"منطقة الصداقة" لفان تيغام: تكرارٌ لا بأس به

يقول شارل فان تيغام (La Nouvelle Republique.fr، في 27 سبتمبر/ أيلول 2021) إنّ الكوميديات الرومانسية “لا شعبية لها في الصالات التجارية”. لذا، “تُستَهلك في حميمية المنازل”. يرى أنّ الناس يذهبون إلى الصالات “لمُشاهدة أفلام العروض الكبيرة، أو أفلام فنّ وتجربة”. يُضيف: “أنْ تكون على “نتفليكس”، يعني أنْ يُبثّ عملك في 180 دولة، مع ترجمة فورية”. ولأنّ فيلمه، بالنسبة إليه، “يتناول موضوعاً عالمياً، فإنّ عرضه على المنصّة الأميركية فرصة رائعة”.

فان تيغام، التلفزيونيّ البلجيكي الذي يعتبر باريس مدينته، يُخرج أول فيلم سينمائيّ طويل له بعنوان Friendzone. موضوعه مُكرّر. اعتباره كوميديا رومانسية نابعٌ من قصّته العادية: شابٌ يُغرم بشابّة، لكنّ تحدّيات عدّة تحول دون إعلان حبّه لها، فتجهد صديقاته الـ3 في تدريبه على أنْ يكون حبيباً وجريئاً ومنفتحاً، فهو خجول ومتواضع ولا اختبارات عاطفية له. بساطة الفيلم منبثقة من بساطة تيبو (ميكايل لوميير)، الممرّض العامل في قسم الأطفال والمراهقين في أحد المستشفيات. صدفةً، يلتقي روز (إيفا دانينو)، صانعة ألعاب ومُصمّمة ملابس للأطفال أيضاً، فيُعجب بها. لكنّ لحظة اللقاء والتعارف ستكون لحظة انفصال لها عن حبيبها، ما يعني أنّها تعيش اكتئاباً وتوتراً. براعته في أنْ يكون صديقاً أقوى من براعته (المنعدمة أصلاً) في إنشاء أي علاقة أخرى، وهذا كافٍ ليجعلها تشعر بصداقته لها، أي بوقوفه إلى جانبها.

صديقاته الـ3، لولو (فضيلة كامارا) ومود (مانون آزِم) وألكسندرا (كونستانس آرنو)، يحاولن تغييره، فهنّ يعرفن جيداً خفاياه وسلوكه وانفعالاته. يبدأن تدريبه، جسدياً ونفسياً، على إحداث تغيير جذري، شكلاً ومضموناً. يتدخّلن بالتفاصيل، فالهدف بالنسبة إليهنّ أهمّ: دفعه إلى أنْ يكون حبيب روز، التي يعود حبيبها إليها، فيُصدم تيبو، والصدمة كبيرة. برونو (ماكسيم غاستوي) نزق ومتكبّر، يُعامِل الجميع (وروز) بعنفٍ سلوكيّ مُبطّن، وباستهزاء يُبيّنه بكلامٍ وحركاتٍ مواربة. نزواته الجنسية تدفعه إلى نساءٍ يرغب فيهنّ، رغم ارتباطه بها. له علاقة سابقة بمود، التي تمقته. في حفلةٍ تُقيمها روز، يلتقي برونو بمود، فيحاول جذبها، رغم علمه بأنّها مثلية الجنس. في الحفلة تلك، يظهر برونو شبه عارٍ أمام الجميع، فهو يريد إغراء مود قبل أنْ تُفتح ستارة الغرفة وينكشف أمام الموجودين. في الآن نفسه، تظنّ روز أنّ تيبو يرغب فيها جنسياً فقط، فهو مرتبط بجينيفر (إلويز فالّي)، المشهورة جداً على إنستغرام.

 

 

تلك الحفلة تؤسّس مرحلة أخرى. فيها، تنهار علاقات، وتختفي مشاعر، ويُفضَح أفرادٌ، وتنتهي ارتباطات. تيبو يغضب على صديقاته الـ3، ويتعرّض للضرب من جينيفر، وتنبذه روز. فصلٌ من الدراما يمتدّ إلى نهاية سعيدة. المسار كلّه (88 دقيقة) يصنع كوميديا عادية للغاية، ومشهد “موت” تيبو، بعد تعرّضه لحادث سير، ودفنه، يوحي سريعاً بأنّه غير صحيح، فالكوميديا الرومانسية غير مؤهّلة لحزنٍ كهذا. مشهد الموت والجنازة مُثير لشيءٍ من الضحك، مع جينيفر التي تلتقط لنفسها صُوراً مع التابوت لنشرها على صفحتها (إنستغرام)، وأيضاً لخروجه التام عن السياق العادي.

النهاية سعيدة. هذا معروفٌ منذ البداية. لقطات عدّة تقول إنّ روز سترضى بتيبو، وإنّ تيبو سيفعل المستحيل لإقناعها بحبّه لها. تكرار الموضوع يلحقه تكرار في كيفية التصوير والتمثيل. لا جديد. فـ”منطقة الصداقة” (2021) مصنوعٌ لتسلية تُتقن “نتفليكس” إنتاجها غالباً، وإنْ يكن الإنتاج غير جديد، وغير تجديدي، وغير مستوفٍ مفرداته العادية أحياناً. أما العادي، فيُرافقه نوعٌ من تسطيحٍ يُراد به سلاسة سرد وأداء. الكوميديا متداولة، والرومانسية أيضاً. ضحكٌ قليل، وتسلية “لا بأس بها”.

هذا كلّه يليق بفيلمٍ يُعرض على شاشة منصّة، رغم أنّ للكوميديا الرومانسية مشاهدين مستعدّين للذهاب إلى صالة سينمائية لمُشاهدتها على شاشة كبيرة، على نقيض ما يظنّه شارل فان تيغام، الذي يُمكن تفسير كلامه بالقول إنّ اختيار منصّةٍ لفيلمه الأول (نتفليكس) أضمن بكثيرٍ من إطلاقه في صالاتٍ تجارية. فالمشكلة كامنةٌ في بنية “منطقة الصداقة” واشتغاله ومعالجته وتفاصيله، لا في النوع السينمائي المنتمي إليه؛ وفي أنّ الفيلمَ أولُ روائيّ طويل له كمخرج سينمائي؛ وفي أنّ التكرار العاديّ ربما يحول دون إيرادات كبيرة يرغب فيها المخرج والمنتجون.