"فضائيو البشمركة": عنوان للسجال بين سلطات أربيل والمعارضة في الإقليم

للأسبوع الثاني على التوالي يتواصل الجدل في بغداد وأربيل بشأن الاتهامات التي أطلقتها قوى كردية معارضة في إقليم كردستان العراق، وتحدثت فيها عن وجود آلاف الأسماء الوهمية (الفضائيون وفق التسمية المعتمدة في العراق) في صفوف قوات البشمركة، الذين تُحوّل رواتبهم إلى مسؤولين متنفذين. وهو ما يعيد للأذهان ملف الجنود الوهميين في الجيش العراقي عام 2014، التي كشف عنها رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، مشيراً إلى وجود أكثر من 50 ألف جندي يتلقى قادة وحدات وألوية رواتبهم بشكل شهري، والتي تعادل نحو 9 ملايين دولار شهرياً. ويمثل موضوع رواتب موظفي الإقليم، بما فيهم قوات البشمركة، إحدى النقاط الخلافية بين بغداد وأربيل. وتطالب الحكومة العراقية بإجراء كشف وتدقيق على أعداد الموظفين والعاملين في قطاع الأمن والبشمركة، قبل أن تقوم بتخصيص مبالغ مالية لهم في الموازنات السنوية. وتعتبر الحكومة أن أعداد العناصر بلغت 1.3 مليون موظف وعنصر أمن من أصل نحو 5 ملايين شخص يسكن الإقليم، وهي أعداد مبالغ بها.

وفي 20 سبتمبر/ أيلول الماضي، قال رئيس كتلة المستقبل الكردية المعارضة في الإقليم، سركوت شمس الدين، إن أكثر من 12 ألف اسم وهمي مسجل ضمن قوات البشمركة ويتم دفع رواتبهم الشهرية، لكنهم في الحقيقة غير موجودين. واتهم الحزب الديمقراطي الحاكم في الإقليم بالوقوف وراء الظاهرة.

استُخدم آلاف العناصر لقمع التظاهرات في أربيل ودهوك

وحول دقة معلوماته، يشير شمس الدين، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، إلى أنها “مؤكدة”. ويضيف أن “قسماً من الأسماء الـ12 ألفا موجود فعلاً لكنه لا يعمل في صفوف البشمركة، بل لمصلحة الحزب الحاكم في أربيل، وتم استخدامهم في قمع التظاهرات التي جرت في أربيل ودهوك قبل مدة”. ويشدّد على أنه تمّت “إثارة هذا الملف أكثر من مرة في الإقليم، كونه جزءا من فساد المنظومة السياسية بالإقليم”، قائلا: “حاولنا نقل الملف إلى بغداد لكن لا توجد أي حلول، وحكومة الإقليم مكوّنة من الحزبين الرئيسيين، وهما المسؤولان عن الملف، ويمنعان فتح أي تحقيق فيه”.

ويوافق عضو حركة “جيل جديد” المعارضة في الإقليم، آرام محمد، على تصريحات شمس الدين، معتبراً في أحاديث صحافية أن “الأعداد الحقيقية لقوات البشمركة لا تتجاوز 80 ألف عنصر من المنتسبين والضباط على أقصى تقدير، والآخرون فضائيون لا وجود لهم”. وقال إن الأسماء الوهمية المسجلة تتبع لأحزاب السلطة وتستفيد من المرتبات المخصصة لها. من جهته، دعا عضو حركة “التغيير”، غالب محمد، إلى توطين رواتب موظفي الإقليم عبر المصارف وربطها في بغداد لتحديد الوظائف الوهمية.

ولم تقدم قوى المعارضة في الإقليم أي دليل على اتهاماتها بشأن وجود عناصر وهمية داخل صفوف المؤسسة الأكثر أهمية داخل الإقليم والتي تحمل بعداً قومياً وسياسياً لأكراد العراق، وكان لها دور واضح في إفشال اقتحام تنظيم “داعش” الإقليم، كما حصل في مدن مجاورة من الموصل وكركوك وصلاح الدين.

وعلّق مسؤول في أربيل على القضية بالقول لـ”العربي الجديد”، إنها “اتهامات لا تستحق الرد والمعارضة تستغل الفسحة الكبيرة من الحريات في الإقليم لإثارة ملفات خطيرة لا أساس لها، وتهدّد مؤسسة الأمن عموماً في إقليم كردستان”. ووضع القضية في سياق “الحملات الانتخابية المحتدمة حالياً”.

لكن مسؤولاً آخر في المنطقة لمح إلى وجود الظاهرة فعلاً، غير أنه “يجري تضخيمها من ناحية الأعداد”، حسبما قال في حديثٍ مع “العربي الجديد”. وشدّد على أن المقصود في هذه القضية عناصر البشمركة التي تنتمي للحزبين الرئيسين “الاتحاد الوطني” والحزب “الديمقراطي”، مشيراً إلى أن “العناصر تعمل في أنشطة الحزبين أكثر من عملها داخل البشمركة”. وأضاف أن “هناك أشخاصا تقاعدوا وما زالت أربيل تدفع رواتبهم وأرسلتها لبغداد ضمن أعداد قوات البشمركة النهائية، لإدراجها في الموازنات كقوات موجودة فعلياً في الإقليم”.

يوالي “الفضائيون” الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق

في مقابل هذه الاتهامات، دعا القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، النائب ماجد شنكالي، كل من “يطلقون الاتهامات ومن يتحدثون عن ملفات فساد، أن يأتوا بوثائق مثبّتة”. وقال في حديثٍ مع “العربي الجديد”، إن “تلك الاتهامات تفتقد إلى الدليل، وهي تهم مفلسة ولا يمكن إثباتها من دون وثائق وأدلة”، مشدّداً على أنه “لا يجوز لأي شخص كيل التهم ضد مؤسسة البشمركة من دون دليل”.

وتطرق شنكالي إلى وجود النظام البيومتري، المعتمد في كردستان، معتبراً أنه “لا يمكن وفقاً لهذا النظام أن يكون هناك وجود للموظفين الوهميين في أي مؤسسة بما فيها إقليم كردستان. وقد تم تسجيل قوات البشمركة بيومترياً بشكل كامل، وتم إرسال القوائم إلى بغداد، ومن يتحدث عن ذلك لا يمثل الأكراد”. واعتبر أن “إطلاق التهم بهذا التوقيت يراد منه دعاية انتخابية، والكل يعرف أن حكومة الإقليم مؤلفة من الحزبين الرئيسيين، وهذا استهداف لهما”.

وعلّق الباحث بالشأن السياسي الكردي، علي ناجي على الجدل الدائر، معتبراً أن الأسماء الوهمية واقع حال معروف منذ سنوات في الإقليم، ويطلق عليها باللغة الكردية “بنديوار”، الذي يعني “فضائي”. وقال، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، إن الفضائيين في البشمركة موجودون فعلاً لكنهم لا يخدمون وزارة البشمركة، بمعنى أنهم مستخدمون من قبل الحزبين الرئيسين في الإقليم، وهم من اللواء 70 التابع لحزب الاتحاد الكردستاني، واللواء 80 التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني. وأضاف أن “آلاف المرتبطين بالحزبين ينفّذون رغباتهما، لكنهم يتقاضون رواتبهم من خلال وزارة البشمركة التي تصل من بغداد”. وكشف أن “قسماً منهم موجود خارج إقليم كردستان في مدن مثل كركوك ونينوى وديالى وصلاح الدين المتنازع عليها. وهي مناطق يتمثل فيها الأكراد سياسياً ويتم استخدامهم كأصوات انتخابية”، مشيراً إلى أن الحديث عن مشاركة الوهميين في قمع التظاهرات “صحيح ومعروف”.

وتحتدم المنافسة الانتخابية في محافظات الإقليم الذي يتمتع بإدارة شبه مستقلة عن بغداد منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، حين أقرّ الدستور الجديد وضعاً خاصاً لمحافظات أربيل والسليمانية ودهوك، بجعلها إقليماً إدارياً مستقلاً. وتعتبر أحزاب “الديمقراطي الكردستاني” بزعامة مسعود البارزاني، و”الاتحاد الوطني” بزعامة بافل الطالباني، و”حركة التغيير” بزعامة عمر سيد علي، و”الاتحاد الإسلامي” و”الجماعة الإسلامية”، وحركة “جيل جديد”، و”المستقبل” الكردية، من أبرز الأحزاب المتنافسة انتخابياً. ومن المقرر إجراء الانتخابات التشريعية الخامسة في العراق بعد احتلاله من قبل الأميركيين عام 2003، في 10 أكتوبر/تشرين الأول الحالي.