فلسطين بين الهبّة والانتفاضة

صادفت هذا الأسبوع ذكرى مناسبتين، أو حدثين مفصليين شهدتهما فلسطين التاريخية قبل 21 عاماً، الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي استمرت أربع سنوات، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهبّة القدس والأقصى في الداخل الفلسطيني (في الجليل والمثلث والنقب ومدن فلسطين الساحلية). في كلتا المناسبتين، أو الحدثين اللذين كانت شرارة اشتعالهما اقتحام أرئيل شارون للمسجد الأقصى بموافقة وضوء أخضر من إيهود براك، الذي فشل في فرض إملاءاته على الرئيس ياسر عرفات، في مفاوضات كامب ديفيد، تجلت وحدة الجغرافيا الفلسطينية، وإن اختلفت أساليب مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

لكن ما شهدناه قبل 21 عاماً، وما كان يبدو من تصميم فلسطيني ووحدة حال بين الشعب وقيادته، سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة، تحت قيادة عرفات، وفي الداخل الفلسطيني، لم يعد قائماً، ولا وجود له، لا في الداخل ولا في الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي الداخل، تراجع بعد عقدين الفعل السياسي الفلسطيني عن بُعده القومي والوطني لصالح انغماس مقيت في تفاصيل السياسة الإسرائيلية الداخلية والكنيست وسبل “اختراق” المجتمع الإسرائيلي، والتأثير في قرارات حكومته، كأحد تجليات عملية أسرلة للطبقة السياسية الحزبية المشاركة في الانتخابات، مقابل إقصاء وإبعاد وحظر الحركة الإسلامية الشمالية وملاحقتها (واعتقال رئيسها الشيخ رائد صلاح) سوية مع أبناء البلد، وضرب حزب التجمع الوطني الديمقراطي.

أما في الضفة الغربية وقطاع غزة، فقد كان للانقسام الفلسطيني بين “حماس” و”فتح” من جهة، واعتماد السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس، استراتيجية التنسيق الأمني مع الاحتلال، الأثر الأكبر في تكريس الانقسام، وضرب فرص الوحدة الفلسطينية الحقيقية. وهو ما أتاح، ولا يزال يتيح، للاحتلال الإسرائيلي، التوغل في عمليات الاستيطان، وفي شن الاعتداءات والحروب على غزة، مع استمرار فرض الحصار القاتل عليها، وتقويض أي فرصة لخيار حل الدولتين، من دون أن يملك الشعب الفلسطيني أي ورقة ضغط حقيقية على دولة الاحتلال، خصوصاً في ظل تراجع الدعم العربي، وإقبال دول عربية على التطبيع مع الاحتلال، مكتفية بمعسول الكلام عن فلسطين وقضيتها وشعبها.
لكن أبرز ما يمكن ملاحظته في الذكرى الحادية والعشرين للانتفاضة الثانية في الضفة والقطاع وهبّة القدس والأقصى في الداخل، هي حالة التململ الشعبية الرافضة لممارسات الاحتلال، كما لواقع الانقسام، بما قد ينذر بانتفاضة داخلية ضد الطبقات السياسية الفلسطينية الحاكمة في مختلف أماكن تواجدها.