مواقع التواصل الاجتماعي سلاح حروب مقبلة

تواجه اليوم بعض وسائل التواصل الاجتماعي جملة من التحدّيات، ابتداءً من شهادات في المحكمة ضد بعض منصّاتها، ومشكلاتٍ قانونية أخرى، بالإضافة إلى أن تعطّل خدماتها قبل أيام ساعات أدّى إلى مشكلاتٍ كبيرة، وصولاً إلى كشف وثائق داخلية مسرّبة. كما قد يكون بعض هذه الوسائل مضرّاً بالصحة العقلية للمراهقين. وقد نفى الرئيس التنفيذي لـ”فيسبوك”، مارك زوكربيرغ، أن تكون هذه المنصّة العملاقة تروّج الحقد والانقسامات في المجتمعات، وتؤذي الأطفال وتحتاج إلى تنظيم.

ولما حدث أثرٌ سلبيٌّ جداً من الناحية المالية، فوفق التوقعات خسائر شركة فيسبوك من الانقطاع الذي ضرب منصّاتها الثلاث (فيسبوك، وواتساب، وإنستغرام) ستكون بالمليارات، والسبب أن الخدمات الإعلانية توقفت ساعات، في المنصّات التي يستخدمها نحو 3.5 مليارات مستخدم في العالم.

أثار خروج “فيسبوك”، التطبيق الأوسع انتشاراً في العالم، والمنصّات التابعة له، إنستغرام وواتساب وماسنجر، عن الخدمة، ساعات مطلع الأسبوع الجاري، إشارات استفهام عديدة، بشأن شبكات التواصل الاجتماعي بمجملها، وقدرتها على التحكّم في “ذاتها”، وما إذا باتت “قوة لا تستطيع تلك المواقع السيطرة عليها”، وفق توصيف البيت الأبيض، في معرض تعليقه على الأزمة التي حصلت لتلك التطبيقات ومنصّاتها.

التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في الأحداث في المنطقة والعالم يؤدّي إلى تفاقم التنازع على السيطرة على هذه المواقع

تجدر الاشارة هنا الى حجب موقع يوتيوب، في وقت سابق، قناة روسيا اليوم، الناطقة بالعربية على منصّاتها، والتي يقدّر عدد المشتركين فيها بـ5.5 ملايين، لتعيد رفع الحجب بعد ذلك، وأكّدت إدارة الموقع أنه خطأ غير مقصود، وستحاول معالجة الأمر من أجل عدم تكرار ذلك.

ما جرى يعيدنا إلى أحداث الولايات المتحدة التي رافقت وصول جو بايدن رئيساً إلى البيت الأبيض، لا سيما حجب حسابات سلفه ترامب على مواقع التواصل الاجتماعي، ورفض الشركات الكبرى الهائل التعاون معه. وهنا يمكن لدول كثيرة ومواطنيها، خصوصاً روسيا والصين، الذين تابعوا الأحداث في الولايات المتحدة، توقع أشياء مهمة عديدة واستخلاص العبر.

وكانت هذه المرّة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا التدخل الواضح والمكشوف لشركات تكنولوجيا المعلومات والتقنية في السياسة، والوقوف إلى جانب أحد أطراف النزاع. وجاء الحادث بمثابة مفاجأة غير سارّة للغاية، ليس فقط لترامب، ولكن أيضاً للسياسيين ورجال الأعمال في العالم.

وليس جديداً منع الولايات المتحدة الاتصالات وحركة النقل، فخلال الحرب في العراق شوّهت وزارة الدفاع (البنتاغون) بيانات GPS التي تلقتها القوات العراقية، وفي 2012، تركت وحدة خاصة تابعة لوكالة الأمن القومي، نتيجة محاولة فاشلة لتثبيت “خطأ”، كل سورية من دون إنترنت. وفي عام 2015، تكرّرت قصة فساد نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في سورية أيضاً. والملاحظ أن جميع عمليات الإغلاق السابقة كانت من الوكالات الحكومية، ولم تكن متعلقةً بشبكات التواصل الاجتماعي.

مع تصاعد النزاعات في العالم مجدّداً، قد تكون مواقع التواصل الاجتماعي، اليوم، إحدى أهم الأدوات المتقدمة للحرب النفسية بين الدول

ما يجري اليوم مع بعض منصّات التواصل الاجتماعي، وما جرى قبل ذلك في الولايات المتحدة، فتح الباب على مصراعيه أمام مراقبين عديدين للتحدّث عن خطورة مواقع التواصل الاجتماعي ودورها في العالم، وما هي الآلية أو المعيار التي تحدّد فيها الصفحات أو الشخصيات التي يجب أن تحظر وتقيد استخدامها لهذا المواقع، لكي لا تكون منبراً لتهديد السلم الأهلي في البلدان، أو إثارة النعرات الطائفية والقومية أو الترويج لأيديولوجيات عابرة للحدود.

ومنذ انتشار مواقع التواصل الاجتماعي في العالم عموماً، أخذت ظاهرتها منحى مختلفاً عن هدف التواصل والترابط بين الأشخاص، وأصبحت كأنها سلاح فتاك. ومع تصاعد النزاعات في العالم مجدداً، قد تكون مواقع التواصل الاجتماعي، اليوم، إحدى أهم الأدوات المتقدمة للحرب النفسية بين الدول.

يبقى القول إن التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في الأحداث في المنطقة والعالم يؤدّي إلى تفاقم التنازع على السيطرة على هذه المواقع، ومدى حيادية هذه السيطرة فيما يتعلق باللاعبين السياسيين المحليين، والدوليين كذلك. وإذا قرّر القادة الأميركيون منع خصومهم داخل البلاد وحجبهم، مثل ما فعلوا مع ترامب، فلن يمنعهم شيء من فعل هذا، إذا لزم الأمر، مع الخصوم في الخارج كذلك.