وجبات تختفي عن موائد اليمنيين… وغضب من الانهيار المعيشي

قفزت أسعار السلع والمواد الغذائية والاستهلاكية إلى مستويات قياسية في الأسواق اليمنية بالتزامن مع اضطراب سعر صرف الريال مقابل العملات الأجنبية والتدهور المتواصل للعملة الوطنية، وعدم القدرة على احتواء هذا الانهيار في ظل أزمة سياسية خانقة بين مكونات الحكومة المعترف بها دولياً، ومعارك طاحنة تتركز في المناطق الشرقية الغنية بالموارد والثروات والنفطية.

ويتوقع مصرفيون استمرار العملة اليمنية في الانهيار، ووصول سعر صرف الدولار إلى عتبة ألفي ريال، بعدما قفز إلى 1200 ريال أخيراً في مناطق سيطرة الحكومة، في حين يستقر عند نحو 650 ريالاً في مناطق نفوذ الحوثيين، ما تسبب في انفلات الغلاء واندلاع احتجاجات واسعة في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

وسجلت أسعار مختلف المواد الغذائية زيادات حادة، إذ وصل سعر كيس الدقيق (50 كيلوغراماً) إلى 30 ألف ريال مقابل 19 ألفاً، بزيادة بلغت نسبتها 58%، ولامس سعر كيس الأرز (50 كيلوغراماً) حاجز 50 ألف ريال من 40 ألفاً، بارتفاع نسبته 25%.

المواطن منصور العقبي من سكان منطقة كريتر وسط عدن يقول، لـ”العربي الجديد”، إنّ الأسعار المنفلتة تسببت في اختفاء الوجبة الرئيسية عن موائد الأسر في مدينة عدن، حيث أصبحت أغلب الأسر غير قادرة على شراء الأسماك مع ارتفاع متوسط أسعارها إلى 4 آلاف ريال للكيلوغرام، بينما لم تكن أسعارها تتجاوز 1500 ريال.

ويتحدث مواطن آخر من سكان منطقة البريقة، لـ”العربي الجديد”، عن وصول الوضع إلى مستويات لم يعد أحد قادراً على تحملها، إذ يقول إن وجبة خفيفة لفرد واحد، مكونة من فاصوليا وكوب شاي وخمسة أقراص مسطحة من الروتي (الخبز)، تكلف ما يقارب 3500 ريال، فيما لم تكن تتجاوز 1000 ريال.

وقررت جمعية المخابز والأفران في عدن إضافة 10 ريالات إلى سعر قرص الروتي ليصل إلى 40 ريالاً، وذلك تفادياً للخسائر الكبيرة التي يتعرض لها ملاك الأفران بسبب تدهور العملة المحلية وارتفاع أسعار الدقيق ومختلف المواد الغذائية.

وذكر بيان صادر عن الجمعية، اطلعت عليه “العربي الجديد”، أنّ القرار جاء نتيجة للمستجدات التي طرأت على المتغيرات السعرية، وارتفاعها الجنوني المتسارع، لجميع المواد الداخلة في صناعة الخبز.

ويقول سالم العامري، مالك أحد المخابز في عدن، لـ”العربي الجديد”، إن كلفة إنتاج الخبز قفزت 500% في ظل ارتفاع أسعار المواد الداخلة في الصناعة، وكذلك أسعار المشتقات النفطية. وترى جمعية المخابز والأفران في عدن أن المخابز الآلية هي الأكثر تضرراً، لأنها تعمل بمادة الديزل ونفقاتها كثيرة من حيث العمالة والإيجارات التي تدفع بالدولار والريال السعودي.

وفي تعز، جنوب العاصمة صنعاء، يشكو مواطنون غاضبون من تدهور الأوضاع المعيشية بصورة كارثية نتيجة تدهور العملة المحلية وما يرافق ذلك من أزمات اقتصادية واجتماعية ومعيشية وانفلات أسعار المواد والسلع الغذائية.

ويفيد المواطن أكرم الشرجبي، في حديث لـ”العربي الجديد”، بأن الجوع هو ما أخرج الناس إلى التظاهر والاحتجاج أخيراً من أجل لفت الأنظار إلى معاناتهم المتفاقمة، إذ إن الأسر التي يزيد عدد أفرادها عن خمسة لم تعد قادرة على توفير احتياجاتها من الغذاء والدواء، واتجه كثير منها إلى اتباع خيارات معيشية قاسية للبقاء على قيد الحياة.

وقبل أيام، ناقش محافظ تعز نبيل شمسان، في اجتماع عقده في عدن مع مسؤولين في وزارة الصناعة والتجارة، الخيارات المتاحة لضبط أسعار السلع الغذائية.

وشدد الاجتماع على ضرورة مضاعفة الحملات الرقابية وضبط المحال والمراكز التجارية التي تعمل على استغلال الأوضاع وتعمل على رفع أسعار المواد الغذائية، وضرورة إشهارها الأسعار على أبواب المحال أمام المستهلكين لحمايتهم من التلاعب ومساعدتهم على شراء احتياجاتهم.

لكن التجار يقولون إن انهيار الريال تسبب في موجات الغلاء المتلاحقة، خاصة في ظل استيراد البلد معظم احتياجاته من الخارج. وينفذ تكتل تجار تعز عصياناً مدنياً نتيجة للأوضاع الراهنة واضطراب سعر صرف الريال، إذ إن هناك صعوبة بالغة في العمل بسبب ما تشهده العملة المحلية من تدهور متواصل، وما يرافق ذلك من ارتفاع تكاليف معظم الخدمات الأساسية.

في المقابل، يقاسي اليمنيون في مختلف المحافظات أوضاعاً معيشية صعبة، هي الأقسى منذ بداية الحرب الدائرة في البلاد قبل ما يزيد على ست سنوات، مع وصول جهود إحلال السلام إلى طريق مسدود واستمرار المعارك الطاحنة في مختلف الاتجاهات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

وتشير تقديرات صادرة عن قطاع الدراسات والتوقعات الاقتصادية (حكومي) إلى أن 20.7 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية عام 2021، منهم 12.1 مليوناً بحاجة ماسة إلى المساعدة العاجلة. فيما يواجه أكثر من نصف السكان مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، ويعيش حوالي 20.5 مليون يمني بدون مياه آمنه وصرف صحي.

وتشير تقارير متخصصة إلى أن هناك انحساراً ملحوظاً وتراجعاً كبيرا في التمويل الخارجي والمساعدات الإغاثية، في الوقت الذي تزداد حدة الأزمات الاقتصادية والإنسانية في اليمن. وتتزايد أهمية المساعدات الخارجية والدعم الدولي والاقليمي بمختلف أشكاله الإنسانية والتنموية والخدمية لتخفيف وطأة الأزمة الإنسانية التي طاولت 80% من السكان.

ويقول الباحث الاقتصادي منير القواس، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن الغلاء ينهش معظم اليمنيين ويتسبب في مفاقمة الأزمة الإنسانية وتوسع رقعة الجوع وظهور بؤر عديدة للمجاعة، مع انهيار قدرات الفئات الضعيفة والفقراء على مواجهة الأعباء المعيشية وتكاليفها المرتفعة، في ظل تخلي جميع الأطراف عن مسؤوليتها في التخفيف من حدة هذه الأزمات الناتجة عن الصراع الراهن، والتي أثقلت كاهل معظم السكان في اليمن.

وطرقت الحكومة أبواب المجتمع الدولي من أجل الحصول على دعم مالي عاجل، لتفادي مزيد من الانهيار الاقتصادي في البلاد.

وقال وزير الخارجية أحمد عوض بن مبارك، في كلمة بلاده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، إن الإجراءات التي اتخذتها حكومته للتخفيف من الآثار الاقتصادية المدمرة للحرب ليست كافية، داعيا المانحين إلى دعم الاقتصاد.

وكانت الحكومة قد بدأت، في أغسطس/آب، في اتخاذ إجراءات لوقف انهيار الريال، تمثلت في قيام البنك المركزي بإغلاق العشرات من محال الصرافة غير المرخصة في مدينة عدن والمحافظات المجاورة، لكن هذه الإجراءات لم تتمكن من معالجة الأزمة.