أعطابٌ سينمائية عربية مستمرّة فلا إصلاح ولا تغيير

1640975783 unnamed file - أعطابٌ سينمائية عربية مستمرّة فلا إصلاح ولا تغيير

ينتهي عامٌ، كانتهاء أعوامٍ كثيرة سابقة. احتفالات اليوم الأخير متشابهة. التحوّل الحاصل في العالم منذ عامين يُفترض به أنْ يُصيب هذا التقليد في مَقتل، لكنّ الاحتفال بنهاية عام وبداية آخر ركنٌ ثابتٌ في أفئدة شعوبٍ وأرواحها، وفي انفعالات أناسٍ وعقولهم.

اقرا ايضا

marcher - أعطابٌ سينمائية عربية مستمرّة فلا إصلاح ولا تغيير

وزيرة التجارة تدعو الى احكام التنسيق بين الإدارات المركزية والجهوية لضمان توفير المواد الاساسية والحساسة

2022/01/22 21:05
1642855934 tunisie wmc directinfo almasdar coronavirus covid19 60 - أعطابٌ سينمائية عربية مستمرّة فلا إصلاح ولا تغيير

المنستير: حالة وفاة بسبب الكوفيد و8057 حالة نشطة منها 794 إصابة إضافية و50 حالة مقيمة بالمؤسسات الصحية

2022/01/22 13:52

الأزمة الاقتصادية الخانقة في لبنان لن تحول دون احتفالٍ كهذا، وإنْ تكن تجربة العام الفائت مريرة، فكورونا ينتظر احتفالاتٍ كهذه لتحقيق أهدافٍ جديدة له، في بلدٍ منهارٍ في مستوياتٍ كثيرة له، أبرزها الأخلاق، المُنعدمة أصلاً في شؤونٍ وعلاقات وتفاصيل. الفقر المتفشّي في البلد يتفوّق على قدرات كورونا في الانفلاش باسمه الأصلي، أو بمفردات متحوّلاته، الآيلة ـ كما يبدو ـ إلى مزيدٍ من متحوّلات أخرى.

ينتهي عامٌ مليءٌ بالقهر والتمزّق، كما بالرخاء والانفصال عن الواقع والعيش برفاهيةٍ، يُحسَد عليها مُتنعّمون بها. أشهرٌ طويلة، سابقة على نهاية هذا العام، تقول إنّ بؤساً يتغلغل في الاجتماع، وإنّ شقاءً ينقضّ على أناسٍ، وإنّ مراراتٍ كثيرة تُصيب أفراداً في عيشهم وأجسادهم وأرواحهم. لكنّ انقلاباً على هذا غائبٌ، ولغيابه أسبابٌ، يتفنّن قليلون في بلورة فلسفتها، وبعض البلورة مقبول وحقيقيّ، كأنْ يُقال إنّ شدّة البطش، وعنف النهب، وسطوة تنانين سياسة ومال وأمن على البلد وناسه، أسبابٌ فاعلةٌ في انكفاء لبنانيين ولبنانيات عن مواجهةٍ وتمرّد. كأنْ يُقال أيضاً إنّ تحويلات كثيرة بالدولارات الأميركية، من خارجٍ إلى داخلٍ، كفيلةٌ بإسكاتِ من يحصل عليها من قريبٍ أو مهنة، والسكوت متأتٍ من اكتفاءٍ ذاتيّ، رغم “انقراض” أدويةٍ وأطعمةٍ، وغلاء عيشٍ، يتكفّل تحويلٌ كهذا في تخفيف حدّته، بينما يعجز، غالباً، عن استعادة المنقرض من اختفائه.

الانهيار حاصلٌ في دول ومجتمعات عربية عدّة، والأسباب متنوّعة. الخراب أيضاً، فالخراب يضرب بقوّة عقلاً وتفكيراً وإحساساً، ويدفع المرء إلى مزيدٍ من التقوقع والانكفاء والعزلة، ومن التشدّد والترهيب. سلطات تفتك بمواطنين ومواطنات لامتلاكهم جرأة قولٍ مغاير، وفي المقابل تمنح آخرين وأخريات ما يُظنّ أنّه نعيمٌ. الفتك بالبعض تهديدٌ لهم ولهنّ أيضاً، فيلوذ هؤلاء بالصمت، أو يصرخون عالياً ضد ما يرونه مُضرّاً بالسلطة ومصالحها، لعلّ السلطة تنتبه إليهم فتمنحهم شيئاً من رضا ملوّث بدمٍ وإقصاء وقمعٍ وإهانةٍ.

سينمائياً، ينتهي العام على تكرارٍ مُملّ لأعطابٍ، تنخر أحوال عيشٍ وتعبيرٍ وتواصلٍ، ما يؤكّد استحالة كلّ إصلاحٍ وتغيير وتجديد وتطوير. تصوير واقعٍ يعيشه كثيرون، بحِرفية بصرية وواقعية وجمالية باهرة، يُثير غضب طامحين إلى رضا سلطات، فيتّهمون التصوير بأنّه “إساءة إلى سُمعة البلد” (“ريش” للمصري عمر الزهيري). محاولة الاقتراب من مسألة “النُطف المحرّرة”، المُهرّبة من السجون الإسرائيلية، تستنفر متشدّدين ومتشدّدات، وتحوّلهم إلى أشباه سلطة، إذْ يُنزلون بمن يحاول اقتراباً كهذا عقوبات، يتفنّنون بابتكار أشكالٍ أعنف وأخطر وأكثر أذيّة من تلك التي تُنزلها السلطات بمن تعتبرهم “أعداء” لها: إلغاء، إقصاء، تغييب، منع (“أميرة” للمصري أيضاً محمد دياب). هذا غير لاغٍ ضرورة البحث في كيفية مقاربة مسألة حسّاسة كهذه، وكيفية معالجتها، خاصّة في مستويين اثنين: آلية تهريب نُطف أسرى فلسطينيين إلى زوجاتهم، وهذا بحدّ ذاته فعلٌ مُقاوِم، لا يزال عصيّاً على المحتلّ الإسرائيلي فكّ أسراره؛ ومدى “تمكّن” هذا المحتلّ نفسه من تبديل النُطف، وهذا أمرٌ خطرٌ للغاية، إنْ يحصل فعلياً.

 

 

“ريش” و”أميرة” نموذجان يعكسان شيئاً من بلادة تفكيرٍ، يرتاح إلى غضب وصراخ، فالنقاش والتفكيك يحتاجان إلى وعي ومعرفة وحيوية وانفتاحٍ. هذا لن يكون دفاعاً عن النواة الدرامية الأساسية لـ”أميرة” (تبديل نُطفٍ فلسطينية بأخرى إسرائيلية)، فالنواة تلك غير صائبةٍ لانعدام حدوثها، وتهريب “النُطف الفلسطينية المحرّرة” جزءٌ من مقاومة المحتلّ الإسرائيلي. ربما لهذا يغيب كلّ نقاشٍ آخر، يريد تناولاً هادئاً لكلّ ما له علاقة بالسينما في فيلمٍ، يقول ـ من بين أمور أخرى ـ إنّ البيولوجيا لن تحول دون انتماءٍ وتمسّك بهوية. الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني (1936 ـ 1972) يطرح المسألة قبل سنين مديدة، لكنْ بشكلٍ آخر. في روايته “عائدٌ إلى حيفا” (1970)، يُشير إلى أنّ البيولوجيا الفلسطينية تعجز عن حماية مولودٍ فلسطيني ـ يتخلّى عنه والداه لحظة بداية النكبة (15 مايو/ أيار 1948) ـ من أنْ يُصبح إسرائيلياً، بعد أن تتولّى عائلة يهودية قادمة حديثاً إلى حيفا تربيته، في منزل أهله المُصادَر من الوكالة اليهودية. أميرة، بعد اكتشافها أنّ والدها جنديٌ إسرائيلي لا أسيراً فلسطينياً، تزداد فلسطينيةً إلى حدّ استشهادها كفلسطينيةٍ في لحظة ثأر، أو ربما في لحظة إعلان أخير بأنّها ستبقى فلسطينية.

هذا رأي لا أكثر. مسألة “النُطف المحرّرة”، ذات الحساسية الكبيرة، أساسية. الغضب مفهوم. الحملة ـ المنطلقة من معرفة الحبكة لا من المُشاهدة ـ تريد تحصين فعلٍ فلسطيني مُقاوِم، يُرهق المحتلّ العاجز عن فهم كيفية تهريب النُطف. لكنْ، ألنْ يكون تشبثّ أميرة بفلسطينيتها، واستشهادها كفلسطينية، أساسيّاً ومهمّاً أيضاً، وتأكيداً على أنّ التزام فلسطين وقضيتها وأحوال ناسها وأفعالهم المُقاوِمة غير مُحتاج إلى بيولوجيا، رغم أهمية البيولوجيا في الثقافة العربية، مع أنّ بعض البيولوجيا العربية لن يمنع عرباً كثيرين من أنْ يكونوا عملاء لمحتلّ، أو خدماً لحاكمٍ قامعٍ، مثلاً؟

ينتهي عام 2021، سينمائياً، بهذا. “ريش” يُسيء إلى سُمعة مصر، فهل “تنضح” أفعال الحاكم العسكري المصري براءةً وعزّة واهتماماً بالناس وأحوالهم ومطالبهم؟ السجون مليئة بناشطين وناشطات مصريين، واتهامات باطلة ضدهم: هذا غير مُسيء إلى سُمعة مصر؟ القبضة الأمنية والعسكرية على شؤون بلد وناسه: هذا غير مُسيء إلى سُمعة مصر؟ تغيير معالم مدينة، وتنفيذ مشاريع تُزيد الفقراء فقراً والتشويه تشويهاً والقهر قهراً: هذا غير مُسيء إلى سُمعة مصر؟ يقول “ريش” ـ من بين أمور أخرى ـ إنّ الفقر المدقع، المخيف والمُقرف، حاصلٌ: إذاً، هذه إساءة إلى سُمعة مصر والمصريين، فلتحلّ عليه اللعنة.

كم أنّ المشهد مُثير لضحكٍ مريرٍ ومؤلم. كم أنّ المتغيرات الحاصلة في العالم، يوماً تلو آخر، ولألف سببٍ وسببٍ، عاجزة عن إحداثِ تغيير، ولو طفيفاً، في تفكيرٍ وممارسةٍ عربيين.

شارك المقال
  • تم النسخ