المخرجة العراقية إيمان فارس: الخوف أقوى رقيب على المرأة العاملة

إيمان فارس مخرجة وممثلة عراقية. نالت بكالوريوس التربية الفنية في العراق، والماجستير من جامعة الإسكندرية في مصر. فنانة تشكيلية، بدأت التمثيل في “نيكاتف”، ثم أخرجت عدداً من الأفلام القصيرة، منها: “هذه قصّتي” (إخراج وتمثيل)، و”باليت” (إخراج وتمثيل)، و”قداس”، و”كاتلوج”، وغيرها.

التقتها “العربي الجديد” في حوار عن محطاتٍ فنية لها، وعن مشاريعها المستقبلية، ورؤيتها لوضع المرأة العراقية في مجال الإخراج السينمائي.

الأفلام القصيرة، التي حقّقتها كمخرجة، جريئة، إذْ تناولت مواضيع إنسانية بعيداً عن النمطية.

الهمّ الإنساني يشغلني، لذلك جاءت أفلامي قراءة للواقع الذي نعيش، من خلال رؤية تجريبية تختلف عن الأفلام التي يقدّمها أقراني. رؤية، حاولت أنْ أكون مختلفة فيها. في “كاتلوج”، قصّة حبّ تُجهضها الطائفية، وفي “قداس”، قصّة حبّ أيضاً تنتهي بما يجتاحنا من أمراض وأوبئة، تقضي على أحلام البشر التي لا تنتهي أبداً، فيبقى الحلم مستمراً. بينهما، هناك “باليت”، حكاية عن حبّ الوطن. فكلّما نجنح إلى الحياة، تقع حرب أخرى. لكنّ الإصرار على الوجود ينتصر.

أكملتِ دراسة السينما في مصر. هل ساهم ذلك في تطوير أدواتك؟

لي شغفٌ بالسينما، لكنّ دراستي كانت في الفنّ التشكيلي. لذلك، أرى أنّ دراستي طوّرت رؤيتي السينمائية، واستخدامي اللون وأهميته، وتوزيع الإضاءة، وبناء الفضاء الصُوري. رسالة الماجستير كانت عن العلاقة المتبادلة بين التشكيل والسينما، وكيفية استفادة كلّ فنّ من الآخر، وكيف وظّف الفنان التشكيلي لوحته سينمائياً، والسينمائي لقطته تشكيلياً، وكيف أنّ هناك تعاوناً بين مخرجين وتشكيليين في تنفيذ الأفلام، متّخذةً من المخرج شادي عبد السلام نموذجاً تطبيقياً لموضوع الرسالة.

هل تعتقدين أنّ جيلكم حصل على فرصة للعمل أكثر من الأجيال التي سبقتكم؟

نوعاً ما. نحن الآن نعمل بحرية أكبر. مساحة الحرية هذه لم تكن عند الجيل السابق، فكلّ الأعمال كانت في فلك الدولة، وتدور حولها. صحيحٌ أنّ هذه الحرية ليست واسعة، لكنّها على الأقلّ جيدة للعمل.

بعيداً عن قضية التمويل والإنتاج، ما الذي تعتبرينه عائقاً أمام خروج السينما العراقية من عنق الزجاجة؟

السينمائيون الشباب يحتاجون إلى ورش عمل عديدة لتعلّم صناعة الأفلام، إذْ لا فرق بين فيلم سينمائي وسهرة تلفزيونية، غالباً، وبين فيلم وثائقي وتقرير تلفزيوني. نحن بحاجة إلى منتج مؤمن بالسينما وأهميتها، يأخذ على عاتقه إيصال الأصوات الشبابية السينمائية إلى مساحات عربية وعالمية أوسع. وبحاجة إلى أنْ يفتح التلفزيون آفاقاً أكبر لصنّاع السينما، بدعمهم مادياً ومعنوياً. هذه المهمة تقع على عاتق الإعلام أيضاً.

ما مشروعك المقبل؟

الآن، في الحجر المنزلي، أفكّر كثيراً، وأقرأ كثيراً. انتهيتُ من تأليف كتابين سينمائيين، سيصدران قريباً: الأول عنوانه “توظيف فضاء اللوحة التشكيلية في الفيلم السينمائي” الذي يكشف الدور التقني والتجريدي في إنشاء فضاءات العمل الفني، وتوظيفه في وسيط آخر. كما يكشف أثر الأسلوب الفني في تحديد أبعاد الفضاء في اللوحة التشكيلية، وتوظيفها سينمائياً، ثم الكشف عن أثر العامل النفسي للفنان في تحديد نوع الفضاء المستخدم على سطح اللوحة. والثاني عنوانه “شغف السينما” الذي قمت بإعداده وتحريره.

أفكّر بفيلمي التالي، عن الحبّ والحرب والموت. فدورة الحياة تُعاد، والحروب تتناسل وتولد من بعضها، من خلال قصّة عجوز قُتل زوجها في حربٍ سابقة، تُروى على لسان حفيدتها التي تنتظر حبيبها، الذي ربما لن يعود من الحرب الجديدة. أحاول تقديمه بصورة سينمائية شعرية، كعادتي، بعيداً عن الدم وأصوات القذائف والرصاص والموسيقى. صورة كهذه تُعبّر عن لذّة الحياة، تعويضاً عن صوت الشظايا وصراخ الأطفال. الفيلم بحاجة إلى ميزانية جيدة، وممثلين كثر، وديكور مختلف.

هل حقّقت ما تطمحين إليه؟ هل أنتِ راضية عمّا قدّمتِه؟ ما الصعوبات التي واجهتها؟ 

لا أزال أطمح إلى تحقيق الكثير، لكنّي راضية عن نفسي وعمّا قدّمته، رغم أنّي واجهت ظروفاً صعبة وحياة أصعب. مع هذا، بقيت على تواصل، وتواجدتُ في الساحة الفنية، رغم الخوف الذي يحيط بي وبعائلتي. أنتَ تعرف نظرة المجتمع التي تحاصر الفتاة، خصوصاً في مناطقنا في جنوب العراق. أنا الفتاة الوحيدة في مدينة الديوانية التي اقتحمت السينما، وحقّقت إنجازاً مُشرّفاً فيها. هذه المعوقات والأحلام تناولتها في فيلمي الوثائقي “قصّتي” الذي لم يُعرض بعد. فيه، قدّمت رؤية لحياتي، وما واجهته من مصاعب، وما حلمت به، وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه وحقّقته. هذه ليست سيرة لي، بل رسالة أردتُ توجيهها إلى كلّ فتاة: عليها الإيمان بما تريد وتحلم، والإصرار على تحقيق ما تحلم به. 

النساء اللواتي يعملن في السينما قليلات، مع أنّ أكاديميات الفنون في العراق تخرج العديد منهنّ كلّ عام.

لا شكّ في أنّ ذلك عائدٌ إلى الوضع الاجتماعي، والخوف المسيطر على المرأة والفتاة العاملة، وهذا أقوى رقيب عليها. هناك أيضاً العادات والتقاليد التي تحكم المرأة في المجتمع، فالأمور فيه أصبحت أكثر انغلاقاً من قبل، أي من نحو 3 عقود مثلاً. من ناحيه أخرى، فتيات كثيرات صرن يرغبن في الحصول على شهادة فقط، بغضّ النظر عن استثمارها لاحقاً.