عرب يائسون على حدود بيلاروسيا

خلال الأشهر القليلة الماضية، تحولت حدود بيلاروسيا مع بولندا ودول البلطيق الصغيرة، لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، إلى فخ قاتل للباحثين عن هجرة ولجوء، في ظروف غير إنسانية يعيشها العالقون عند هذه الحدود، والمقيمون داخلها في معسكرات أشبه بالاعتقال. الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، الذي تنعته الصحافة الأوروبية بـ”آخر ديكتاتوريي أوروبا”، ينتهج منذ الصيف الماضي السياسة المفضلة عند الأنظمة التسلطية: إشعال الحرائق ثم عرض خدمات إخمادها. في السياق، لا بأس أن يكون حطب تلك الحرائق آلاف العرب، إلى جانب آخرين من جنسيات أخرى، فيرمي بهم، بعد إفراغ جيوبهم، نحو غابات خديعة “الوصول السلس إلى الفردوس الأوروبي”. 
أوروبا اليوم ليست بمزاج ولا سياسات عام 2015، حين فتحت حدودها أمام العالقين في “مسار البلقان”، إذ لا تكترث إلا باستراتيجية الصد وإبعاد اللاجئين عن حدودها، والتي تمتد من العمليات البحرية في الجنوب إلى الأسلاك والجدران البرّية شمالاً وشرقاً. وذلك يترك الآلاف في ظروف تنتفي فيها شروط النجاة، وسط عمل المنظمات الإنسانية في أدنى حدودها، وغيابها بالطبع على الجانب البيلاروسي، حيث يتكفل الجيش بنقل اللاجئين ودفعهم نحو الحدود.  

آلاف السوريين والعراقيين، بشكل رئيسي، ومعهم آخرون، لم يصلوا إلى هذا الحد البائس من الهجرة إلا لتحول أوطانهم إلى طاردة لهم. وعلى الرغم من كل هراء الدعاية التي يخوضها نظام بشار الأسد، ومعه موسكو، عن “إعادة اللاجئين”، يتواصل مسلسل التهجير المنظم، ليطاول حتى ما يسمى “كتلة الموالين”، بعدما تحولت السياسات العبثية في سورية إلى الانهيار التام، وبوهم إعادة هذا البلد إلى حظيرة حكم يتحول إلى نظام تقاسم مليشياوي عابر للحدود، وتختفي فيه شروط الحياة. والأخطر قادم، إذا ما نفذت الطائرات الحربية الروسية وقوات نظام الأسد مذبحة كبرى في إدلب بتهجير الملايين بحجة “فرض السيادة”. 

لا يمكن الصمت على مأساة الحدود البيلاورسية مع جوارها بحجة أن من يصلون هم من موالي نظام دمشق أو من الفارين من منتسبي المليشيات العراقية، فهؤلاء جميعاً ضحايا سياسة الاستبداد وتفريغ البلاد لمصلحة أوليغارشيا نهب المقدرات وخلق سياسة “حكم القطيع”. 

في مجمل ما يجري، فإن أوروبا، المركزة على معالجة انتهازية للمأساة، تتحمل مسؤولية تاريخية في التغطية على هذا النوع من السياسات في المنطقة العربية، بعلاقات مشبوهة بأنظمتها التسلطية، وفوق ما يسمى “سياسة المبادئ والقيم”، وبمعالجات بائسة للنتائج، والتي يشكل اليوم التكدس الحدودي البيلاروسي اليائس إحدى صورها المصغرة.