محاولات مصرية لإحياء مشروع مكافحة الهجرة غير النظامية

يشكّل ملف الهجرة غير النظامية أحد أبرز عناوين التعاون الأمني بين مصر من جهة وعدد من الدول الأوروبية من جهة ثانية، بما في ذلك إيطاليا. وفي السياق، قالت مصادر دبلوماسية مصرية في حديثٍ مع “العربي الجديد” إن إيطاليا تحديداً، والتي تشوب علاقتها بمصر مشاكل عدة بسبب قضية مقتل جوليو ريجيني ومطالبة أحزاب ونواب بقطع العلاقات العسكرية معها، لا تجد مفراً من التعاون مع النظام المصري. وبحسب المصادر، فإن الأجهزة المصرية لا تكتفي بقبول إعادة المواطنين المهاجرين بصورة غير نظامية، سواء عبر البحر، أو الجو من خلال التلاعب في بيانات الغرض من السفر والمتسللين عبر الحدود من دول أوروبية أخرى، بل تتبادل مع نظيرتها الإيطالية جميع المعلومات التي تمكنها من التصدي لهذه الظاهرة. وتمكنت مصر من خفض وتيرة عمليات الهجرة من مصر وليبيا بشكل ملحوظ منذ عام 2018.

أعادت مصر أكثر من 3100 مهاجر عربي في السنوات الماضية

وبحسب المصادر فقد تم تدشين تعاون ثلاثي وثيق في هذا الملف بين إيطاليا وتونس ومصر، أسفر عن إعادة أكثر من 3100 مواطن من الجنسيات الليبية، والتونسية، والمصرية، والسودانية، والجزائرية. نصف هؤلاء تقريباً وصلوا إلى السواحل الإيطالية عن طريق البحر، والنصف الآخر من خلال رحلات جوية إلى عواصم شرق أوروبية، ثم الوصول إلى إيطاليا بصورة غير نظامية عن طريق الحدود البرية. كما تمّ تسجيل حالات قليلة عن وصول البعض بطريقة نظامية ثم تجاوزوا مدة البقاء المسموح وفقاً للتأشيرات. وكشفت المصادر عن اتصالات تجري في الوقت الحالي بين القاهرة وروما لتطوير اتفاق التعاون السري، المعقود بينهما عام 2017 للتصدي للهجرة غير النظامية، والذي يتضمن إعادة المواطنين. وتحصل مصر بموجبه على بعض الحوافز الإضافية لدعم قدراتها العسكرية والأمنية، مالياً ولوجستياً.

وتحاول مصر حالياً أيضاً إحياء مشروع سابق كانت قد عرضته على ألمانيا وفرنسا تحديداً، قبل تفشي وباء كورونا، يتضمن تلقيها دعماً لتنظيم دورات لرفع كفاءة الحكومات الأفريقية في التعامل مع مشاكل الشباب، وعلى رأسها البطالة، من خلال تحفيز إنشاء مشروعات صغيرة وإدارتها ودعمها مالياً من قبل الحكومات. ويعتبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أن التجربة المصرية في دعم هذه المشروعات منذ 2014 “رائدة ويجب نقلها للدول الأفريقية، وذلك بدعم من الأطراف الأوروبية، بدعوى أن رفع كفاءة القارة في هذا المجال سيسهم في الحد من أنشطة الهجرة غير الشرعية”.

وبحسب المصادر فإن مصر عرضت هذا الأمر منذ أيام على مفوضية الاتحاد الأوروبي، طالبة مساعدتها في تسويق المشروع بين العواصم المهتمة، ومنها روما وباريس وبرلين، لا سيما أن موجات الهجرة غير النظامية أصبحت تمثل أعباء إضافية على كاهل تلك الحكومات بعد كورونا. فألمانيا مثلاً تقترب من التوسع في تطبيق سياسة جمع الشمل بالنسبة للمهاجرين النظاميين، مع احتمال قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ائتلافا حكوميا خلفاً للمستشارة أنجيلا ميركل، بعد تصدّره الانتخابات الألمانية في 26 سبتمبر/أيلول الماضي.

استضافت مصر مشروعاً لتأهيل الشرطة الأفريقية لمواجهة الهجرة غير النظامية

وقالت المصادر نفسها، إن هذا التعاون يُعدّ من الأسباب الرئيسية التي تمكّن القاهرة حتى الآن من الإفلات من مشاكل حقوقية وإنسانية عدة، بعد الصفقات العسكرية والاستثمارية بالطبع. وعزت السبب إلى عودة ظاهرة الهجرة غير النظامية للتزايد خلال الأشهر الأخيرة، على خلفية تردّي الأوضاع الاقتصادية المعيشية في مصر والعديد من دول العالم العربي وأفريقيا، جراء وباء كورونا.

يذكر أن مصر استضافت مشروعاً لتأهيل الشرطة وقوات الأمن الأفريقية لمواجهة الهجرة غير النظامية، بتمويل مادي وفني وتدريبي مباشر من الحكومة الإيطالية، استمر من ربيع عام 2018 وحتى خريف العام الماضي. وكان المشروع أحد صور التعاون الأمني “غير المعلن” بين القاهرة وروما، رغم توتر العلاقات الأمنية والقضائية وحتى السياسية، على خلفية المماطلة والتسويف وادعاء التعاون من قبل النيابة العامة المصرية مع روما في قضية مقتل ريجيني في القاهرة مطلع عام 2016. وعُقد التدريب في أكاديمية الشرطة بالقاهرة موزّعاً على ست حصص سنوية، دام كل منها أسبوعين، واستفادت منه أكثر من 20 دولة أفريقية، وسوّقت مصر له باعتباره أحد ثمار رئاستها للاتحاد الأفريقي (2019 ـ 2020).