أوكرانيا العقدة والحل: روسيا ترمي الكرة في الملعب الأميركي

GettyImages 1237623580 - أوكرانيا العقدة والحل: روسيا ترمي الكرة في الملعب الأميركي

تشهد الأزمة الأوكرانية أسبوعاً طويلاً من المفاوضات السياسية بين روسيا والغرب، بدأ أول من أمس الإثنين، بلقاء أميركي ـ روسي في جنيف السويسرية، على أن يُعقد اجتماع آخر، اليوم الأربعاء، ضمن لقاء “مجلس روسيا ـ الأطلسي”، ثم تُختتم الاجتماعات، غداً الخميس، بلقاء بين موسكو ومنظمة “الأمن والتعاون في أوروبا”.

اقرا ايضا

عاجل: الاحتفاظ ب4 أشخاص بينهم نائب عن دائرة القصرين في علاقة بالاستيلاء على هكتارات بجبل فريانة واستغلال مقاطع رخام

2022/01/21 21:03
1642782021 dc douaji med - أوكرانيا العقدة والحل: روسيا ترمي الكرة في الملعب الأميركي

الدكتور محمد الدوعاجي: “تمّ تغيير الوصفة الطبيّة الخاصّة بعلاج كورونا”

2022/01/21 17:20

وبدا الاجتماع الأول الذي استمر لأكثر من سبع ساعات “إيجابياً” من وجهة نظر روسيا، في ظلّ إعلان وكالة “إنترفاكس”، أمس الثلاثاء، أن “واشنطن تعهّدت بالرد كتابياً على مقترحات روسيا بشأن الضمانات الأمنية الأسبوع المقبل”.

ويُظهر الزخم المرافق للمفاوضات، أن اكتساب أوكرانيا صفة “العقدة والحلّ”، نابع من موقعها الجيوبوليتيكي، كبوابة غربية لروسيا إلى أوروبا، وكمدخل شرقي للغرب باتجاه روسيا.

طبيعة التفاهم بين الروس والغرب

وفي الحالتين، فإن التفاهم بين الروس والغرب، سيفتح الأبواب أمام تفاهمات أخرى، لا تتعلّق بنشر أسلحة أو تمدّد عسكري، بقدر ما تؤثر على الأوضاع السياسية الداخلية لبلدان مثل بيلاروسيا، وكازاخستان، مروراً بسورية والملف النووي الإيراني، وأفغانستان، وصولاً إلى القارّة الأفريقية، تحديداً القرن الأفريقي وليبيا والساحل الأفريقي.

أما التشابك الغربي ـ الروسي، انطلاقاً من المسألة الأوكرانية، فسيزيد من التوترات المصاحبة للملفات المذكورة، بما قد يفضي إلى نشوء بؤر ساخنة متشعّبة، يُصبح من الصعب لاحقاً السيطرة عليها، وبالتالي تتحوّل إلى كرة ثلج تتدحرج إلى دول جوارها الإقليمي.

وفي ظلّ غموض الموقف الأميركي المرتقب بشأن الضمانات التي تطلبها روسيا خصوصاً في ما يتعلق بتوسع حلف شمال الأطلسي، جدّدت الخارجية الروسية مطالبتها بالردّ السريع، مشيرة في بيان أمس، إلى أننا “ننتظر رداً سريعاً على مقترحاتنا بشأن الضمانات الأمنية، والكرة الآن في الملعب الأميركي”.

زيلينسكي يدعو لقمة رباعية لإنهاء الصراع مع الانفصاليين
 

وفي خضمّ أجواء الترقّب، خرج الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أمس، بموقف جديد، يدعو فيه لقمة رباعية تجمع بلاده مع روسيا وفرنسا وألمانيا “لإنهاء الصراع” مع الانفصاليين في الشرق الأوكراني.

وقال زيلينسكي: “لقد آن الآوان للتوصل إلى اتفاق ينهي الصراع، ونحن مستعدون لاتخاذ القرارات اللازمة خلال قمة جديدة” رباعية، وذلك عند استقباله مستشارين للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتز، بحسب بيان صادر عن الرئاسة الأوكرانية.

وتبدو دعوة زيلينسكي وكأنها محاولة لإعادة الزخم لرباعية “نورماندي”، التي تضمّ الأطراف المذكورة في دعوته، والتي نجحت في الخروج باتفاقي “مينسك 1″ في 5 سبتمبر/أيلول 2014، و”مينسك 2” في 12 فبراير/شباط 2015.

وتمحور الاتفاق الأول حول وقف إطلاق النار، وتحديد الوضع الإداري لإقليمي لوغانسك ودونيتسك (المنطقتين الانفصاليتين في الشرق)، وضمان إجراء انتخابات مبكرة في الإقليم، وغيرها من التفاصيل.

لكن الاتفاق انهار على وقع استمرار المعارك بين الشرعية والانفصاليين، ليأتي الاتفاق الثاني كمحاولة لتأكيد التزام كل الأطراف بالاتفاق الأول.

وبعد سقوط اتفاقي مينسك عملياً، لأسباب عدة، أبرزها دخول الحرب عامها الثامن منذ ربيع 2014، وثانيها، تجنيس روسيا لمواطني دونيتسك ولوغانسك، وإشراكهم في الاستفتاء على الدستور الذي جرى في عام 2020، ثم في الانتخابات التشريعية في سبتمبر الماضي، إلا أن السبب الثالث، والأهم، هو إسقاط روسيا لأي دور أوروبي فعّال في أوكرانيا.

فوفق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن الحوار مع الأميركيين بشأن أوكرانيا يمنح نتائج أكثر في أي حلّ، على اعتبار أن الأوروبيين غير قادرين على فرض رؤية ما في أوكرانيا.

ويعتقد بوتين أن أي اتفاق مع الأميركيين سيسير فيه الأوروبيون. وهو اختبر نموذجاً مشابهاً في حرب جورجيا في عام 2008، حين سعى الرئيس السابق، المسجون حالياً في تبليسي، ميخائيل ساكاشفيلي، إلى إدخال بلاده في الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي.

ولاحظ بوتين تردداً أميركياً في دعم ساكاشفيلي، فاستغله لغزو جورجيا، وفرض شروطه، لجهة منع انضمامها إلى أي تكتّل غربي، كبلد سوفييتي سابق. حينها، لم ينجح الأوروبيون في ترجمة دعمهم لساكاشفيلي، ولا في إقناع الأميركيين بخطورة ما يجري جنوبي القوقاز.

أما في حال “تنازلت” روسيا وقبلت إعادة إحياء رباعية “نورماندي”، فإن “القرارات اللازمة” التي تحدث زيلينسكي عنها، قد لا تخرج عن “ضرورة وقف إطلاق النار في دونباس (الذي يضم الإقليميين الانفصاليين)”، ولا عن تطبيع هدنة جديدة، بما فيها إجراء تبادل أسرى. وأي حديثٍ آخر عن محاولة منح الشرق الأوكراني حكماً ذاتياً سيكون غير ضروري، في ظلّ تحوّل سكان الشرق إلى مواطنين روس.

أي صدام بين موسكو وواشنطن، سيؤدي لتحوّل أوكرانيا إلى “أفغانستان أوروبية”

 

وبالتالي فإن طرح أي نظام سياسي جديد، لن يخضع بطبيعة الحال لمركزية كييف، إلا في حال تخلّى الانفصاليين عن جنسيتهم الروسية، وهو أمر مستبعد، لأن مثل هذه الخطوة، قد تدفع أوكرانيا للمطالبة بالمثل مع شبه جزيرة القرم، التي ضمّتها روسيا في عام 2014، ومنحتها المزايا الضرورية التي تتمتع بها أي منطقة أو جمهورية ذات حكم ذاتي في روسيا الاتحادية.

ومن الطبيعي أن موسكو سترفض كل محاولات كييف لاستعادة السيادة على الشرق والقرم. والخطاب “القومي” لبوتين بعد ضمّ القرم في ربيع 2014، شكّل نقطة تحوّل لخطابات مماثلة، في إطار رفع راية “القومية الروسية” في كل بقعة سوفييتية سابقة، تضمّ روساً في مجتمعاتها.

عدا كل ذلك، فإن إبقاء الملف الأوكراني عالقاً في ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي، سيؤدي إلى رفض روسيا للتحاور مع أوكرانيا، ما لم تُلبّ مطالبها، لجهة تجاهل الشرق والقرم وعدم الانضمام للتكتلات الغربية.

وهو ما بات صعباً على كييف أن تتخلى عنه، في ظلّ تمسكها بحقها السيادي في ذلك، منذ “الثورة البرتقالية” في شتاء 2004 ـ 2005.

عملياً، تبدو دعوة كييف للحوار أقرب إلى محاولة فاشلة، لأن أي حلّ مرضٍ للروس، وباتفاق مع الأميركيين، سيكون على حسابها، وأي صدام بين موسكو وواشنطن، سيؤدي لتحوّلها إلى “أفغانستان أوروبية”.

أسس الموقف الأميركي

هنا، يبقى الموقف الأميركي أساسيا لتحديد المسار المستقبلي لأوكرانيا. وعلى الرغم من أن الرئيس جو بايدن، أكد مراراً دعمه لكييف، إلا أن حدود الدعم ستتوقف عند نقطة محددة.

الأميركيون، في المبدأ، يؤيدون حق أوكرانيا في تقرير مصيرها في الأطلسي وفي الاتحاد الأوروبي، وهم أظهروا ذلك للروس في مفاوضات أول من أمس الإثنين، لكنهم في المقابل يدركون أنهم لن يفعلوا في أوكرانيا ما لم يفعلوه في جورجيا.

حتى أن بايدن شدّد في مواقف سابقة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، على أنه لن يرسل جنوده إلى أوكرانيا، رغم إعلانه أنه قد يرسلهم إلى دول أوروبية شرقية. لن يخوض الأميركيون حرباً في أوكرانيا.

لكن من جهة أخرى، يمسك الرئيس الأميركي بعصا العقوبات الاقتصادية والمالية، بما فيها إخراج روسيا من نظام “سويفت” للتعاملات المصرفية، معتبراً أنه كافٍ لإيقاف الجيش الروسي عند الحدود مع أوكرانيا.

النقطة الأبرز في هذه المعضلة، أن بايدن يحاول خلق التوازن بين “عدوين”: الصيني والروسي. ولا يرغب في التورّط في أزمة طويلة مع موسكو، تشغله عن ملفه الأساسي في عهده، وهو مواجهة بكين.

ومن المفترض أن روسيا تعلم أولويات الإدارة الأميركية، وتسعى لخطف أكبر قدر ممكن من المكاسب من الأميركيين، يجعلها في موقفٍ أقوى بكثير مما لو نشرت 150 ألف جندي في روستوف والقرم وبيلاروسيا، كما تؤدي إلى إضعاف الموقف الأوروبي تجاهها، وتحديداً إسقاط “التهويل” بوقف مشروع “نوردستريم 2” (السيل الشمالي) الذي ينبع من الشمال الروسي ويصبّ في ألمانيا.

شارك المقال
  • تم النسخ