انقلابيون على الضمائر

“التطبيع قبل الديمقراطية”، شعار يتبنّاه جنرالات الانقلاب في السودان، الذين يسابقون الزمن لترسيخ حزمة أجنداتٍ معينة، قبيل تسليم السلطة للمدنيين، هذا على افتراض أنهم سيسلّمونها فعلاً. فالمتابع للانقلابات الارتدادية التي تلت الانقلاب الرئيسي الذي قاده المجلس العسكري برئاسة عبد الفتاح البرهان، تخامره شكوك كبرى حيال ما تسمّى “المرحلة الانتقالية” التي يُفترض أن تكون قصيرة، وأن تنأى بنفسها عن اتخاذ قراراتٍ مصيرية، كقضية التطبيع مع إسرائيل، مثلاً، أو تغيير اتجاه البوصلة، صوب الحلف المناهض للربيع العربي، وعاصمته أبو ظبي، ولا سيما أن المجلس العسكري نفسه تسلّم السلطة بفضل ثورة الربيع السودانية، غير أن الانقلاب لم يقتصر على سلطة عمر البشير البائدة، بل تعدّاها ليغدو انقلاباً على الربيع، وعلى أحلام الشعب السوداني نفسه.

من المعلوم أن هذا الشعب يعدّ من أغزر الشعوب العربية نصرة للقضية الفلسطينية، وأزيدها كرهاً لإسرائيل، وهو شعب “اللاءات الثلاث” الذي رفض، منذ نشوء الاحتلال الصهيوني، الصلح والاعتراف والتفاوض مع هذا الكيان، فإذا بجنرالات الانقلاب الجدد يباغتون الجميع بإعلان عزمهم على توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، بثمن أبخس من نياشينهم التي تُثقل صدورهم وأكتافهم.

والسؤال هنا: هل تبيح مرحلة “انتقالية” ما، اقتراف كل هذه الموبقات، على غرار فوضى الرحيل من مكان إلى آخر، حيث يمكن آنذاك ارتكاب بعض الحماقات، وكسر حلقة الأنظمة الصارمة؟ والأهم أن المسؤولية نفسها تصبح معدومةً، فلا أحد يتحمّل وزر ما اقترفه من ذنوب، لأن النظام الجديد لم تُرسَ أركانه بعد، فلا يحقّ لأحد أن يحاسب أحداً في ظل الفوضى و”الانتقال”. وفي المحصلة، عندما يتسلّم المدنيون السلطة، سيزعمون أنهم “وجدوها هكذا”، دولةً بمعاهدة سلام مُصدَّق عليها، ومحفوظة في أرشيف الأمم المتحدة، ولا يملكون حقّ “الانقلاب” عليها، مثلما يجدون أن الحلف المنعقد مع أبو ظبي وخليفة حفتر مشدودٌ، هو الآخر، بوثاقٍ لا يمكن فصم عراه، وما على الشعب إلا أن يغضّ الطرف عمّا فات ويفكر في ما هو آت.

هذا عين ما نرجّح حدوثه عندما ينتهي الدهر “الانتقالي”، وليس الفترة كما يزعمون، غير أنه يحقّ لنا أيضاً أن نشكك في ذوي “البدلات المدنية” الذين يضعهم جنرالات السودان كدمى في صدارة المشهد، وعن مبلغ التواطؤ الحاصل بين البزات العسكرية والياقات المدنية، لتمرير هذه الصفقات والأجندات، فهل يُعَدّ هؤلاء “المدنيون” على نار هادئة، ليكملوا ما بدأه المدفع بالقلم؟ على الأغلب هذا ما سيحدث، ولا ندري كيف يقبل هؤلاء على أنفسهم أن يكونوا مطيّة للجنرالات في ضرب أماني الشعب الذي دفع مئات الضحايا ليتخلّص من أغلال الاستبداد.

ويستطيل التشكيك أزيد فأزيد، ليمسّ بعض المؤسسات العسكرية العربية ذاتها، فقد برهنت أحداثها ووقائعها أنها ذات عقائد تخالف كل ما يعهده العالم عن تلك المؤسسات التي يفترض بها أن تقوم على الشجاعة والاستقامة ونقاء الضمير، غير أن ما أثبتته الوقائع أن معظم مؤسساتنا العسكرية، ولا سيما “المنقلبة” منها، لا تقوم إلا على الجُبن والخسّة وانعدام الضمير.

المفروض، مثلاً، أن تكون هذه المؤسّسات قد تربّت على الرغبة في تحرير فلسطين وقتال العدو الصهيوني، لا على التفريط والإذعان للعدوّ ورفع الراية البيضاء، حتى قبل بدء المواجهة المصيرية، بما يشبه الخيانة والأمة والشعب. والمفروض أن العسكريين لا يتقنون أساليب المكر السياسي والخبث “المدني”، ولا سيما في أروقة السلطة، غير أن الأحداث برهنت أن فيهم من هو أشدّ دهاءً ومكراً من عتاة السياسيين. حدث ذلك في سورية ومصر، ويحدث الآن في السودان، فهل يستحق مثل هؤلاء شعارات “النسور” و”الصقور” التي يكلّلون بها كوفياتهم، أم الأجدى بهم أن يستبدلوها بالأرانب؟

ليته كان انقلاباً واحداً فقط ما حدث في السودان وغيرها من دول “الانقلاب”، لكنها انقلاباتٌ تتلو أخرى، تبدأ بالسلطة ولا تنتهي بالضمائر، ولا ندري، في مقبل الأيام، على أيّ جنبٍ سينقلبون.