليس بعدها عمارة غير برج عظيم من بناء الإسكندر على هيئة المنارة العالية، وليس بعده مذهب إلا الظلمات، وهي صحارى وجبال لا يفارقها الثلج والبرد، ولا تطلع عليها الشمس ولا ينبت فيها نبات، ولا يعيش فيها حيوان أصلاً.

شارك المقال
  • تم النسخ