فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (6)

بعكس الاعتقاد الشائع حتى الآن، والذي سيظل شائعاً بعد الآن، لم يدخل سعيد صالح السجن متهماً بالخروج على النص لأنه سخر من حسني مبارك على المسرح، كما يقول الكثيرون الذين يعتبرون أنه كان فناناً معارضاً مزعجاً للسلطة التي لم تتحمل انتقاداته الساخرة، صحيح أن جرائم حسني مبارك أكثر من أن تعد، وإذا لم تكن أعمى القلب فلست بحاجة لأن أعدها لك، يكفي أن تنظر إلى كل ما حولك وإلى كثير ممن حولك لكي تلمس تلك الجرائم بنفسك، وتسأل: لماذا لم يحاكم مبارك سياسياً من أجلها؟ لكن المؤكد أنه ليس من بين جرائم مبارك أنه أدخل سعيد صالح السجن لأنه سخر على المسرح منه قائلاً: “واحد أكلنا المش والتاني علمنا الغش والتالت لا بيهشّ ولا بينشّ”، في إشارة إلى عبد الناصر والسادات ومبارك على التوالي.

لست أنا الذي أقول ذلك، بل تقوله أوراق القضية التي حوكم سعيد صالح من أجلها ودخل السجن، ويقوله سعيد صالح أيضاً بنفسه، وهو ما سأعرضه لك لتجد فيه مفارقة عبثية من جنس العبث الذي برع فيه سعيد صالح طيلة عمره، لتدرك أن الخيال الشعبي أحيانا يعيد كتابة الوقائع ليس كما حدثت بالفعل، بل كما يريد لها أن تكون، ولذلك لن تقرأ رثاءً لسعيد صالح منذ رحيله وحتى الآن، إلا ووجدت فيه إشارة إلى واقعة حبسه بسبب سخريته من مبارك بتلك العبارة التي صارت أشهر من المسرحية التي قيلت فيها. 

كانت قضية سجن سعيد صالح بتهمة الخروج على النص والتي قضى فيها 17 يوما في سجن الحضرة بالإسكندرية، قد بدأت بسبب تقرير كتبه مفتش الرقابة العامة على المصنفات الفنية لمسرحية عنوانها (لعبة اسمها الفلوس) خلال حضوره لعرض المسرحية المقام بتاريخ 27 ديسمبر 1981، ولم يكن وقتها مبارك قد أكمل حينها سوى شهر ونصف منذ تولى رئاسة الجمهورية، ولم يكن هناك مبرر لهجائه أصلا من سعيد صالح ولا من غيره، لأن مبارك كان يحظى وقتها بشعبية عارمة ظل محتفظاً بها في السنوات الأولى من حكمه، بسبب استبشار الناس بإطلاقه للمعتقلين الذين سجنهم السادات في أحداث سبتمبر 1981، ثم بسبب أحاديث مبارك الصحافية والتلفزيونية التي بدت للناس مبشرة لأنها حفلت بكلام عن الكفن من غير جيوب والتأكيد على أنه لن يظل في الحكم طويلا وما إلى ذلك من وعود الرؤساء المدهونة بالزبدة والتي تسيح فور التصاقهم بكراسي الحكم، وأيضا بسبب المؤتمر الاقتصادي الذي عقده مبارك في بداية حكمه وكان يبشر بمنهج مختلف في إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وكل هذا حدث في فترة أعقبت محاكمة سعيد صالح التي بدأت في شهر فبراير 1982 بعد ثلاثة أشهر فقط من تولي مبارك الحكم.

كانت المفاجأة أن القاضي محمد بدر أصدر حكماً بحبس سعيد صالح احتياطياً سبعة أيام، لتكون أول مرة يحكم فيها بحبس فنان احتياطياً على ذمة قضية خروج على النص

عندما تعود إلى نص التقرير الموجود في ملفات القضية والتي أشارت إليها الصحف في تلك الفترة ونشرها الصحافي رشاد كامل ـ وهو بالمناسبة صحافي متخصص في الحوادث والقضايا في مؤسسة أخبار اليوم وليس الكاتب الصحافي في مجلة صباح الخير ـ في كتابه (نجوم وراء القضبان) الذي اعتمد فيه فقط على الملفات القضائية لعدد من القضايا التي تم سجن بعض الفنانين بسببها، ستجد أن تقرير الرقيب يعترض على قيام سعيد صالح وشريكه الممثل الجميل سعيد طرابيك بالخروج على النص في عدة مواضع، ستستغرب كثيراً وأنت تقرأها إذا قارنتها، لن أقول لك بما نقدمه في أفلامنا منذ سنين، بل وبما أصبحنا نراه مثلا في مسلسلات رمضان، سترى مثلاً أن الرقيب غاضب في تقريره لأن سعيد صالح وصف نفسه في مشهد بأنه “ابن العبيطة” وفي موضع آخر قال إن “أمه هبلة”، وأنه سأل سعيد طرابيك الممسك بسنارة صيد “بتصطاد إيه؟”، فرد سعيد طرابيك عليه: “باصطاد نسوان”، وأنه في أحد المشاهد كان يقف مع تيسير فهمي التي وصفها نص تقرير الرقيب بأنها “تبدو عارية” ليقول لها “مدّي بوزك على بوزي نفسي أدوق”، كما توقف الرقيب عند مشهد آخر قام فيه سعيد طرابيك بتقبيل إحدى الممثلات الكومبارس قبلات وصفها بأنها مثيرة فقال لهما سعيد صالح :”بتعملوا إيه في بعض، وطي له ياختي وطيله”، ويختم الرقيب تقريره قائلاً: “واختتم الممثل سعيد صالح هذه المأساة حين خلع بنطلونه أمام المتفرجين بحجة أنه لا يستطيع أن يمسك نفسه أمام إغراء الممثلة وطلب إغلاق الستارة”. 

كان تقرير مفتش الرقابة معتمداً على عرض المسرحية في مسرح الحرية بالقاهرة، وقد قام مفتش الرقابة بعد كتابة تقريره بتحرير محضر أحيل بسببه السعيدان صالح وطرابيك ومدير المسرح إلى المحكمة التي فاجأت الجميع بحكمها بحبس سعيد صالح 6 شهور مع الشغل والنفاذ وتغريمه 50 جنيها، وغرّمت سعيد طرابيك ومدير المسرح بمبلغ خمسين جنيها لكل منهما، وعندما طعن سعيد صالح في الحكم قبلت محكمة النقض طعنه وألغي الحكم، وأحيلت الدعوى لدائرة جنوب القاهرة لنظرها من جديد وانتهت القضية ببراءة المتهمين، واعتبر الكثيرون وعلى رأسهم سعيد صالح ورفاقه أن الأمر كان شطحة قضائية انتهت ولن تعود.

وعندما انتقل عرض المسرحية إلى مسرح سيد درويش بالإسكندرية لتلاقي نجاحاً أكبر بسبب ما قدمته لها القضية السابقة من دعاية واسعة، تكررت ملاحظات الرقيب بل وأضيفت إليها ملاحظات جديدة لدرجة دفعت مدير المصنفات الفنية بالإسكندرية إلى تحرير محضر ضد سعيد صالح، وتحرك النيابة ضده قضية نظرت هذه المرة في الإسكندرية، ليقف مدير عام الرقابة على المصنفات الفنية أمام المحكمة ويلقي خطبة عصماء تليق بشيخ معمم، لم يتهم فيها سعيد صالح بالخروج على النص والآداب بل وبالتعرض للقيم الدينية أيضا مغالياً في تأويل بعض عبارات سعيد على المسرح ليقول بنص كلامه: “إن الفنان الذي يصل به الأمر إلى إلقاء سيل من الشتائم للأب والأم على خشبة المسرح، والفنان الذي يتفوه بألفاظ خارجة ويتعرض للقيم الدينية والمعتقدات الراسخة كأن يصور خلع حذائه على أنه مشهد ولادة ويقول إنه “لابسه في الحرام”، وإنه لابسه على سنة الله ورسوله، وجب علينا مساءلته. هل يعقل أن نشاهد على خشبة المسرح فنانا يستلقي على ظهر أحد الممثلين كأنه ينوي هتك عرضه أو يقول فنان لزميله تعالى ورايا مشيرا إلى معنى يتعفف اللسان عن قوله، أو يقول لزميلته على خشبة المسرح: ما تخافيش أنا مربوط، أو يقول لزميله خد الخيارة دي البسها”. 

في تحقيق صحافي نشره الصحافي طارق الشناوي ـ الناقد فيما بعد ـ في صحيفة (الأحرار) بتاريخ 18 إبريل 1983 بعنوان (العبارات التي قالها سعيد صالح فوق المسرح فدخل السجن)، تتكرر الإشارة إلى بعض العبارات التي وردت في تقرير الرقيب القاهري، مثل عبارة “يا بنت الكلب”، وعبارة “أنا قاعد هنا باصطاد نسوان”، والتي نسبها التحقيق هذه المرة إلى سعيد صالح وليس إلى سعيد طرابيك كما جاء في كتاب رشاد كامل، وقال إن سعيد أشار حين ترديدها إلى بعض المتفرجات الجالسات أمامه، فتصادف وجود مسؤول كبير وزوجته وحدث حوار بين سعيد صالح والمسؤول الجالس في المقاعد الأمامية، لكن سعيد صالح أصر على تكرار نفس الإشارة في الليالي التالية، ربما لأنه لم يكن يتصور المسار الذي ستتطور إليه الأمور، خاصة أن الرقابة كانت قد قامت في تلك الفترة بتحرير 12 محضرا لكثير من نجوم الكوميديا انتهت جميعها بالبراءة أو الغرامة، باستثناء حكم أصدرته محكمة جنح قصر النيل بحبس الفنانين محمد نجم وفؤاد أحمد وعزة كمال ثلاثة أشهر لخروجهم على النص أثناء عرض مسرحية (أنا أجدع منه)، لكن الحكم سقط حين تمت معارضته بعد ذلك، وهو ما توقع سعيد صالح أن يحدث خلال جلسة معارضة الحكم الذي صدر عليه والتي حدد لها يوم 2 مايو 1983.

كانت المفاجأة أن القاضي محمد بدر أصدر حكماً بحبس سعيد صالح احتياطياً سبعة أيام، لتكون أول مرة يحكم فيها بحبس فنان احتياطياً على ذمة قضية خروج على النص، ووقع الحكم وقوع الصاعقة على سعيد وأصدقائه والوسط الفني بأكمله، لدرجة أن رفيق عمره عادل إمام من شدة مفاجأته وانفعاله توجه مندفعاً ـ بحسن نية كما حرصت أغلب الصحف أن تشير في تغطيتها للحادث ـ إلى منزل القاضي ومعه ثلاثة محامين كبار، لكي يقدموا للقاضي طلباً بالعدول عن الحبس والإفراج عن سعيد صالح ولو حتى مراعاة لارتباطاته الفنية، لكن القاضي استنكر قدومهم وطلب منهم مغادرة المنزل بسرعة لكي لا يتخذ ضدهم اجراءات قانونية، ويبدو أن ذلك الموقف جعله أكثر تشدداً في الجلسة القادمة التي استمر بعدها حبس سعيد صالح ولكن بعد أن أصبحت قضيته قضية رأي عام حافلة بالكثير من التفاصيل العبثية.  
….
نكمل غداً بإذن الله.