المغرب يترقب تداعيات إلغاء اتفاقيتي الصيد والفلاحة مع أوروبا

لن تظهر الآثار القانونية لقرار المحكمة الأوروبية القاضي بإلغاء اتفاقيتي الصيد البحري والفلاحة مع المغرب إلا بعد شهرين، غير أن مراقبين يؤكدون حرص الاتحاد الأوروبي والمغرب على مواصلة الشراكة.
وكانت الاتفاقيتان قد دخلتا حيز التطبيق في العام 2019، حيث تختص الأولى بالفلاحة وتنصب على تطبيق تعريفات جمركية تفضيلية على المنتجات القادمة من الصحراء، والثانية تهتم بالترخيص للبواخر الأوروبية بالصيد في المياه الأطلسية، بما فيها تلك المحاذية للصحراء.

يبقى القرار الصادر عن المحكمة الأوروبية ابتدائيا، حيث يتوجب على المجلس الأوروبي استئناف القرار الصادر عنها، إذ يتوفر على مدة شهرين من أجل ذلك

ويرى الاقتصادي الخبير في التجارة الدولية والكاتب العام السابق لوزارة التجارة الخارجية محمد بنعياد، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن المسؤولين الأوروبيين هم الذين يتوجب عليهم، بالدرجة الأولى، التحرك من أجل الدفاع عن الاتفاقيتين.
يبقى القرار الصادر عن المحكمة الأوروبية ابتدائيا، حيث يتوجب على المجلس الأوروبي استئناف القرار الصادر عن المحكمة الأوروبية، إذ يتوفر على مدة شهرين من أجل ذلك.
وكان المغرب قد أكد في ما يتصل بالاتفاقيات المبرمة مع الاتحاد الأوروبي وغيره من البلدان والتجمعات الاقتصادية، في مناسبات سابقة، على أنه “لم يوقع ولن يوقع على اتفاق دولي يمس سيادته على أقاليمه الجنوبية”.
وتنص الاتفاقيتان بشكل صريح على شمولهما للصحراء، حيث تمتدان في حالة الصيد البحري من المحيط الأطلسي إلى الرأس الأبيض، بما في ذلك المياه المحاذية للصحراء.

وكان الاتحاد الأوروبي قد أفاد في سياق إبرام اتفاقية الصيد البحري، على أن المفوضية الأوروبية امتثلت لآلية استشارة السكان المحليين بالصحراء والأطراف المعنية، حيث نالت موافقة غالبية المتحاورين على الاتفاقية.
وأكد بنعياد أن القرار الصادر عن المحكمة الأوروبية سيتم نقضه استئنافيا، موضحاً أن الاتفاقيتين يفترض أن يتحرك الأوروبيون من أجل الدفاع عنهما.
ولا يشكل القرار الصادر عن المحكمة موضوع انشغال للمغرب وحده، فقد أعلن وزير الفلاحة والصيد البحري والتغذية الإسباني لويس بالاناس عن أن استمرار اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي ينطوي على أهمية حيوية.

أعلن وزير الفلاحة والصيد البحري والتغذية الإسباني عن أن استمرار اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي ينطوي على أهمية حيوية

وأضاف أن المغرب منطقة صيد مهمة للأسطولين الأوروبي والإسباني، مبرزا أنه من بين 132 باخرة تصطاد بالمياه المغربية، 93 منها بواخر إسبانية.
وهذا ما يؤكده بنعياد، الذي يشدد على أن الإسبان هم المعنيون أكثر من غيرهم باتفاقية الصيد البحري، التي ترتهن لها منطقة الأندلس، ما سيدفع إسبانيا للتحرك للإبقاء على الاتفاقية.
وكانت بواخر الصيد البحري الأوروبية قد عادت للمياه المغربية في عام 2019، بعد مصادقة البرلمان المغربي وبرلمان الاتحاد الأوروبي، حيث شملت الاتفاقية الصحراء.

ويتزامن قرار المحكمة مع بداية موسم تصدير الخضر والفواكه إلى الاتحاد الأوروبي، حيث ينتظر أن يتواصل ذلك من شهر سبتمبر/ أيلول إلى بداية منتصف العام المقبل.
ويتم التصدير بناء على اتفاقيات يبرمها المصدرون مع المستوردين الأوروبيين، حيث يتم الاتفاق فيها على الأسعار أو على حدها الأقصى، حيث تشمل المنتجات الآتية من الصحراء.

ويذهب نائب رئيس الكونفدرالية المغربية للزراعة والتنمية القروية رشيد بنعلي إلى القول إن قرار المحكمة لن يكون له تأثير على الصادرات المغربية، مؤكدا أنه سبق لمحكمة أن أصدرت قرارا مماثلا قبل ستة أعوام، تم نقضه استئنافيا.
ويعتبر مصدر مطلع، فضل عدم ذكر اسمه، أن المقابل المالي لاتفاقية الصيد البحري ليس مهما، حيث لا يتجاوز 52 مليون يورو سنويا، إذ إن فائدته ذات طابع سياسي، على اعتبار أنه يشكل اعترافا بالسيادة المغربية على الصحراء.

يدرك مراقبون أن العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي لا تنحصر في الجوانب التجارية، حيث يستحضر السياسيون أبعاد الأمن ومحاصرة الهجرة ومحاربة الإرهاب

ويشدد على أنه يجب انتظار التطورات المقبلة، بعد التصريح المشترك بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، عقب القرار بالإصرار على مواصلة الشراكة الاقتصادية، مشددا على أن المغرب يثق في مسلسل المفاوضات مع الأوروبيين، وحرصهم على عدم إعادة النظر في العلاقات مع المملكة.
وجاء في التصريح المشترك للممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائب رئيس المفوضية الأوروبية جوزيب بوريل، ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، الأربعاء الماضي، أنه سيتم اتخاذ “الإجراءات اللازمة لضمان الإطار القانوني الذي يضمن استمرار واستقرار العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية”.

ويدرك العديد من المراقبين أن العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي لا تنحصر في الجوانب التجارية، حيث يستحضر السياسيون أبعاد الأمن ومحاصرة الهجرة ومحاربة الإرهاب التي يلعب فيها المغرب دورا مهما بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
غير أن المصدر ذاته يشير إلى أنه يمكن للمغرب، في ظل عدم الوضوح الذي يسم المواقف الأوروبية، التوجه أكثر نحو بناء شراكات مع بلدان أخرى، ضاربا مثلا بريطانيا التي أضحت أكثر اهتماما بتوسيع شراكتها الاقتصادية مع المغرب بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ويؤكد أنه يمكن للمغرب البحث عن سبل أخرى لتحصين مبادلاته واقتصاده، بالاعتماد على قدراته الخاصة.