الدنمارك: عنف نفسي "مجحف" ضد الرجال

يعرف المجتمع الدنماركي بإنجازات حركته النسوية التي نظمت احتجاجات في سبعينيات القرن العشرين، واشتهرت باسم “حركة الجوارب الحمراء”، وساهمت في تكريس المساواة التامة بين الرجل والمرأة، وحماية المرأة من عنف الرجل ومكافحته، من خلال تأسيس قوانين جعلت النظر إلى أقل شكوى تقدمها المرأة باعتبارها تشير إلى أنها ضحية محتملة للرجل. 
وفي السنوات الأخيرة، انتشرت ظاهرة أخرى في الدنمارك، وصولاً إلى معظم دول الشمال، وترتبط بالعنف في الاتجاه المعاكس، أي عنف النساء ضد الرجال، خصوصاً ما يوصف بـ “العنف النفسي” الذي لا يعترف الرجل بأنه يتعرض له، لكنه يدرك أنه يعيش ضحيته. 
ومثل غيرهم في العالم، يعيش الرجال في الدنمارك على النظرة التقليدية لهم باعتبارهم “أقوياء قادرين على تحمل مسؤولية حماية أسرهم وتأمين إعالتها”، كما تقول منظمة “عش بلا عنف” المحلية المتخصصة في مساعدة ضحايا العنف في العلاقات الزوجية. لكن هؤلاء الرجال يجدون أنفسهم غالباً يعيشون حياة عنيفة غير قادرين على مواجهتها مع شركاء أو أزواج، في وقت يتمسكون بفكرة أن كون الرجال أقوياء فهم لا يشتكون من أي عنف.
واللافت أن خبراء يرون أن تعرض الرجال للركل واللكم والرمي بأشياء في سياق ممارسات العنف الجسدي من زوجات “أقل ضرراً” من العنف النفسي الذي يؤثر مباشرة على ثقتهم بأنفسهم. ويعتبرون أن امرأة تنعت زوجها مرات بأنه “أب سيئ”، وإسماعه تعليقات تحط من كرامته أمام الأطفال والآخرين، مثل انتقاد تصرفاته ومظهره وحتى العلاقة الجنسية بينه وبينه زوجته، ذات تأثير سلبي أكبر على شخصيته من العنف الجسدي. 

ويرصد تقريران عن العنف في الأسر الدنماركية واقع أن الرجل لا يتعامل بجدية مع العنف النفسي ضده، ويحيطه بمشاعر عار تمنع تعبيره عما يدور خلف جدران البيت. 
تبدي مديرة “عش بلا عنف” سينا غريغسن قلقها من التأثيرات النفسية للعنف ضد الرجال. وتصرح بأن “رصد حالات العنف النفسي في حق الأزواج أمر ذو أهمية لإنشاء قاعدة بيانات معرفية مهمة لمواجهة ما يحصل”. 
وتكشف نحو 69 دراسة أن ظاهرة عنف الزوجات، خصوصاً في جانبها النفسي، منتشرة في دول شمال أوروبا. وتشير إلى أن “رجالاً اضطروا إلى اللجوء إلى مراكز تستقبل أشخاصاً تعرضوا لتعنيف، بعدما عاشوا مدة طويلة تحت التعنيف. وقد منحتهم المراكز مساكن، وأخضعتهم لعلاجات نفسية”. 
وتشير أرقام “المعهد الوطني للصحة العامة” في الدنمارك إلى أن حوالي 38 ألف إمرأة و19 ألف رجل يتعرضون سنوياً لعنف نفسي. لكن نسبة كبيرة من الرجال يجدون صعوبة في التصريح بأنهم ضحايا لعنف أسري. 

ويقول المركز الوطني للبحوث والرعاية الاجتماعية في كوبنهاغن إن “الأرقام المعلنة لا تعكس الحقيقة، ما يعني أنها قد تكون مضاعفة، باعتبار أن الرجال يواجهون صعوبات في التعبير عما يجري لهم بالكلام، ما يصعّب طلبهم مساعدة”.
ويورد المركز أن “معظم حالات العنف تشمل رجالاً تتراوح أعمارهم بين 30 و39 عاماً، وتمتد فترة أقصر إذا كانت الأسرة بلا أطفال بسبب سهولة إنهاء العلاقة، بينما تتواصل سنوات في حال وجود أولاد، ومحاولة الرجل الاعتياد على العلاقة من أجل الأطفال. ويشير باحثون إلى أن “أعراض ما بعد الصدمة” و”الشعور بالعار” قاسمان مشتركان بين الرجال ضحايا العنف النفسي. 

من الأقوى في العنف النفسي؟
وأوردت شهادات أدلى بها رجال أنهم استمروا سنوات في علاقاتهم بسبب “الخوف من ألا يصدق الأصدقاء والعائلة والسلطات الاجتماعية أنهم ضحايا للعنف، الذي قد يستمر حتى بعد الانفصال من خلال تهديد الزوجات الدائم بمراجعة حضانة الأطفال، من أجل حرمان الآباء من مقابلة أطفالهم”. 

ويلعب القانون الذي يوصف بأنه “ظالم بسبب مؤازرته النساء” دوراً كبيراً في الشكاوى التي يقدمها الذكور في دول الشمال. ففي الدنمارك والسويد والنرويج تشكلت ،خلال السنوات الماضية، جمعيات “الآباء” لتسليط الضوء على ما يتعرض له الرجال من “إجحاف” في قضايا حضانة الأطفال التي تمنح للأم غالباً، ما يجعلها تمارس مزيداً من الضغوط على الرجال المنفصلين أو المطلقين. 
وعن أسباب العنف النسائي ضد الرجال في الدول الاسكندينافية، يرى عالم النفس الأستاذ الجامعي الدنماركي يورغن دوكيبال، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن “العنف في العلاقة الزوجية أعمق بكثير من الظاهر في الصراع بين الطرفين”. يضيف: “ترتبط المسألة باختلاف طرق الجنسين في مواجهة صعوبات العلاقة، فالنساء أكثر استخداماً للعنف النفسي للسيطرة على العائلة. ورغم أن الرجال قد يمزجون أيضاً التلاعب والتخويف بالعنف الجسدي، تملك النساء آليات عنف نفسي كافية مثل التمنع الجنسي، وإشعار الرجل بأنه فاشل وغير فعال وأب غير صالح”.

وفيما يقدر خبراء حالات العنف ضد الرجال بأكثر من 40 ألفاً سنوياً، ترى عالمة النفس سارة بويالوند دوكادال أنه “بينما ركزت الحركة النسوية في السبعينيات على العنف ضد النساء، لم يأخذ العنف الممارس ضد الرجال حقه، في وقت لا يزال ينظر إلى العنف ضد المرأة بأنه أكثر خطورة مما يعانيه الرجل”. 
وتذكر أستاذة علم النفس الدنماركية سولفاي كارين بافتنار أن “العنف الذي تتعرض له النساء محلياً أو أوروبيا، يظل أكبر بأربعة أضعاف منه لدى الرجال، ويؤدي إلى مقتل 7 نساء في مقابل رجل واحد”.

تجدر الإشارة إلى أنه في الأول من إبريل/ نيسان 2019، عدّل البرلمان الدنماركي قانون العقوبات الجنائي رقم 243 لمواجهة “العنف النفسي”، واعتبر أنه “يشمل كل محاولة للسيطرة والتهديد والمعاملة المهينة بهدف إخضاع شخص آخر، ووضع قواعد تصرف له وعزله عن المحيط الاجتماعي والأصدقاء والعائلة”. وحدد التعديل عقوبة العنف النفسي بـ3 سنوات سجناً حداً أقصى.