إيلو تشافزيزي.. مئة عام على أوّل ترجمة ألبانية للقرآن

في الوقت الذي تتوافر في مكتبات ألبانيا وكوسوفو ومقدونيا الشمالية أكثر من عشر ترجمات للقرآن الكريم (بغض النظر عن مسمياتها)، تمرّ هذا العام الذكرى المئوية لأول ترجمة ألبانية في 1921، التي فجّرت نقاشاً عنيفاً آنذاك، لتجرّؤ مثقف ألباني مسيحي على ترجمة ما كان محرّماً على المسلمين، حسب اعتقاد الفقهاء في ذلك الوقت. 

ومع أن المترجم كان مثقفاً معروفاً في ذلك الوقت، إلّا أن مسيحيّته جعلت الأمر يطغى على دافعه النبيل لتعريف المسيحيين الألبانيين بالكتاب المقدّس لإخوتهم المسلمين، الذين لم يتجرّأوا حتى على التفكير بترجمته إلى الألبانية، وهو ما جعل المفتي العام لألبانيا يصدر فتوى في 1924 يطالب فيها المسلمين بعدم قراءة الترجمة، في الوقت الذي كانت غالبية المسلمين الألبانيين لا تُجيد قراءة القرآن أو فهمه بالعربية التي أُنزل فيها. ولكنّ هذه الترجمة نجحت في فتح الطريق للتنافس لاحقاً على ترجمة القرآن إلى الألبانية.
        
من ثقافة جهوية إلى ثقافة قومية
يُشار في الأدبيات الألبانية إلى مصطلح “النهضة القومية الألبانية” التي يُقصد منها الحركة التي جمعت النخبة الألبانية من مسلمين ومسيحيين للدعوة إلى كيانية قومية ألبانية مستقلّة عن الدولة العثمانية. وقد تأخّرت الحركة القومية الألبانية حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر (1878) لأنها كانت تحتاج إلى توافق مسلم – مسيحي على مفهوم دولة قومية تقوم على ما هو مشترك (اللغة والثقافة) وليس ما هو مختلَف عليه (الدين).

أوّل مَن ترجم القرآن إلى الألبانية مثقّفٌ مسيحي

ولذلك عملت النخبة القومية الألبانية من مسلمين ومسيحيين على السعي للتوصّل إلى أبجدية واحدة للغة الألبانية ونشْر الكتب الألبانية في هذه الأبجدية لتعظيم العامل المشترك بين الألبان، وصولاً إلى إعلان الاستقلال عن الدولة العثمانية في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر1912. ولكنّ استقرار الدولة الألبانية الوليدة تأخّر حتى 1920 عندما قُبلت بحدودها الحالية في عصبة الأمم وأقرّت الأبجدية اللاتينية للغة الألبانية بشكل رسمي.

دافع قومي لترجمة القرآن
بعد سنة واحدة فقط من استقرار الدولة الألبانية الجديدة، صدرت في 1921 أوّل ترجمة للقرآن بتوقيع أحد رموز النهضة القومية الألبانية: إيلو تشافزيزي (1889 ــ 1964)، الذي برز في مجال الأدب (الشعر والقصة والمسرحية) والصحافة بنفَسَه القومي الذي دفعه أخيراً إلى ترجمة القرآن إلى اللغة الألبانية.

كان القرآن حتى ذلك الحين لا يقرأه ويفهمه في العربية سوى الفقهاء الألبان، بينما كان يكتفي الآخرون بحفظ قصار السور عن ظهر قلب لأجل الصلاة من دون أن يعرفوا معناها. ومن هنا فكّر تشافزيزي ــ الذي قرأ القرآن بالإنكليزية (ترجمة المستشرق جورج سيل) واستوعبه ــ أن من حقّ مواطنيه أيضاً أن يقرأوا القرآن في لغتهم الألبانية وأن يستوعبوه. كان من حق تشافزيزي أن يتساءل أيضاً عن أهمية الترجمة بالنسبة لمواطنيه المسيحيين الذين من حقهم أن يتعرّفوا على الكتاب المقدّس لأخوتهم المسلمين.

كان هذا الدافع واضحا في مقدّمة الجزء الأول من القرآن الذي ضمّ السُّوَر الطوال (الفاتحة والبقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام) وصدر في 1921، حيث ورد أنه أراد أن يبيّن “الغشاء الرقيق الغامض الذي يفصل ما بين المسلمين الألبانيين من إخوتهم المسيحيين”، مع أنه كان يسمع من المسلمين أن “ترجمة القرآن ذنب عظيم”. وفي هذا السياق يخاطب مواطنيه قائلاً: “أيها المسلمون والمسيحيون، لنجعل من الكتب الدينية قضية قومية بحتة. لا يوجد داعٍ لإضعاف المشاعر الدينية… ولكنْ لا بدّ من مكافحة التعصّب الديني حتى يختفي تماماً من قلوب الألبان الذي يحبّون لألبانيا الحرّة أن تكون في مراتب الحضارة، وبغير ذلك سنخسرُ الكثير”.

ومن ناحية أخرى، وضمن إيمانه بـ”الرسالة القومية” التي يحملها، نجد أنه في نهاية المقدّمة يسجّل بتواضع أن ترجمته ليست للأسف من الأصل (اللغة العربية)، ولذلك لا يمكن أن تكون مثالية، ولكنّه يأمل أن تكون “بداية لترجمة مثالية” أو أن تكون مساعِدةً لذلك “العالِم المسلم الذي سيكون له الشرف بترجمة القرآن من اللغة العربية”.

بين الترحيب والتحريم
كانت ترجمة تشافزيزي بسيطة ومباشرة، أي دون تفسير ودون تدخّل من المترجم في توضيح ما يخصّ المسلمين. وكما جاء في أوّل عرض لها في مجلة علمية في 1926 كان يمكن لهذه الترجمة أن تكون ناجحة أكثر لو كانت معرفته بالإنكليزية أفضل ولو كانت كُتبت بلغة ألبانية أفضل. ولكنْ مع هذا يمكن القول، كما يؤكد على ذلك الأكاديمي الكوسوفي فتحي مهديو ــ الذي تخصّص في ترجمات القرآن وكان أوّل مَن نقله من العربية إلى الألبانية في 1985 ــ أن ترجمة تشافزيزي كانت بشكل عام ناجحة ولم تكن فيها إساءة للمسلمين.

ومع ذلك كانت فكرة الترجمة في حدّ ذاتها مستفزّة لفقهاء المسلمين في القاهرة وإسطنبول وتيرانا. ومع أن العاصمة الألبانية الجديدة تيرانا (التي اعتُمدت في 1921) شهدت آنذاك نزعة استقلالية عن الإسلام العثماني وتشجيع ما يمكن أن نسمّيه “الإسلام المنسجم مع الإطار الأوربي”، إلا أن المفتي العام آنذاك، الشيخ وهبي ديبرا، سارع إلى إصدار فتوى في نهاية 1924 ورد فيها أنه اطّلع على ترجمتين جديدتين (تركية وألبانية) للقرآن ووجد فيهما أخطاء كثيرة (دون أن يشفع ذلك بأمثلة)، لينهي الفتوى بالقول: “نُعلم أولئك المسلمين الذين تدفعهم حماستهم للدين إلى قراءة مثل هذه الترجمات إلى أن الأخطاء التي تبدو مباشرة في الترجمات المذكورة يمكن أن تشوّش عقيدتهم، ولذلك نوصيهم ألّا يهتموا بها وألّا يقرأوها”.

فتْح الباب لترجمات أخرى
كان تشافزيزي واعياً إلى هذه الحساسيات، ولذلك عبّر في مقدّمته عن أمله أن تكون مساعِدة لذلك “العالِم المسلم الذي سيكون له الشرف بترجمة القرآن من اللغة العربية”. ولكنّه فوجئ بالدعم الذي تلقّاه من المسلمين والمسيحيين الألبانيين “الذين ليس لديهم تعصّب ديني”، ومن الشكر الذي تلقّاه من وزارة التعليم الألبانية، كما فوجئ بأصداء ترجمته في صحافة إسطنبول التي أشادت في 1922 بأن “الألبان قد ترجموا القرآن إلى لغتهم بينما لم يقم الأتراك بذلك”، وهو ما تمّ في 1924 بصدور ترجمتين تركيّتين.

والأهم من ذلك أن ما تمنّاه في مقدّمته عن أن تكون مقدمته مساعدة لـ”العالم المسلم الذي سيكون له الشرف بترجمة القرآن من اللغة العربية” قد تحقّق في 1924، قبل “فتوى” المفتي العام، حين بدأ العالِم الضليع في اللغة العربية والقرآن، الحافظ علي كورتشا (1873-1957)، بنشر ترجمة تفسيرية للقرآن على حلقات في مجلة “الصوت السامي” الناطقة باسم “الجماعة الألبانية المسلمة” (التي أصبحت تمثّل المسلمين أمام الدولة) منذ 1924. ومن المؤكّد أن الحافظ على كورتشا أتمّ عمله، ولكنّ مصير ترجمته بقي غامضاً.

في غضون ذلك تشجّع تشافزيزي على نشر الجزء الثاني من ترجمته في 1927. وفي مقدّمة هذا الجزء أعاد التأكيد على ما قاله في مقدمة الجزء الأول عن دافعه القومي للإقدام على مثل هذا العمل. ولكنه في هذه المرة اعتذر عن وعده بإصدار ترجمة القرآن في أربعة أجزاء، حيث رأى الآن أن يصدره في عشرة أجزاء بثمن زهيد لكلّ منها، حتى تكون متناول الجميع في ألبانيا.

كانت فكرة الترجمة في حدّ ذاتها مستفزّة للفقهاء آنذاك

ويبدو أن صدور الجزء الثاني دفع “الجماعة الألبانية المسلمة” للمضيّ في مشروع ترجمة مفسّرة للقرآن أوكلتها إلى الحافظ إبراهيم داليو، التي صدرت عام 1929 بعنوان “زبدة معاني القرآن الكريم” في سبعة أجزاء. إلّا أن الأجزاء الأخرى لم تصدر لاحقاً، لينضمّ مصيرها إلى بقية المحاولات الرائدة…

أوّل ترجمة كاملة من اللغة العربية
وتكشف الوثائق التي يمكن الاطّلاع عليها اليوم، أنه مع وصول الحزب الشيوعي إلى السلطة في ألبانيا، أقرّ المجلس العام لـ”الجماعة الألبانية المسلمة” خلال 1946 فكرة نقل القرآن إلى الألبانية من الترجمة التركية، التي أنجزها اسماعيل حقّي ونُشرت في 1926، وأقرّ إنجاز الجزء الأول الذي شمل سورة البقرة، ولكنّ مصير هذه الترجمة بقي غامضا أيضاً.

وفي الوقت الذي تشدَّد فيه النظام الحاكم في ألبانيا في المجال الديني إلى أن أقرّ إلغاء الدين وإعلان ألبانيا “أوّل دولة إلحادية في التاريخ” عامَ 1967، وما نتج عن ذلك من إغلاق الجوامع والكنائس وتجريم أي نشاط ديني، شهد النظام المجاور في يوغسلافيا انفتاحاً واسعاً على العالم العربي الإسلامي شمل علاقات كوسوفو (التي أضحت وحدة فدرالية مكوِّنة للاتحاد اليوغسلافي) مع المتغيّرات الثقافية هناك.

وفي هذا السياق أنجز الأكاديمي فتحي مهديو ونشر أوّل ترجمة ألبانية كاملة للقرآن من اللغة العربية مباشرةً في بريشتينا عام 1985، ليفتح الطريق بعدها أمام عشر الترجمات الأخرى التي نُشرت تباعاً حتى العام السابق. ويُلاحَظ هنا أن غلاف الطبعة الأولى من هذه الترجمة حمل فقط عبارة “قرآن مجيد”، بينما نجد غلاف الطبعة الثالثة الذي صدرت عام 2015 يحمل عبارة “قرآن كريم” مع عبارة “ترجمه إلى الألبانية فتحي مهديو”، مع ما يعنيه ذلك من دلالات…

* كاتب وأكاديمي كوسوفي سوري