تركيا: قراران يفاقمان تدهور سعر الليرة إلى مستويات تاريخية

شهدت الليرة التركية يوم تذبذب طويلاً الخميس، بعد قرار الرئيس رجب طيب أردوغان، عزل نائبي رئيس البنك المركزي، سميح تومان وأوغور نامق كوتشك، وعضو مجلس السياسات النقدية عبدالله يافاش، وتعيين طه تشاناق نائباً لرئيس البنك المركزي، ويوسف تونا عضواً في مجلس السياسات النقدية.

وتفاوت سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار الأميركي، من 9.0381 عند إغلاق الأمس وافتتاح اليوم، ليصل إلى 9.167 ليرات عند الساعة 11 من قبل الظهر، بعد انتشار خبر الإقالات ليرتفع بعدها إلى 9.1821 ظهرا، قبل أن يقفل التداول الرسمي (مصارف ومؤسسات حكومية) عند 9.161، واستمرار التذبذب لدى شركات الصرافة التي شهدت إقبالا وترقبا كبيرين اليوم في إسطنبول، خاصة في منطقة لاللي الموسومة بمنطقة الصيرفة الأولى.

وجاء قرار أردوغان إقالة 3 مسؤولين نقديين اليوم، بعدما أشيع الأسبوع الماضي عن “عدم رضى الرئيس عن إجراءات المركزي وتأخره بتخفيض الفائدة” وذهاب التوقعات إلى إقالة المحافظ، شهاب قافجي أوغلو، الذي عينه أردوغان قبل 7 أشهر خلفاً لوزير المال السابق ناجي أغبال في مارس/ آذار الماضي، الأمر الذي نفاه فخر الدين ألتون رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية. 

وعلم “العربي الجديد” أن الرئيس أردوغان اجتمع مساء أمس الأربعاء، بمحافظ المركزي قافجي أوغلو، الذي أوضح طبيعة سياسة المركزي بالتعاطي مع تراجع الليرة، خاصة بعد الطمأنة إلى ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي بالمصرف، من 122 مليار دولار في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، إلى 123.5 مليارا الآن.

كما كشفت المصادر أن محافظ المركزي بيّن أن ثمة أصواتا في البنك ومجلس السياسات النقدية، تؤيد تثبيت سعر الفائدة أو حتى رفعها، لامتصاص بعض فائض السيولة من السوق إلى المصارف، خاصة أن آخر تخفيض لسعر الفائدة، كان بنحو 100 نقطة أساس الشهر الماضي، من 19 إلى 18%.

اجتماع الرئيس بمحافظ المركزي، ليلاً، وإصدار قرار إقالة النائبين وعضو مجلس السياسات النقدية لتنشره الجريدة الرسمية فجر اليوم، بدأ بعده مشوار التراجع والتذبذب الذي شهدته السوق النقدية اليوم.

ويرى أستاذ المالية في جامعة باشاك شهير في إسطنبول، فراس شعبو، أن قرار الإقالة كشف عن اختلاف الرأي داخل المصرف المركزي ومجلس السياسات حول سعر الفائدة واستخدام الأدوات النقدية الأخرى، وكشف أيضاً عن صراع النفوذ بين المركزي والرئاسة، أو سياسة “حزب العدالة والتنمية” وبالتالي الحكومة التركية.

وقال: “لو نظرنا إلى آثار تخفيض سعر الفائدة الشهر الماضي، لرأينا أنها أكبر عملياً من تأثير 1%، لأن المضاربين والمودعين والمستثمرين يستشفون تأكيد تطبيق سياسة الرئيس التركي، بصرف النظر عن الآثار، بل والتوقعات باستمرار تخفيض الفائدة إلى 10% نهاية العام الجاري، كما صرح أردوغان سابقا.

ويضيف شعبو لـ”العربي الجديد” أنه من المبكر التنبؤ بآثار إقالة المسؤولين، وما سبق ذلك من قرارات كتوثيق بيانات العملاء، على الأسواق وسعر الصرف، لكن، بكل الأحوال لا بد من طمأنة أصحاب الاستثمارات والإيداعات الكبيرة، وعدم الاعتماد على الأموال الساخنة والمضاربين، وذلك من خلال قرارات متفق عليها، بين السياسة النقدية والمالية والاقتصادية بشكل عام، كتخفيض الضرائب وتقديم حوافز، لتبديد المخاوف بالأسواق وعدم سحب الإيداعات التي يمكن أن تزيد العرض بالسوق وبالتالي تساهم في زيادة تراجع سعر الليرة.

ويلفت شعبو إلى ضرورة التفريق بين سعر صرف العملة واقتصاد دولة، فسعر أي عملة تدخل فيه اعتبارات اقتصادية وسياسية، وهذا ما يحصل في تركيا، رغم أن اقتصاد الدولة متين وجميع مؤشرات الربع الثالث، من صادرات وإنتاج وسياحة، مرتفعة ومشجعة، كما أن توقعات المؤسسات الدولية، المالية والتصنيف، أيضا جيدة ورفعت من توقعاتها بشأن نمو الاقتصاد التركي، مضيفا: “نقرأ خلطا غريبا بين سعر العملة وقوة الاقتصاد، خاصة عناوين انهيار الاقتصاد التركي أو أنه على حافة الهاوية، وهذا خلط غير علمي وغير دقيق”.

وتشهد الليرة تراجعات مستمرة خلال الفترة الأخيرة، بعدما خسرت نحو 20% من قيمتها خلال العام الجاري، وقت افتتحت عام 2021 على نحو 7.4257 ليرات للدولار الواحد، لأسباب يراها الاقتصادي التركي، خليل أوزون، سياسية أكثر منها اقتصادية.

ويشير أوزون إلى أنه لا مبررات اقتصادية حقيقية لاستمرار تراجع سعر الصرف، بما في ذلك عجز الميزان التجاري بعد ارتفاع أسعار الطاقة واستيراد تركيا، بالدولار، نحو 95% من حاجتها أو حتى الديون الخارجية، لأن العام الجاري يشهد نسب نمو “هائلة” باعتراف المؤسسات الدولية، كما أن عجلة الاقتصاد عادت للدوران بعد تعطيل عام كورونا، فزادت الصادرات وبدأت تركيا باستقبال السياح، وهذان القطاعان أهم مورد للقطع الأجنبي وبالتالي توازن العرض وثبات إن لم نقل تحسن سعر العملة.

لكن، برأي أوزون، فإن السياسة واستهداف تركيا هما العاملان الأهم وراء تراجع سعر الصرف وقلة تدفق الاستثمارات، كما أن عدم نجاح الانفتاح التركي على المنطقة العربية، أو إرجاءه، ربما يشكل سببا آخر يدخل ضمن “المعادلة الصعبة”، وهو غير مستبعد إثر المضاربات وعودة وسائل إعلامية، عربية وغربية، للإساءة إلى الاقتصاد التركي.

ويضيف الاقتصادي التركي أن لعودة التشنج بالعلاقات التركية الأميركية واحتمال معركة شمال غربي سورية، “كما لمّح المسؤولون” السبب الرئيس في مخاوف الأسواق خلال الفترة الأخيرة.

وحول الأثر الذي يحدثه تدخل السياسة بالقرار الاقتصادي والنقدي، يقول الاقتصادي التركي: “هذا صحيح تؤثر ويستدل منه على عدم استقلال قرار المصرف المركزي” ولكن إلى أجل محدد، فمن حق القيادة السياسية برأيه، تصويب السياسة النقدية والمالية بما يتناسب مع الخطط العامة للدولة وتطلعات بلاده لحلمها خلال مئوية تأسيس الجمهورية بعد عامين، فالاقتصاد التركي يعتمد على الصناعة والخدمات والزراعة والسياحة، ويجب أن لا يضع أصحاب القرار المالي آمالاً على الإيداعات والأموال الساخنة “أمل تركيا باقتصاد حقيقي يمتص البطالة ويزيد الصادرات ويؤمن فرصاً استثمارية للأموال الخارجية”.

في المقابل، يرجح مراقبون أن تؤثر القرارات الجديدة على ثقة الرساميل والمستثمرين، بالمصرف المركزي والسياسات الاقتصادية التي يصفونها بغير المستقلة، خاصة بعد قرار عزل مسؤولي المركزي اليوم وقرار تقييد الصرافين قبل يومين.

وكانت السلطات المالية التركية، قد ألزمت أخيرا الصرافين بتسجيل هويات عملائهم بموجب إجراء جديد صدر بعدما سجلت الليرة انخفاضًا آخر هذا الأسبوع.

وقالت وزارة الخزانة والمالية في بيان يوم أمس، إن الإجراء الجديد يهدف فقط إلى تقليل الطابع غير الرسمي في مهنة الصرافة، وزيادة مستوى المؤسسات وضمان الامتثال للوائح الدولية “لا ينطوي القرار على أي تدخل في أسواق العملات الأجنبية”.

ووفقا للإجراء الجديد، يتعين على مكاتب الصرافة تسجيل رقم الهوية/ رقم جواز السفر و/ أو رقم التعريف الضريبي في حساب منفصل أو دفتر أستاذ لكل معاملة، مع إظهار تاريخ ووقت ومبلغ المعاملة.

ويبلغ إجمالي ودائع النقد الأجنبي التي يحتفظ بها السكان المحليون 232.7 مليار دولار حتى الأول من سبتمبر/ أيلول، وفقا لبيانات البنك المركزي. وهذا يمثل زيادة بنسبة 20% عن بداية عام 2020.