سليمان الحدّاد… الاسم الذي حيّر مؤرّخي المسرح العربي

بطاقة بريدية القسم الثقافي - سليمان الحدّاد... الاسم الذي حيّر مؤرّخي المسرح العربي

أثناء انشغالي بدراسة عن دور الشوام في المسرح المصري في بدايات هذا الفن في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، وقعت على اسم سليمان الحدّاد. تارة يُشار إليه بصفته الممثل المسرحي، وتارة بصفته شاعراً. كما وقعت على اسمَيْ الشاعرَيْن والصحافيَيْن نجيب وأمين الحدّاد. وفي الكتابات التي تناولت سيرة حياتهما ظهر الاسم الثلاثي هكذا: نجيب سليمان الحدّاد، وأمين سليمان الحدّاد، ما يعني أن سليمان الحداد هو أبوهما.

اقرا ايضا

1643317100 Equipe Tunisie 2 - سليمان الحدّاد... الاسم الذي حيّر مؤرّخي المسرح العربي

آخر اخبار المنتخب في الكامرون..نتائج تحاليل كورونا..خبر_عاجل

2022/01/27 21:58
1643029035 tunisie wmc directinfo almasdar coronavirus covid19 57 - سليمان الحدّاد... الاسم الذي حيّر مؤرّخي المسرح العربي

منوبة: ارتفاع عدد حالات الايواء بقسم الكوفيد بالقصاب وتسجيل 274 اصابة جديدة بفيروس “كورونا”

2022/01/27 21:36

استشرت المراجع التالية: “تاريخ آداب اللغة العربية” لجرجي زيدان، و”الآداب العربية في القرن التاسع عشر” للأب لويس شيخو، و”الغرر التاريخية في الأسرة اليازجية” لعيسى إسكندر المعلوف، و”الشيخ نجيب الحدّاد” لعادل الغضبان، و”معجم الشعراء” الذي أصدرته مؤسسة البابطين في الكويت، و”المسرحية في الأدب العربي الحديث” للدكتور محمد يوسف نجم، و”المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799 – 1882)” تأليف فيليب سادجروف، ترجمة د. أمين العيوطي، تقديم وتعليق سيد علي إسماعيل، و”تاريخ المسرح في العالم العربي في القرن 19″ لسيّد علي إسماعيل.

كان سليمان الحدّاد ممثلاً مسرحيّاً من الرواد. اشترك بأدوار بارزة مع كل الفرق المسرحية الشامية التي تكوّنت في مصر: مع يوسف خياط وسليمان قرداحي وأبو خليل القباني وإسكندر فرح وصولًا إلى عزيز عيد وجورج أبيض. وكان من محبّي المسرح فعلا وأسس جمعية “مرقاة التمثيل” سنة 1900. أما نجيب الحدّاد فبدأ حياته المهنية محرراً في “الأهرام”. وكان أول من استعمل كلمة “الصحافة” بمعناها العصري. نظم الشعر، ونشر ديواناً بعنوان “تذكار الصبا”. وبعد وفاته نشر صديقه حنا نقاش “منتخبات نجيب الحدّاد”. ترجم العديد من المسرحيات العالمية التي مثلتها الفرق المسرحية المختلفة، كما كتب نصوصاً من تأليفه. واشتغل أخوه أمين مثله محرراً في عدة صحف، بينها “الأهرام” و”البصير”. ترجم مسرحية شكسبير “هاملت”، وصدر ديوانه “منتخبات أمين حداد” بعد وفاته.

وُلد في بلدة عين قنية سنة 1829 وله ديوان “قلادة العصر”

جرجي زيدان، الذي عرف هؤلاء شخصياً، قال إن نجيب الحدّاد هو ابن سليمان الحدّاد وأمه هي بنت الأديب اللبناني ناصيف اليازجي، لكنه لم يذكر أن سليمان هذا هو ذاته الممثل المسرحي المعروف. لم تذكر ذلك سوى ثلاثة مراجع:

أشار محمد يوسف نجم في كتابه إلى سليمان الحدّاد “الذي عرفناه ممثلاً كبيراً، وعرفناه مدرّباً للممثلين، ومديراً لبعض الأجواق الكبيرة. وعرفناه من خلال آثار ابنه، الكاتب المعروف نجيب حداد (…) وكان يمثّل المسرحيات التي ترجمها أو وضعها ابنه نجيب (…)”، وقدّم لنا في فترة عمله في المسرح، معظم مسرحيات ابنه نجيب، كـ”صلاح الدين” و”السيد” و”حمدان” و”شهداء الغرام” و”السرّ الهائل”.

وفي كتاب “تاريخ المسرح في العالم العربي” ولدى الحديث عن تقديم فرقة إسكندر فرح مسرحية “الرجاء بعد اليأس” أخبرنا سيد علي إسماعيل: “وقد خطب قبل عرضها المؤلف نجيب الحدّاد، ابن الممثل سليمان الحدّاد”. أما فيليب سادجروف فكتب: “وقد عرض سوري آخر، وهو سليمان الحدّاد، شيخ الجالية اليونانية الكاثوليكية بالإسكندرية، مسرحية (مي وهوراس)، مع فرقة قام بتدريبها على مسرح زيزنيا يوم 4 يونيو (حزيران) [1881].

ولد سليمان الحدّاد (1829 – 1915) في لبنان، وتزوج ابنة شخصية أدبية شهيرة، ناصيف اليازجي. انتقلت الأسرة إلى مصر في 1873، حيث عمل سليمان تاجراً، ويبدو أنه اكتسب سمعة لا بأس بها كممثل في مصر، ربما في فرقة الخياط، رغم أنه ليس من المعروف بالتأكيد إلى أي فرقة كان ينتمي”. وفي حاشية في الصفحة ذاتها حرّرها سيد علي إسماعيل، قال: “سليمان الحدّاد هو صهر عائلة اليازجي (…) بدأ حياته العملية في مصر مدرسا للغة العربية والفرنسية، ولكنه هوى التمثيل وانضم إلى فرقة يوسف الخياط عام 1884”.

معلومات سادجروف هذه تتفق مع ما ذكره نجم وإسماعيل بشأن تصنيف سليمان الحدّاد ممثلاً مسرحياً. وقد أخبرنا أن زوجته بنت ناصيف اليازجي، ولم يذكر أنه أبو نجيب وأمين. وأضاف سادجروف معلومات تتعلق بكونه شيخ “الجالية اليونانية الكاثوليكية”، وبتواريخ مولده ووفاته وقدومه إلى مصر واستقراره بها، استقاها من كتاب المؤرخ عيسى المعلوف. غير أن مترجم الكتاب الإنكليزي لم ينتبه إلى أن المصطلح يعني “طائفة الروم الكاثوليك” وهي طائفة مسيحية مشرقية، هاجر كثيرون منها إلى مصر، وبينهم مشاهير في الثقافة والإعلام.

عمل سميُّه مع فرقة جورج أبيض سنة 1912 مدرّباً للممثلين 

وقد جاء عند عيسى المعلوف (وكتابه المرجع الذي استند إليه عادل الغضبان) أن سليمان الحدّاد ولد في بلدة عين قنية سنة 1829، وله ديوان شعر عنوانه “قلادة العصر”؛ وأنه اقترن بحنّة ناصيف اليازجي ورُزقا بنجيب وأمين وبأبناء آخرين؛ وأنه قصد الإسكندرية بدعوة من البطريرك غريغوريوس يوسف الذي أقامه شيخاً على طائفة الروم الكاثوليك. ولم يذكر المعلوف، والذين أخذوا عنه، أن سليمان الحدّاد كان ذا صلة بالمسرح. وقد انفرد المعلوف بذكر تاريخ مولده ووفاته. وليس في المراجع التي تناولت سيرة سليمان الحدّاد الممثل أي إشارة إلى مولده ووفاته، سوى أن آخر خبر عنه أنه عمل مع فرقة جورج أبيض لدى تأسيسها سنة 1912 مدرّبا للممثلين على الإلقاء.

أما لويس شيخو، فقال: “ولم نقف على تاريخ وفاة الشيخ سليمان، ولعلّه تخلّف عن وفاة ولديه”. وهذا صحيح، فلقد توفي ولداه قبله وهما في عمر الشباب، بينما عاش هو ستة وثمانين عاما. توفي نجيب سنة 1899 عن اثنين وثلاثين عاما وأمين توفي سنة 1912 وهو في الرابعة والأربعين. وأما “معجم الشعراء” (البابطين)، فلم يملك محرر المقالة عن سليمان الحدّاد فيه سوى أن يذكر أن “الشاعر كان حيًّا عام 1891”! (هو عام نشر ديوانه “قلادة العصر”).

أما بعد، فهل كان سليمان الحدّاد ممثلاً مسرحياً؟ أم شاعراً؟ أم كليهما معاً؟ أم أنهما شخصان مختلفان، أحدهما هو أبو نجيب وأمين الحدّاد. إزاء هذه المعلومات التي تتوافق حيناً وتتعارض حيناً آخر، استنتجت وجود شخصين يحملان الاسم ذاته. أحدهما شاعر والآخر ممثل مسرحي. وكلاهما لبناني هاجر إلى مصر، وعاش فيها في الحقبة ذاتها. وتشابه الأسماء ممكن لدى الذين تُنسب ألقابهم إلى مهن، كالحدّاد. وقد التبس الأمر على مؤلفي المراجع، فنسبوا ما للشاعر إلى الممثل، وبالعكس. وأستند في استنتاجي إلى ما يلي:

لم يذكر أي مرجع اختص بترجمة سليمان الحدّاد الشاعر أدنى علاقة له بالمسرح. والأمر كذلك عند الذين اعتبروه ممثلا مسرحياً فلم يُشِر أحد إلى أنه كتب نصّاً مسرحياً واحداً، أو نشر قصيدة واحدة. أما تاريخ الهجرة إلى مصر فلا ذكر عنه في سيرة سليمان الحدّاد الممثل، بيد أن أول ظهوره على المسرح بالإسكندرية كان في فرقة يوسف خياط سنة 1877. ومؤرخو سيرة الشاعر ذكروا أن هجرته كانت سنة 1873. والتاريخان متقاربان، ما يجعل الالتباس ممكنا، وخصوصاً أن المراجع أشارت إلى أنه مارس مهنة أخرى قبل التمثيل المسرحي.

وفي كتاب سادجروف ثمة اختلاف بين متن النص وحاشية المُراجع، بشأن هذه المهنة، فهو عند سادجروف تاجر، وعند سيد إسماعيل مدرّس لغة عربية وفرنسية. الأمر الذي يدلّنا على وجود شخصين، والأرجح أن المدرس هو الذي احترف التمثيل وليس الشاعر الذي كان ارتباطه بمرجعية دينية يحول دون “التشخيص المسرحي” يوم كان “المشخّص” غير مرحّب به اجتماعياً.

وجاءني الردّ الحاسم من إدارة كنيسة الروم الكاثوليك بالإسكندرية بعد مراجعة السجلات المحفوظة لديها. نعم هناك شخصان بالاسم ذاته، الأول يسبق اسمه لقب الشيخ، توفي يوم 18 أكتوبر/ تشرين الأول 1915، والثاني مسجّل باسم سليمان الحدّاد (من دون ألقاب) توفي يوم 19 فبراير/ شباط 1917، وكان متزوجا بإيطالية تدعى إرميتا جاكومو. وهذا يتوافق مع فرضية الممثل، الذي كان من الصعب اقترانه كمشخصاتي ببنت عائلة مشرقية أو مصرية؛ لكن لا مانع لدى فتاة إيطالية.      

* كاتب من لبنان

شارك المقال
  • تم النسخ