السيسي والتطبيع: جسر مأمول لقبول أميركي طويل الأمد

أدلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في احتفالات ذكرى نصر 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973 الأخيرة، بتصريحات عن ضرورة التقدّم في التطبيع والسلام مع الاحتلال الإسرائيلي، موجّهاً التحية للرئيس المصري الراحل أنور السادات على مبادرته للسلام و”الإشادة ببصيرته السياسية”. ولم تُشكّل تصريحات السيسي تغيراً نوعياً عن سياساته التي اتّبعها منذ صعوده إلى السلطة قبل ثماني سنوات، لجهة مدّ جسور التعاون والتفاهم والتنسيق السياسي والأمني والعسكري والاستراتيجي مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، واتخاذ إجراءات جديدة تهدف إلى ثلاثة أمور رئيسية:
أولها تصفية القضية الفلسطينية بشكلها التقليدي كقضية حياة ومصير للشعب الفلسطيني وكقضية مركزية للشعوب العربية كافة، وحصرها في تفاهمات مؤقتة لتحسين الأوضاع المعيشية وتثبيت التهدئة، واستغلال مقومات مصر وموقعها الاستراتيجي والتاريخي لكسب ثقة الإدارات الأميركية والدوائر السياسية في واشنطن ونيويورك، والتي تهتم في المقام الأول بتكريس الحماية والأمن للإسرائيليين.

يعمل السيسي على تصفية القضية الفلسطينية بشكلها التقليدي

الأمر الثاني توسيع اتفاقيات السلام بين الاحتلال والدول العربية، وهو هدف عمل عليه السيسي بوضوح منذ توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية عام 2016، وتنازله عن جزيرتي تيران وصنافير، وتسهيل تقارب السعودية مع دولة الاحتلال سياسياً. ثم زاحمته فيه دولة الإمارات خلال الفترة الأخيرة من عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، رغم محاولة السيسي استعادة دوره الفعّال في الملف حالياً.

أما الأمر الثالث فهو المضي قدماً في التطبيع مع الاحتلال إلى مستوى غير مسبوق حكومياً وشعبياً، من خلال المشاركة في أنشطة ثنائية مختلفة، وتطوير التعاون الاقتصادي والخدمي والمرفقي. وهو أمر سعت إليه الحكومات الإسرائيلية من دون جدوى طيلة عهد الرئيس المخلوع الراحل حسني مبارك، وكان مستحيلاً التوصل إليه بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، إلا أن السيسي اتخذ خطوات تنفيذية متتالية في هذا السياق، بدءاً من إخطار حكومة الاحتلال بالتنازل عن تيران وصنافير وتوثيق ذلك في القرارات الرسمية لمصر، والشراكة الرسمية العلنية في مجال الطاقة، وانتهاء بتسيير رحلات جوية للشركة الوطنية “مصر للطيران” من وإلى مطار بن غوريون، لتسهيل حركة السياح والمستثمرين، بعد تعثر وعدم انتظام لسنوات.

ويدرك السيسي أنه يتوجب عليه لتحقيق هذه الأهداف التمهيد إعلامياً على المستوى المحلي، من خلال التراجع الممنهج عن الاهتمام بالقضية الفلسطينية، عدا في الحالات التي تتطلب ذلك لارتباطها بتحركات مصرية تسعى لتحقيق مكاسب، كما حدث في معركة غزة الأخيرة. ثم فتح باب التعامل رسمياً بين المستثمرين المحليين ونظرائهم الإسرائيليين، وتسهيل دخول وحركة الفريق الأخير وتذليل بعض العقبات الاستثمارية والأمنية التي كانت قائمة في عهود ماضية. وبالتزامن مع كل ذلك تصريحاته الرسمية التي تبدي استهانة بأهمية الصراع العربي الإسرائيلي، وتدعو إلى فتح صفحة جديدة من العلاقات الودية والتعامل مع الواقع ونسيان الماضي، أو كما وصف في تصريحاته الأخيرة “اقتحام الحواجز وتحدي المبادئ والتصورات القائمة”.

مصادر دبلوماسية وحكومية مصرية قالت لـ”العربي الجديد” إن أحد الدوافع المحركة لتحركات السيسي وتصريحاته المستمرة لمغازلة دولة الاحتلال، هو طموحه الشخصي للحصول على جائزة نوبل للسلام، ويعتبر أنها ستكون شهادة عالمية له تنفي عنه الاتهامات المستمرة بالقمع داخل مصر وفرض قيود على حقوق الإنسان والمجال العام. وكشفت المصادر أن هذا الطموح لا يقف عند حد التمني أو السعي غير المباشر بمثل تلك الخطوات التي تم اتخاذها أو التصريحات التي يطلقها بين حين وآخر، بل اتخذ في الأشهر الماضية شكلاً رسمياً، من خلال القيام بحملة دبلوماسية سرية واسعة عبر السفارات المصرية في العواصم الرئيسية، وبالتواصل مع عدد من المعاهد الأكاديمية والمنظمات والمراكز البحثية ودوائر صنع القرار السياسي في واشنطن ونيويورك ولندن وبرلين وباريس واستوكهولم. وركزت الحملة على إيجابيات حكم السيسي على المستوى الإقليمي، ودوره في تهدئة غزة الأخيرة، وفي مد روابط الصداقة بين العواصم العربية ودولة الاحتلال، وكذلك الخطوات التي اتخذت للتقارب مع قطر وتركيا في العام الأخير. وذلك كله لانتزاع ترشيحه من عدد من الشخصيات والجهات ذات الحيثية، كما حدث مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد منذ عامين، والذي جاء نجاحه تتويجاً لحملة سياسية إثيوبية واسعة أيضاً، خصوصاً في الولايات المتحدة.

وذكرت المصادر أن طموح السيسي للجائزة لا يتوقف بمجرد فشل التسويق المصري لذلك هذا العام، بل هو نشاط ممتد وسوف يستمر لسنوات أخرى ابتغاء للنجاح في انتزاعها، وإن فشلت تلك المساعي فهناك أثر إيجابي جانبي آخر يتمثل في تحسين صورة النظام الحاكم في الدوائر المراقبة ذات الصلة بالشرق الأوسط والمهتمة بالأوضاع في مصر تحديداً.

أما الدافع الرئيسي الآخر لهذا السلوك المندفع نحو تعميق التطبيع، فيتمثل في محاولة السيسي  نيل ثقة الدوائر الصهيونية في الولايات المتحدة، والتي ساعدته في التفاهم مع واشنطن، على الرغم من الإشكاليات الكثيرة في عهدي باراك أوباما ودونالد ترامب، والتربص المستمر من دوائر مختلفة في الحزب الديمقراطي تحديداً، والمطالبة بالتشدد في التعامل مع نظامه بفرض عقوبات وتقليل الامتيازات.

يتطلّع السيسي لكسب جائزة نوبل للسلام في سياق محاولاته فرض التطبيع

ويتصل هذا الهدف بسعي السيسي المستمر لإنجاح خطة تقاربه مع الإدارة الأميركية الحالية، بتقديم قرابين مختلفة إقليمياً على المستويين السياسي والأمني، في مقابل التراخي والتساهل معه في القضايا الحقوقية وغض الطرف عن انسداد المجال العام، والقضاء على أي فرص لتحوّل مصر ديمقراطياً إلى تداول السلطة والحكم الرشيد. وارتباطاً بذلك، يحرص السيسي، بحسب المصادر، في الوقت الحالي على تحقيق ثلاثة اختراقات رئيسية؛ أولها التوصل إلى تهدئة دائمة في الأراضي الفلسطينية، باتفاق واضح بين دولة الاحتلال والفلسطينيين، يتضمن تبادلاً واسعاً للأسرى وإنجاحاً لمساعي تحسين الأوضاع الإنسانية في غزة. ثانيها إنجاح مساعي التطبيع بين السودان ودولة الاحتلال، برعاية وشراكة مصرية واضحة للطرفين، وفي إطار يمكّن للقاهرة من السيطرة عليه والحد من تجاوزه لمصالح أطراف أخرى كالإمارات. أما ثالث تلك الاختراقات فبناء شراكة واسعة مع دولة الاحتلال والأردن والسعودية في مجالي السياحة والطاقة.

يذكر أن السيسي استقبل، الشهر الماضي، رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينت في شرم الشيخ، في ظل حفاوة واضحة من الجانب المصري، تعمدت حكومة الاحتلال إظهارها في الصور المنشورة من جانبها، ولكن من دون أن يفضي إلى إحداث تقدّم ملموس في القضية المركزية للمنطقة والتي يجتمع الطرفان على أهميتها وحيويتها، وهي القضية الفلسطينية والوضع في قطاع غزة على المدى الطويل.

وفي الأشهر الأخيرة، تعددت لقاءات المسؤولين المصريين مع نظرائهم الإسرائيليين، خصوصاً رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل ووزيري الخارجية سامح شكري والبترول طارق الملا، على خلفية التنسيق بين الطرفين حول العديد من القضايا، والوساطة المصرية الدائمة لتهدئة الأوضاع بين دولة الاحتلال والمقاومة الفلسطينية. وفي نهاية مايو/أيار الماضي، قام وزير خارجية الاحتلال غابي أشكنازي بزيارة كانت الأولى من نوعها للقاهرة منذ 13 عاماً، بعدما كانت تسيبي ليفني آخر وزيرة خارجية إسرائيلية تزور مصر في عام 2008.