النووي الإيراني… إشارات واعدة ولو بحذر من مولي وبلينكن

عاد ملف مفاوضات النووي الإيراني بشكل لافت إلى الأضواء في واشنطن، من خلال ما صدر حوله، أمس الأربعاء، عن اثنين من أكثر المسؤولين الأميركيين المنخرطين فيه والمطلعين على آخر تطوراته.

في التقييم، كما في التوقعات، تقاطع ضمناً كلام وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن والمبعوث الخاص إلى إيران، روبرت مولي، في حديثين مختلفين ومتزامنين، عند أكثر من نقطة، بدا أنها تعزز احتمالات التفاؤل، وإن المبطن والمتحفّظ، في العودة القريبة إلى طاولة المفاوضات في فيينا، وربما في أبعد من مجرد العودة. كلاهما نأى عن لغة التشدد والتوعّد مع الحرص على إبقاء الخطوط مفتوحة، ولا سيما مولي. كذلك ابتعدا عن تحديد سقف زمني لاستئناف التفاوض، مع اكتفاء بلينكن بتلويح فضفاض بالبدائل لو فشلت الدبلوماسية.

الوزير بلينكن، في بيان افتتاحه المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيريه الإماراتي عبد الله بن زايد أل نهيان، والإسرائيلي يئير لبيد، مرّ بصورة عابرة على “برنامج إيران النووي ونشاطاتها المقلقة لنا ولبلدان المنطقة”، من دون الإشارة إلى مفاوضات فيينا. وعند سؤاله عنها، حثّ طهران على وجوب العودة إليها “قريباً”. العبارة نفسها استخدمها وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان أكثر من مرة في الآونة الأخيرة.

وإذ ربط بلينكن الحاجة إلى الإسراع “بقرب نفاد الوقت”، فإنه لم يحدد الموعد، ولو على وجه التقريب. كذلك اكتفى بإشارة بدت من مقتضيات اللحظة أكثر من أي شيء آخر، عندما قال إنّ الإدارة “تنظر في خيارات أخرى” لو فشل الحل الدبلوماسي.

نظيره الإسرائيلي لبيد، سارع في إجابته إلى التوضيح والتشديد على أنّ “الخيارات الأخرى هي بالفعل موجودة الآن على الطاولة”، مدللاً بذلك على ما تردد عن وجود تباين في المقاربة بين الحليفين، وبأنهما اتفقا منذ زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينت الأخيرة لواشنطن على “تنظيم هذا الخلاف” بينهما وأي خلافات أخرى مثل “إعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية”، التي عاد الوزير بلينكن وأكّدها. ويبدو أنّ الإدارة تضخّم موضوع القنصلية لتقديمه في آخر المطاف على أنه إنجاز كبير لسياستها الفلسطينية، في حين أنه – على أهميته – ليس أكثر من خطوة تصحيحية كان من المفترض أن تتخذها الإدارة قبل أشهر، باعتبارها تراجعاً عن قرار إقفال كيدي تعسفي، لمقر دبلوماسي أميركي موجود في القدس منذ 1844.

قبل كلام بلينكن بساعتين، كان المبعوث مولي ضيف “مؤسسة كارنيغي للدراسات والأبحاث” بواشنطن، في جولة أفق حول مفاوضات النووي، وما يتصل بحساباتها الإقليمية المؤثرة فيها والمتأثرة بها. وفي أجوبته كافة، حرص على الابتعاد عن رسم صورة تفيد بأنّ العملية في مأزق.

إشاراته كانت على العكس. إذ قال: “لقد حققنا تقدماً” في رده على سؤال عما إذا كانت الأمور قد صارت “أقرب” إلى التلاقي. ودليله أنّ “الأساسيات ما زالت على حالها؛ إيران تريد رفع العقوبات ونحن نريد تقييد البرنامج النووي الإيراني”، كما قال. وما دامت هذه المعادلة قائمة، فالفرصة برأيه “تبقى جيدة، ولو أن كل يوم تأخير في العودة إلى الطاولة” يزيد من المصاعب.

وفي هذا الإطار، بدا من كلامه وكأن الإدارة جمّدت الخلاف مع إسرائيل حول هذا الملف، عند حدود “الاعتراف بفروقاتنا مع الاستمرار بالتنسيق بيننا”، على حدّ قوله، أي ابتعاد الحكومة الإسرائيلية عن تحريض الكونغرس على التفاوض كما فعل بنيامين نتنياهو.

وربط مولي التعثر في جانب منه “بصيغة التفاوض غير المباشرة وغير الملائمة”، معرباً عن أمله “بجلوس الإيرانيين معنا وجهاً لوجه، حيث إن ذلك أفضل لنا ولهم، وأكثر فعالية”.

وفي اعتقاده أنّ الطرف الإيراني “يدرك ذلك بوضوح”، الأمر الذي أثار تكهنات حول إمكانية انتقال المفاوضات بعد استئنافها بقليل إلى غرفة واحدة، ولا سيما أنّ مولي ألمح إلى استعداد الإدارة “للتكيف مع الحقائق المختلفة” المستجدة، مشيراً في هذا السياق إلى أجواء التواصل والحوار في المنطقة “التي تساعد في خفض التصعيد وتحظى بتشجيعنا”.

واعترف بوجود “جملة مسائل نحتاج لمواجهتها، ومنها ما هو أبعد من اتفاق 2015″، بحيث إن العودة إليه تقتضي “التراجع” الإيراني عمّا يتعداه. مع ذلك، بقي خارج دائرة التخوف، ولو بالتلميح من الانسداد، “فالرئيس (جو بايدن) يريد معالجة هذا الملف”، كما أوضح، متجاهلاً تعيين مهلة زمنية لعودة إيران إلى طاولة المفاوضات. وكأنها مسألة وقت.. غير بعيد.