قصة واقعية .. ولد عاق

وقعت، في إحدى القرى التابعة لمحافظة إدلب في سورية، قصةٌ لو شهدها أديبُنا الراحل، أديب النحوي، لقال إنها عالمية، فقد شوهد العم أبو سليمان خارجاً من باب داره مسرعاً، متلفتاً إلى الخلف، كما لو أنه هارب من خطر داهم… يده اليمنى امتدت غريزياً إلى الخيط الرفيع الذي يربط الكمّامة (الماسْك) بأذنيه، اقتلعها، ورماها على الأرض، وتابع الركض باتجاه ساحة جامع القرية، حيث يتسكع عددٌ لا يستهان به من رجال القرية. كان وجهه مصفرّاً، وأنفاسه تتلاحق، وبمجرّد ما رأى كرسياً خالياً، ألقى بجسده عليه، ووضع رأسه بين يديه.

وقف الرجال الحاضرون، كلهم، عندما رأوا أبا سليمان بهذه الحالة، وركض أحدُهم إلى أحد الدكاكين، أحضر إبريقاً من الماء، سكب قليلاً منه على راحة كفّه، وراح يمسح وجهه، وفكّ أزرار ياقة قميصه (الملتان)، وشرع يمرّر أصابعه على صدره. استغرقت عملية التقاط الأنفاس والتهدئة حوالي خمس دقائق، وبعدها وقف أبو سليمان وقال: اشهدوا عليّ، يا أهل القرية. أنا بريء من ابني الأصغر جلال، براءة تحريمية. أنا، الآن، أعاني من الزكام، وفقدان الشم، وبمجرّد ما يشفيني الله تعالى، سآخذ معي ابن قريتنا المحترم، الشيخ عبد الله البوري، ونذهب إلى المحكمة الشرعية بإدلب، لأسجّل كل أملاكي بأسماء ولديَّ سليمان وكنعان وأخواتهما البنات، ولن أكتب للواطي جلال كمشة تراب واحدة. ولعلمكم أنا غضبان عليه إلى يوم الدين.

حصل، على إثر هذا التصريح لغطٌ، وأخذٌ وردّ، وفهم رجال القرية الموجودون في ساحة الجامع أن السبب الرئيسي لثورة العم أبي سليمان هو الفيروس اللعين الذي عُرف باسم كوفيد 19، أو كورونا. قال أبو سليمان: ابني هذا، جلال، لا هو طبيب ولا صيدلي، ولا حتى ممرّض “ضَرَّاب إبر”… ومع ذلك، بمجرّد ما رآني أعطس وأسعل، ترك أشغاله كلها وتفرّغ لي. وضع على وجهي كمّامة تشبه (البلامة) التي كنا نضعها على بوز الثور الصغير “الفَلُو”، لئلا يرضع من أثداء والدته البقرة، وأدخلني إلى الغرفة الداخلية، وأغلق علي الباب، وقال لي: أنت ممنوع تخرج من هنا. ليش بقى خيو؟ قال لي: أنت مكورِن. ماذا يعني مكورِن، يا شباب؟ صار عمري 75 سنة، وما سمعت بالكورنة… أعرف أن الزلمة يصاب بالتيفوئيد، بالملاريا، بالإنفلونزا، بالجدري، بالوبا الأصفر، بالحودير، لكن يكورٍن؟ والله هذه سمعة جديدة. قال لي جلال: يجب أن تقعد في الحَجْر 14 يوماً. تأكل وتشرب وتنام في هذه الغرفة، والزيارات ممنوعة. أنا طقّ عقلي. لمّا كان المجرم حافظ الأسد يحكمنا، كان السجين الخطير يوضع في المنفردة. ولكن إذا كان حافظ الأسد مجرما هل ابني جلال مجرم؟

صرختُ بالمقلوب، جاءت بناتي، خديجة، وفاطمة، وزهراء، وآمنة. قلت لهن: أين سليمان وكنعان؟ أريد أن يأتيا إلي في الحال. البنات أرسلن في شقيقيهن، لكن المنحوس جلال دخل، وطرد شقيقاته، ولم يسمح لشقيقيه بزيارتي. قال إن من يأتي لزيارتي سيُصاب بالعدوى، ويكورِن. ثم يخرج ويحتك بأهل القرية، فيكورٍنون. من يومين، يا شباب، سمعت أن الحاج مسعود مات، الله يرحمه، وأولاده أقاموا له سرادق عزاء. الحاج مسعود ليس صديقي فقط، بل إنه أخي ورفيق عمري. لبست ثيابي لكي أخرج وأذهب إلى سرادقه، وإذ بجلال يتعومد أمامي والكمّامة على فمه ومنخاره ويقول لي: ممنوع. رفعت البريم (العقال) عن رأسي ورحت أضربه، وهو يقول لي: أمرك، تمون، اضرب على كيفك. لكن ممنوع تخرُج، وهكذا حتى طفح الكيل بي الآن وهربت.

مصمص رجال القرية الشفاه، وقال العم أبو عبدو: “جيل عاق والعياذ بالله. صحيح أن المرحوم الحاج مسعود مات بالكورونا، ولكن أين المشكلة؟ الرجل خلص عمره”. وتعبيراً عن التعاطف مع محنة صديقه أبي سليمان، راح يقبل رأسه وشاربيه، ومثله فعل الآخرون.