قناة "سهيل"… شاشة الإسلاميين اليمنيين تبحث عن ملاذ

عندما اجتاحت حركة أنصار الله (الحوثيون) العاصمة اليمنية صنعاء أواخر سبتمبر/ أيلول 2014، كانت قناة “سهيل” الهدف الأول لموجة تنكيل واسعة طاولت فضاء الإعلام بالكامل.

واليوم، وفي وقت دخل فيه الانقلاب الحوثي عامه الثامن مدججاً بإمبراطورية إعلامية تم تشييدها بإمكانيات دولة منهوبة و خبرات إيرانية، لا تزال القناة نفسها، أي “سهيل” الناطقة بلسان الإسلاميين في اليمن، تبحث عن ملاذ آمن، بعدما ضاقت بها المدن.
وتبرز “سهيل” كمثال دقيق للمعاناة الحقيقية التي عاشها الإعلام اليمني جراء الانقلاب الحوثي، إذ كانت القناة المملوكة لحزب التجمع اليمني للإصلاح الإسلامي، أول الضحايا لحملة تضييق حوثية شملت خلال عام واحد، إغلاق ومصادرة مقرات 9 فضائيات، و8 إذاعات أهلية، و38 صحيفة بين يومية وأسبوعية. والسبب في ذلك يعود لارتباط تمويلها بالزعيم القبلي ورجل الأعمال، حميد الأحمر، أحد أبرز الخصوم التقليديين للحوثيين.

عاشت القناة مخاضاً عسيراً منذ ولادتها الأولى في الكويت أواخر 2009

عاشت القناة مخاضاً عسيراً منذ ولادتها الأولى في الكويت أواخر 2009، حيث أوقفت السلطات الكويتية بثها التجريبي بناء على طلب النظام اليمني السابق الذي كان يرأسه علي عبد الله صالح، لتعاود البث بعد ذلك من بريطانيا، فيما اكتفت بتواجدها عبر مكتب رئيسي من العاصمة اليمنية صنعاء.
ولم تكن القناة التي تقول إنها معنية بالشأن اليمني ولا تغفل البعد العربي والإسلامي، بعيدة عن نيران قوات النظام السابق، حيث تعرض مكتبها في صنعاء للقصف إبان احتجاجات الربيع العربي عام 2011، قبل أن يتكرر الأمر غداة اجتياح الحوثيين صنعاء، في 22 سبتمبر 2014.
بعد شهرين من التوقف، ومحاولة أخيرة لاستئناف نشاطها من صنعاء في ظل حكم الحوثيين، لم يكن أمام قناة “سهيل” سوى أن تشد الرحال في مايو/ أيار 2015 صوب العاصمة السعودية الرياض التي احتضنت قنوات التلفزة التابعة للحكومة المعترف بها دولياً، فيما كانت باقي القنوات المحلية تبحث عن ملاذات آمنة بين الأردن وتركيا.
ونظراً لتاريخها المليء بالعثرات المختلفة، لم تكن البيئة الآمنة سبباً كافياً لاستمرارية نشاط المحطة من الرياض، حيث تعثّرت مجدداً، جراء ضائقة مالية، إلى جانب أسباب داخلية مختلفة تحدّث عنها العاملون. في هذا الإطار أكدت مصادر في القناة لـ”العربي الجديد” أن التوقف الأول الذي حصل مطلع العام الحالي يعود إلى أسباب مالية وتحديات أخرى، من دون الإفصاح عن ماهية تلك التحديات التي يرى البعض أنها باختصار تراجع للدعم السعودي.

ولعل السبب الرئيسي في الأزمة المالية هذه يبقى تخلّي رجل الأعمال حميد الأحمر عن تمويل القناة منذ نحو 4 سنوات، بعدما كان يتعامل على أنه مالكها الوحيد من دون أي حصة لحزب الإصلاح، وفق ما يكشف مصدر في الحزب نفسه.

السبب الرئيسي في الأزمة المالية يبقى تخلّي رجل الأعمال حميد الأحمر عن تمويل القناة

ووفقاً للمصدر، فقد وضع الشيخ الأحمر، المقيم في تركيا منذ 2014 ، قيادة حزبه بين خيارين، إما أن يبيع لهم حصته على اعتبار القناة لم تعد تعبّر عمّا يريد، أو أن يشتري القناة بالكامل حتى يتسنى له التحكم في مضمونها. وقد شعر الشيخ الأحمر عقب نقل القناة إلى الرياض أنها باتت مكبلة ولن يكون بمقدورها السير على ذات النهج الذي خطّه لها منذ التأسيس، وخصوصاً في مسألة مهاجمة التحالف السعودي الإماراتي، أو الحكومة الشرعية.
وبعد رفع الشيخ الأحمر يده عن دعم القناة، استجابت السعودية لطلب حزب الإصلاح الإسلامي وتكفلت بتمويلها طيلة السنوات الأربع الماضية، وهو ما جعل رسالتها تقتصر بدرجة أساسية على مهاجمة الانقلاب الحوثي. وحسب مصادر في حزب الإصلاح، تكفلت السلطات السعودية، خلال السنوات الماضية، بنفقات ايجار استديو البث وكذلك أجور طاقمها من إعلاميين وموظفين حتى تم قطع الدعم مطلع العام الحالي.
لا تعرف حتى الآن أسباب توقف الدعم السعودي، رغم أن حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يمتلك القناة يقدّم نفسه بأنه تنظيم سياسي يمني لا علاقة لهم بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين ولا يشكل امتدادا أو فرعا لهم في اليمن، ومن أجل إزالة الشكوك أيضا، حافظت القناة على خط تحريري ينتقد الانقلاب الحوثي بدرجة رئيسية.
بمجرد انقطاع الدعم السعودي، دخلت سهيل في دوامة من التعثرات، حيث توقف البث مطلع فبراير/ شباط الماضي قبل أن يتجدد مطلع يوليو/تموز الماضي، وفي 26 سبتمبر الماضي، أعلنت القناة، عودة بثها الفضائي بشكل تدريجي، وذلك من داخل الأراضي اليمنية التي غابت عنها قبل 6 سنوات.
في بيان العودة الذي تزامن مع احتفالات الذكرى الـ59 لثورة 26 سبتمبر وولادة النظام الجمهوري، ذكرت قناة “سهيل”، أنها “ما زالت تعمل على تجاوز التحديات، وقد اضطرت للعودة إلى الواجهة من الداخل بكل ملابساته ومخاطره حتى لا يطول الانقطاع، ولا تغيب أكثر عن نقل مستجدات المعركة الوطنية مع مليشيا الانقلاب الحوثي”.
لم تكشف القناة عن هوية المدينة اليمنية التي ستعاود منها وإن كان مصدر سابق كشف لـ”العربي الجديد” العودة من مأرب، كما تكتمت عن موقع مكتبها في الخارج الذي يُرجح نقله من السعودية إلى بلد آخر، لكن حديث عن ملابسات الداخل ومخاطره، يشير إلى أنها ستعاود من مدينة مأرب، آخر المدن اليمنية الخاضعة عملياً للحكومة الشرعية، التي تتعرض لهجوم واسع من الحوثيين في الوقت الراهن بهدف السيطرة عليها.

على الرغم من حديثها عن “عودة من الداخل بشكل تدريجي ريثما يتسنى لها ترتيب مكتبها في الخارج”، فمن المستبعد أن تنضم قناة “سهيل” إلى نظيراتها من الفضائيات اليمنية التي تتخذ من إسطنبول مقراً لها، مثل قناة “بلقيس” المملوكة للناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل، توكل كرمان، وقناة “يمن شباب”، نظرا لإمكانياتها المادية الشحيحة.
 وتشكو قناة “سهيل” تعرضها لاستهداف ممنهج من جماعة الحوثيين، تم تدشينه منذ اللحظات الأولى لاجتياح صنعاء أواخر 2014، وامتدت آثاره إلى كافة المجالات.
يتهم المذيع في قناة “سهيل” محمد الضبياني، جماعة الحوثيين بقتل 2 من مراسليها، الأول هو يوسف العيزري، الذي تم اختطافه ووضعه رفقة عدد من الصحافيين والسياسيين كدروع بشرية في موقع عسكري في ذمار، والثاني هو مبارك العبادي، مراسل “سهيل” في محافظة الجوف، فضلاً عن اختطاف أحد الصحافيين في القناة، هو صلاح القاعدي. يذكر الضبياني لـ”العربي الجديد”، أن جماعة الحوثيين قامت بتشريد كل الكوادر الإعلامية والفنية والإدارية للقناة من مناطق نفوذها في صنعاء منذ العام 2015 وحتى الآن.
بعيداً عن الانتهاكات الحقوقية، يكشف الضبياني لـ”العربي الجديد”، عن نهب الحوثيين، معدات تلفزيونية تابعة للقناة كانت وصلت إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الجماعة، بقيمة مليون ونصف دولار، ما يرفع إجمالي الخسائر المادية منذ بدء الانقلاب نتيجة الاعتداءات المتكررة ونهب المقر والمعدات، إلى أكثر من 8 ملايين دولار.
رغم الضائقة المالية والخسائر الفادحة، حافظت قناة “سهيل” على نهجها في تسليط الضوء على الانقلاب الحوثي والكوارث الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على المشهد منذ 7 سنوات.
ويبرز برنامج “غاغة” وهي مرادف للفوضى باللهجة العامية في اليمن، كواحد من أبرز البرامج اللاذعة ضد الانقلاب الحوثي، وتعرية الأفكار التي تعمل الجماعة على غرسها في المجتمع. ويهدف البرنامج الذي يقدمه الفنان الكوميدي، محمد الأضرعي، إلى كشف زيف وادعاءات الحوثيين، خصوصاً ما يتعلق بمزاعم الحق الإلهي في الحكم، كما ينتقد بشكل ثانوي، الاختلالات التي ترافق أداء الحكومة الشرعية.