6 سنوات من التدخل الروسي في سورية: قتل وتهجير وتحكم سياسي واقتصادي

تصعب الإحاطة بكل التفاصيل والبيانات والأرقام، حول حجم الخسائر التي سببها التدخل العسكري الروسي في سورية، منذ 30 سبتمبر/أيلول من عام 2015 وإلى اليوم. فهذه الأرقام والبيانات تتغيّر بين لحظة وأخرى، ويومياً هناك أعمال عسكرية ومجازر ترتكبها القوات الروسية في مناطق المعارضة، وتحديداً في الشمال السوري، في استمرار لحصد المآسي من هذا التدخل المتواصل منذ ست سنوات.
لكن في العموم، يمكن النظر للمشهد في كليته على أن التدخل الروسي في سورية، وبعد مضي 6 سنوات عليه، لم يجلب القتل والدمار والتهجير لأبناء المناطق المعارضة فحسب، وإنما جلب أيضاً الفقر والعوز لمناطق النظام، إلى جانب مصادرة القرار وانتهاك السيادة الوطنية، بتدخل موسكو في القضايا الداخلية والخارجية. وفي المحصلة، لم ينجح هذا التدخل الروسي سوى في الحفاظ على رئيس النظام بشار الأسد في موقعه، وما عدا ذلك، فإن سورية تحولت إلى دولة فاشلة بكل المقاييس وعلى الأصعدة كافة، وأكثر المحللين تفاؤلاً يقدرون حجم خسارة الاقتصادي السوري وتكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 500 مليار دولار، فيما يضعون فترة زمنية لا تقل عن 50 عاماً حتى يسترد البلد عافيته.

تحولت سورية إلى دولة فاشلة بكل المقاييس وعلى الأصعدة كافة

وفي الإطار السياسي، يرى المحلل والباحث الفلسطيني السوري، أيمن فهمي أبو هاشم، أن “من أبرز تداعيات التدخل الروسي منذ بداياته، نجاح الروس في مساعيهم لإعادة تعريف العملية السياسية بين النظام والمعارضة، وحرفها إلى طرق ومسارات أدت فعلياً إلى الالتفاف على بيان جنيف 1 (2012) والقرارات الدولية ذات الصلة، ولا سيما المبادئ والأهداف التي نصت عليها تلك القرارات لتحقيق الانتقال السياسي الحقيقي في سورية”.

ويضيف أبو هاشم في حديث مع “العربي الجديد” أنه “لو تتبعنا المسارات السياسية التي عمل عليها الروس؛ بدءاً من مسار أستانة بداية العام 2017 وجولاته المتتالية، إلى مؤتمر سوتشي نهاية العام 2018، لرأينا أنها أدت من حيث النتيجة إلى توظيف دورهم العسكري لصالح النظام في تفكيك متطلبات الحل السياسي العادل للقضية السورية، واستبدالها بخطوات سياسية لا تنتج أكثر من إعادة تأهيل وتعويم النظام. وحتى اللجنة الدستورية وأعمالها، جاءت لتصبّ في النهاية في خدمة التصور الروسي القائم على منع تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، وهو ما كان هيأ له المبعوث الأممي السابق إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، حين طرَح السلال الأربع، وهي بحسب ترتيبها: الحكم الانتقالي، الدستور، الانتخابات، مكافحة الإرهاب، ولكن تم البدء بمناقشة المسار الدستوري أولاً والقفز على الحكم الانتقالي”.

ويعتبر أبو هاشم أنه “لم يكن بمقدور روسيا أن تلوي عنق العملية السياسية وتقزيمها بما يلبي مصالحها الاستراتيجية في سورية، لولا توافقات دولية وإقليمية كانت تتقاطع من المسار الروسي، خصوصاً مع إدارة المجتمع الدولي ظهره إلى حقوق الشعب السوري ومآسيه. ولم تكن المعارضة السورية التي قبلت الضغوط الدولية والإقليمية وانخرطت في المسارات السياسية التي صممها الروس، وبمشاركة الأتراك وأطراف دولية أخرى، بريئة من مسؤوليتها أيضاً. وبعد ست سنوات من التدخل الروسي نرى اليوم بوضوح أكثر محصلاته الكارثية على سورية وثورتها وشعبها”.

نجح الروس في تفكيك متطلبات الحل السياسي العادل للقضية السورية

وفي ما يتعلق بالوضع السوري الداخلي وخصوصاً في المناطق التي يسيطر عليها النظام، وأبرز التحولات التي أحدثها التدخل الروسي على صعيد الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، يرى الصحافي العامل في الإعلام الحكومي بدمشق، والذي طلب التعريف عنه باسم حسن ض. أنه منذ العام 2018، وهو العام الذي تمت فيه السيطرة على ريف دمشق الشرقي ضمن عمليات التسوية التي قادتها روسيا، “بدأ الاستقرار يعود إلى العاصمة، بعد أن عانت لسنوات عدة من القذائف التي كانت تصل من الغوطة الشرقية”، على حد قوله. لكن الصحافي نفسه يضيف، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “بعد ذلك أخذت الأزمات تتوالى تباعاً، وبالذات الاقتصادية، ولا سيما مع توالي الأخبار التي تتحدث عن سيطرة روسيا على أبرز مقدرات الاقتصاد السوري”. وأشار إلى أن “السوريين في الداخل باتوا أكثر إدراكا اليوم لحقيقة أن ما يعانونه من ظروف معيشية صعبة، يعود في جانب كبير منه إلى اكتشافهم أن التدخل الروسي لم يكن مجانياً، وإنما كان على حساب لقمة عيشهم، وعلى حساب مستقبل البلد لسنوات طويلة مقبلة”.

ورفض حسن ض. الإجابة عن سؤال يتعلق بواقع سيطرة روسيا على القرار الحكومي والسيادي في سورية، واكتفى بالتعليق بأن الوضع بعد التدخل الروسي “أصبح أكثر صعوبة، مما كان عليه قبل سنتين من هذا التدخل”، في إشارة إلى العامين 2013 و2014، عندما وصلت سيطرة “الجيش السوري الحر” إلى أحياء كبيرة في داخل العاصمة دمشق، وعلى مقربة من القصر الجمهوري.

أما على الصعيد العسكري، ومدى تأثير التدخل الروسي في هذا الإطار، فيرى العقيد المظلي، فايز الأسمر، المنشق عن جيش النظام السوري في العام 2012، أن “الروس عندما تدخلوا في 30 سبتمبر من عام 2015 في سورية، لم يكن تدخلهم هذا سوى من أجل هدف واحد، وهو إخماد الثورة السورية وإعادة كافة الأراضي الخارجة عن سيطرة النظام إليه، وأيضاً إعادة تعويم الأسد”. ويوضح في حديث مع “العربي الجديد”، أن “الروس عملوا على تحقيق ذلك بكل الطرق؛ السياسية والعسكرية. فقد طبقوا سيناريو غروزني التدميري (في إشارة إلى أسلوب الحرب التدميري الذي انتهجته روسيا أثناء اجتياحها للعاصمة الشيشانية غروزني أواخر تسعينيات القرن الماضي)، في المعضمية في ريف دمشق الغربي، وفي الغوطة في ريف دمشق الشرقي، وفي مخيم اليرموك، وأرياف حماة وحمص، وفي مدينة حلب وغيرها من المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة، وصولاً الآن إلى منطقة خفض التصعيد في إدلب وغيرها من مناطق الشمال السوري”.

أدرك السوريون في مناطق النظام أن التدخل الروسي لم يكن مجانياً، وإنما كان على حساب لقمة عيشهم

ويشير الأسمر إلى أن “الروس استخدموا لتحقيق ما يعتبرونه إنجازات عسكرية، كافة الأسلحة الحديثة؛ المحرمة وغير المحرمة، وجعلوا أجساد السوريين للأسف حقول تجارب واختبار لأسلحتهم. كما جعلوا الأراضي والسماء السورية، ميداناً لتدريب قواتهم وطياريهم، وهو ما صرح به وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، الذي تحدث غير مرة عن اختبار أكثر من 200 سلاح جديد في سورية، وتباهى بتدريب قواته في ظروف قتالية حقيقية، بينما المجني عليهم هم السوريون وأرواحهم وممتلكاتهم”.

وتسبب القصف الروسي على مناطق الشمال السوري في العامين 2019 و2020، بموجات نزوح وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأكبر في تاريخ سورية، حيث أجبر أكثر من 1,182,772 مدنياً على ترك منازلهم والهرب من الموت. فيما بلغ عدد النازحين منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2019 حتى نهاية فبراير/شباط 2020، أي في غضون أربعة أشهر، أكثر من 1,037,890 شخصا، منهم من نزح أكثر من خمس مرات على فترات متفرقة بالتزامن مع الحملات العسكرية التي شنها النظام وروسيا على مناطقهم في أرياف إدلب وحماة وحلب، بالإضافة إلى المدن القريبة من خطوط التماس كأريحا وسرمين ودارة عزة والأتارب، وفق ما تؤكده تقارير عدة.