خبر سوري عابر

ثمة ثلاثية أضفت على الأخبار الخارجة عن نظام الأسد حالة “مرور الكرام” رغم ما لبعض الأخبار من مؤشرات ذات دلالات خطرة.
كثرة الأخبار وتضاربها، بهدف التسويق السياسي وأن نظام الأسد، رغم العقوبات والحصار، بخير، ركن الثلاثية الأول، ليأتي الركن الثاني الكامن بخيبة أمل السوريين من فعل مصدري العقوبات والمتشدقين بالديمقراطية، أي شيء، ولو كان الخبر من قبيل قتل وإبادة وتغيير ديموغرافي، ما جعل من الأخبار الاقتصادية وإن الخطرة، تمر بعادية وقلما يتم الوقوف عليها.
وأما الركن الثالث الذي يساق بتضليل غالب الأحايين، أن المستفيد من تلك الأخبار هو الشعب السوري الجائع والمظلوم، وأي انفراج، بحسب منظري هذا الركن، إنما سينعكس على الشعب، ما يوجب غض الطرف كأضعف الإيمان، إن لم نقل المباركة كواجب وطني على كل من يهمه إبعاد السوريين عن دوائر الذل والحاجة وبيع ما يباع لمرة واحدة، ليبقوا على قيد الحياة.

الركن الثالث الذي يساق بتضليل غالب الأحايين، أن المستفيد من تلك الأخبار هو الشعب السوري الجائع والمظلوم، وأي انفراج، بحسب منظري هذا الركن، إنما سينعكس على الشعب

بهذا السياق، مرّ خبر المباحثات الهندية مع نظام بشار الأسد لشراء الفوسفات من دون أن يأخذ ما يستحق من بحث وتفنيد.
ببساطة، لأن نظام الأسد زج أكثر من ركن خلال تمرير الخبر، فقال ضمن ما قال، إن البضائع الهندية التي تحتاجها السوق هي المقابل للفوسفات، ولن يكون الثمن دولارات لستر عورة نظام الأسد واستمرار حربه على حلم السوريين وقمع تطلعاتهم بالحرية والكرامة والعدالة بمنح الفرص واقتسام الثروة.

وربما مكمن خطورة خبر كهذا لا تتأتى فقط من أن الهند المتطلعة للدخول بمناقصة اقتسام خراب سورية (إعادة الإعمار) بدأت من الفوسفات وقطاع الطاقة، متأخرة عن دعوة رئيس النظام بشار الأسد ثلاث سنوات، إذ حاول النظام السوري ومنذ عام 2018، زج الهند ضمن أطواق نجاته حينما دعاها للاستثمار بقطاع الغاز والنفط واستكمال مشاريعها المتوقفة.
بل وربما الخطوة لا تكمن بالصمت الدولي على كسر العقوبات، ولا حتى بإشاحة وجه واشنطن عن اختراقات قانون “قيصر” وما روجته من وعيد وثبور خلال بدء تطبيق العقوبات في يونيو/حزيران من العام الماضي.
لأن الخطر الأكبر بالمادة نفسها، وذلك لأسباب ثلاثة. الأول أن لدى سورية ثروة هائلة من الفوسفات، إذ تصنف الرابعة عالمياً باحتياطي يزيد على 3 مليارات طن، لم تستثمر منه أكثر من 17%.

حاول النظام السوري ومنذ عام 2018، زج الهند ضمن أطواق نجاته حينما دعاها للاستثمار بقطاع الغاز والنفط واستكمال مشاريعها المتوقف

وسبب الخطورة الثاني، أن دولاً عدة أحست، منذ بدء الحرب على حلم السوريين، بأهمية الفوسفات السوري، فكان ضمن ضمانات قروض إيران (خطوط الائتمان)، فأسست طهران ومنذ عام 2016، شركة مشتركة مع نظام الأسد، لاستخراج وتصدير الفوسفات، قبل أن تدخل روسيا على الخط، فتستحوذ على الفوسفات السوري، وتوقع شركة “ستروي ترانس غاز” عام 2018 مع الأسد عقدي استخراج وتصدير الفوسفات لأكبر حقلين بسورية (خنيفيس والشرقية)، بعدما أبرمت ثلاثة عقود مع شركتي “ميركوري” و”فيلادا” الروسيتين للتنقيب عن النفط، وتتبعهما في العام الفائت صربيا، وتوقع شركة “وومكو أسوشيتس دوو” عقداً لاستخراج الفوسفات السوري.
ليكون الخطر الثالث بأن الفوسفات السوري من أجود الأنواع العالمية لاحتوائه على اليورانيوم، وسبق لسورية أن بحثت عن ممول لإنشاء معمل لغسل الفوسفات وفصل اليورانيوم المشع عنه، وتقدمت في مطلع تسعينيات القرن الماضي بدراسة جدوى اقتصادية للمشروع إلى “البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة” قبل أن يرجئ الرئيس السابق حافظ الأسد المشروع، رغم العرض الروسي وقتذاك الذي حمله نائب رئيس الوزراء الروسي أوليغ سوسلوفيتش إلى دمشق عام 1994.

نهاية القول: على ما يبدو، أكسبت سنوات الحرب والحصار بشار الأسد الخبرة الكافية لاستثمار الجغرافيا والثروات السورية، فكسر قانون “قيصر” ومصدريه، عبر تمرير الغاز المصري والإسرائيلي إلى لبنان، وبدأ عبر الأردن يستعيد دوره الإقليمي، وضَمن سلامة الجغرافيا وقهر الثوار بعد تسديد الديون، عبر ربط روسيا بالنفط والغاز والموانئ. ولم يفته استرضاء إيران الحالمة بالأيديولوجيا ومشروعها الفارسي النكوصي، ببعض فتات اقتصادية، عبر عقارات ومشاريع كهرباء وزراعة، ليتوسع شرقاً اليوم باتجاه الهند وقبلها الصين، ليتفرغ بالفصل الختامي للمجتمع الأوروبي عبر القروض وإعادة الإعمار.

الفوسفات السوري من أجود الأنواع العالمية لاحتوائه على اليورانيوم، وسبق لسورية أن بحثت عن ممول لإنشاء معمل لغسل الفوسفات وفصل اليورانيوم المشع عنه

وأما عن حقوق الشعب بثرواته وحق السوريين بالحرية وعدالة القصاص على قتلهم وتهجيرهم وتجويعهم، فتلك بهذا الزمان الرخو وعلى ما يبدو، صغائر تسقط جميعها أمام المصالح وانتقال نظام الأسد للعمالة وتمرير مصالح إسرائيل بشكل علني.