انتخابات مجلس الشورى القطري… تنافس دعائي على ساحة تويتر

يدير المهندس حمد بن لحدان المهندي، نائب رئيس المجلس البلدي القطري سابقاً، مساحة صوتية على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” تنشط في إجراء نقاشات وحوارات متجددة حول انتخابات مجلس الشورى القطري، عبر محادثات صوتية مباشرة يشارك فيها المرشحون لعرض برامجهم الانتخابية والناخبون المهتمون بالحدث الأبرز في قطر خلال شهر سبتمبر/ أيلول وحتى الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول موعد إجراء الانتخابات الأولى من نوعها في البلاد، من أجل اختيار 30 عضواً من إجمالي 45، بينما يعيّن أمير الدولة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني 15 عضواً.

يقول المهندي إن عدد المشاركين في الندوات الافتراضية من المرشحين والناخبين يصل إلى 500 مغرد في الفعالية، وهو عدد كبير وسهل الوصول إليه مقارنة بالندوات في قاعات الفنادق أو النوادي.

وعلى الرغم من أن الدعاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي قليلة التكلفة مقارنة بالوسائط التقليدية، لكن المهندي يرى أنها لم تخفض من تكاليف الدعاية الانتخابية، لأن العديد من المرشحين لجأوا إلى الوسائل التقليدية، مشيراً إلى أن هذا التنوع والنشاط الكبير يسمحان للناخب بمعرفة قدرات المرشح الحقيقية، مشيداً بمستوى المقاطع المرئية والبرامج التي قدّمتها المؤسسة القطرية للإعلام من أجل عرض البرامج الانتخابية للمرشحين، وقائلاً: “مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً تويتر الأكثر انتشاراً في قطر، سهّلت على الجمهور الوصول إلى المرشح والتعرف عليه وعلى سيرته الذاتية وبرامجه الانتخابية”.

خدمات دعاية متكاملة

تنافست المؤسسات الإعلامية وشركات الدعاية والإعلان المحلية من أجل الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من حملات المرشحين البالغ عددهم 234 مرشحاً، بينما تنازل 50 مرشحاً، بحسب ما أعلنته اللجنة الإشرافية على انتخابات مجلس الشورى، والتي أكدت أن الدعاية الانتخابية للمرشحين مستمرة حتى دخول فترة الصمت الانتخابي في 1 أكتوبر/ تشرين الأول.

ورصد “العربي الجديد” أسعار الدعاية الانتخابية التي مزجت بين الوسائط الإعلامية التقليدية والحديثة على حد سواء، إذ تضمن العرض الترويجي لدار الوطن ثلاث باقات دعائية تراوحت بين 170 ألف ريال (46.5 ألف دولار)، و90 ألف ريال (24.6 ألف دولار)، وتضمّنت صفحات إعلانية وإعلانات رقمية على الموقع الإلكتروني، وحواراً مع المرشح وتصميم بيانات رقمية “إنفوغرافيك”، وفيديوهات تستعرض البرامج الانتخابية، وتغطيات صحافية، وإنشاء وإدارة حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، ولوحات خارجية بمساحات مختلفة، وطباعة كتيب ومنشور دعائي للمرشح.

بينما بلغ إجمالي عرض مجموعة دار الشرق للخدمات الدعائية والإعلانية الموجهة إلى المرشحين والذي يتضمن بنوداً متعددة يمكن الاختيار بينها 760 ألف ريال قطري (208 آلاف دولار).

وتضمن عرض السعر مزيجاً من المزايا، مثل الاستشارات والظهور الإعلامي، وخدمات الدعاية و‏تصميم الشعار والهوية البصرية، مروراً بتصوير ومونتاج الفيديو والغرافيك والموشن غرافيك وغيرها بتكلفة 109.500؛ ما يعادل 30 ألف دولار.

كذلك تضمنت الباقة الخدمات الإعلانية ‏والإعلامية تغطية الفعاليات والمقابلات الميدانية للصحف الورقية ومواقعها الرقمية، وإنشاء موقع إلكتروني، وخدمة الرصد الإعلامي على منصات مواقع التواصل الاجتماعي والصحف ووسائل الإعلام بتكلفة 100 ألف ريال (27 ألف دولار). وتضمنت خدمة المطبوعات الورقية وطباعة ‏ملاحق إعلانية بعدد 9 آلاف نسخة وتوزيع مع ثلاث صحف في دائرة المرشح بتكلفة 100 ألف ريال (27 ألف دولار).

وبحسب منشور الباقات الإعلانية لشركة الخليج للنشر والطباعة، والتي حصل “العربي الجديد” على نسخة منها، بلغ متوسط الباقات المقدمة 200 ألف ريال (55 ألف دولار أميركي) للباقة الذهبية، بينما بلغت الباقة البلاتينية 250 ألف ريال (68 ألف دولار أميركي)، والباقة الفضية 150 ألف ريال (41 ألف دولار أميركي).

وتضمنت جميع الباقات نشر إعلانات في الصفحات الداخلية للصحيفة المطبوعة التابعة للدار، وحوارين، وعدداً من التغطيات الصحافية بحسب كل باقة، و”بنر” إعلانياً بموقع الصحيفة الإلكتروني، و10 إعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب، وإنتاج فيديو لمدة دقيقة، وجلسة تصوير فوتوغرافي، وإنشاء وإدارة صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بالمرشح والتي تتراوح بين حساب إلى ثلاثة حسابات بحسب الباقة، وخدمات الطباعة.

لكن رغم اهتمام الحملات الانتخابية الكبير بوسائط التواصل الاجتماعي، يؤكد حسن علي الأنواري؛ مدير التسويق في واحدة من شركات الدعاية القطرية، أن الإعلانات الورقية لم تتراجع وكانت حاضرة بكل قوة، إذ فضل بعض المرشحين المواد الإعلانية والتحريرية في الصحف من أجل التحدث بأريحية وبالتفصيل.

وأضاف الأنواري لـ “العربي الجديد” أنه في حالة وجود عدة عملاء من دائرة انتخابية واحدة يتم التعامل دون تمييز بين مرشح ومنافس، مضيفاً أن الجميع حصل على حقه في التغطية، إذ سمحت المؤسسة بتقديم دعاية لأكثر من مرشح في نفس الدائرة باستثناء ما إذا كان المرشح في إحدى الدوائر قد حصل على الباقة الحصرية.

وأكد الأنواري أن الصحف الورقية لا تزال تتمتع بجمهور لا يمكن تجاهله، إذ ثمة قراء معتادون عليها، مشيراً إلى أن اشتراكات النسخ الورقية المقدمة إلى الوزارات والمؤسسات الحكومية والشركات الكبيرة مستمرة ولم يتوقف الطلب عليها.

هل يكفي الحد الأقصى ؟

وضعت المادة 21 من قانون رقم (6) لسنة 2021 لنظام انتخاب مجلس الشورى حداً أقصى لما ينفقه كل مرشح في الدعاية الانتخابية بلغ مليوني ريال (548 ألف دولار أميركي)، وأجازت المادة نفسها تعديل الحد الأقصى بقرار من الوزير.

ويهدف الحد الأقصى لمصاريف الدعاية الانتخابية إلى تحقيق عدالة بين المرشحين، إذ يمكن لشريحة كبيرة من بينهم العمل على توفير مبلغ مالي ضمن نطاق الحد الأقصى بما يحقق لحملاتهم هدف الوصول إلى الناخبين، كما يوضح المحامي يوسف الزمان لـ”العربي الجديد”، وتابع: “القانون أباح تلقي تبرعات بما لا يتجاوز 35% من المليوني ريال، أي 700 ألف ريال قطري (نحو 192 ألف دولار)، على أن تكون من الأشخاص الطبيعيين العاديين في الدولة حتى يستطيع المرشح القيام بالدعاية الانتخابية التي تتناسب مع قدراته”.

وبيّن الزمان أن وضع حد أقصى ضرورة حتى لا ينفق مرشحون مبالغ كبيرة تخرج بالمنافسة إلى نطاق يضر بالهدف من إجراء الانتخابات لاختيار المرشح الأصلح.

ولفت إلى أن القانون منع منعاً باتاً تلقي مبالغ مالية من جهات أجنبية خارج الدولة بما يؤثر على عملية الانتخاب، مشيراً إلى أن الأمر محظور لما يسببه من تدخل غير مرغوب فيه قد يؤثر على استقلالية المرشح.

وحددت المادة 48 من القانون رقم 6 لسنة 2021 عقوبة طلب أو قبول أو تسلم أمول منقولة أو غير منقولة من جهات أجنبية بالحبس مدة لا تتجاوز خمس سنوات، وبالغرامة التي لا تزيد على 10 ملايين ريال (2.7 مليون دولار)، أو بإحدى العقوبتين، وأكد الزمان أن الدولة أنشأت لجنة تعمل على مراقبة إنفاق الدعاية الانتخابية كما ألزم القانون المرشحين بفتح حساب مستقل لدى أحد البنوك لإيداع المبالغ المحددة وتوفير بيانات صرفها، حتى تتمكن اللجنة من الاطلاع على أي بند والتأكد من عدم مخالفة القانون.

وأشار إلى أن ما قدمته المؤسسة القطرية للإعلام لكافة المرشحين على قدم المساواة من ترويج ساهم في تقليص نفقات الدعاية الانتخابية لكثير من المرشحين، لكن آخرين لديهم ملاءة مالية أوسع تمكنهم من الصرف على وسائل الدعاية بما يقارب مبلغ الحد الأقصى، سواء عبر لقاءات ميدانية ومحاضرات أو نشر إعلانات مدفوعة الأجر في الصحف اليومية، وكلها أمور مكلفة لكنها لن تتجاوز مبلغ المليوني ريال، ولفت الزمان إلى أن المبلغ كافٍ بدليل أننا على مشارف انتهاء الدعاية الانتخابية ولم يصدر من وزير الداخلية أي قرار بزيادة هذه النفقات، ما يرجح عدم مطالبة أي مرشح بذلك.

ويتفق المرشح عبد الله بن سلطان آل شيبان السويدي الذي يخوض الانتخابات بالدائرة الثامنة في منطقة البدع بالدوحة مع الزمان في أن الحد الأقصى للدعاية الانتخابية كاف جداً، لا سيما مع الإجراءات الاحترازية وما ترتب عليها من تفضيل معظم المرشحين إقامة الندوات واللقاءات افتراضياً عبر الفضاء الإلكتروني، بالإضافة إلى التركيز على وسائل التواصل الاجتماعي والمقاطع المرئية المسجلة، ما قلّص من ميزانيات الحملات الانتخابية، إذ استبعد العديد من المرشحين اللقاءات المباشرة وتجمعات المجالس وما إلى ذلك من إيجار قاعات الفنادق في ظل الإجراءات الوقائية لمواجهة كورونا.

التخطيط للحملات الانتخابية

يصف المرشح علي بن شبيب بن ناصر العطية، والذي يخوض الانتخابات في الدائرة 18 بمنطقة الخريطيات شمال الدوحة، دعاية حملته الانتخابية بـ “المتوسطة”، والتي لا مغالاة فيها بعيداً عن الصخب أو الاختفاء الكامل كما يقول، مشيراً إلى اعتماد حملته على برنامج انتخابي واقعي، وقابل للتطبيق، ويلبّي تطلعات ناخبيه، ومن بينها إصدار قانون يضمن الشفافية والرقابة والمحاسبة في إسناد ‏المناصب الحكومية، قائلاً: “يمكن تطبيق ذلك عبر مشاركة ‏ودعم السلطة التنفيذية، لوضع ضوابط قانونية لإيجاد آلية ‏واضحة في اختيار المناصب الحكومية”.‏

وتعود المبالغة أو ضعف الدعاية الانتخابية إلى عدم تخطيط بعض المرشحين بشكل جيد للحملات الانتخابية، بحسب إفادة الدكتور محمد بن خليفة الكبيسي مدير إحدى الحملات الانتخابية، والذي لفت إلى أهمية دراسة التجارب الانتخابية المشابهة في دول مجلس التعاون الخليجي والاستفادة منها.

ويتطلب تصميم البرنامج ومن ثم الدعاية الانتخابية إجراء مسوحات استقصائية للمجتمع وتحدياته ومشاكله وفق الكبيسي الذي لفت إلى أن انسحاب البعض يعود إلى خوض غمار الأيام الأولى واكتشاف أن هناك تبعات وجهوداً وتكاليف ومتطلبات كثيرة، كما انسحب البعض عندما رأى من هو أكفأ منه في دائرته، بالإضافة إلى الضغوط العائلية على مرشح للتنازل لصالح آخر فرصه أكبر.

ويبدأ التخطيط للحملة الانتخابية، والحديث للكبيسي، من عدة مسارات، الأول التدريب وتثقيف المرشح وإثقاله بالمهارات المطلوبة، سواء في الجانب السياسي أو الاقتصادي أو القانوني أو الاجتماعي، وحتى الشرعي، والمسار الثاني يتم عبر التدريب على تفاصيل البرنامج الانتخابي وإنجازه بعد اجتماعات مع قانونيين ورجال فكر ومجتمع وناشطين، ومن ثم القيام بعمليات العصف الذهني لجمع كل هذه الرؤى في مسار يوازن بين تطلعات أهل الدائرة واحتياجات الدولة والمجتمع.

والمسار الثالث تخوض الحملة غماره إعلامياً وإعلانياً، وفق الكبيسي الذي يشدد على أهمية وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تويتر وإنستغرام، واستخدامها في الترويج لبرامج المرشحين، بالإضافة إلى اللوحات الإعلانية وتصميمها بهوية بصرية قريبة من المجتمع القطري، وتصميم شعارات ذكية تتطابق مع بنود البرنامج الانتخابي، لكن الكبيسي يؤكد في الوقت ذاته أهمية الفعاليات الجماهيرية والتي يجب أن يكون فيها اتصال مباشر بين المرشح وأفراد المجتمع عبر تبادل الزيارات في المجالس والاتصالات الشخصية بعد الحصول على أسماء الناخبين وتصنيفها وجمع بيانات التواصل معهم لعرض البرنامج الانتخابي.

ويتفق المرشح السويدي مع الكبيسي في أهمية التخطيط بشكل استراتيجي للحملة الانتخابية، عبر أسئلة ماذا يريد المرشح والناخب ومتى يتم ما يعد به المرشح ولمن يقدم ذلك، وما هي أهدافه، وما هي منهجية العمل الخدمي حتى يوفر وقته وجهده وأمواله ولا يضيعها في خطوات عشوائية.

وحول اعتماده على شركة دعاية لتخطيط وتنفيذ حملته الانتخابية قال السويدي إنه استثمر في خبرة الشركة نتيجة لقصر فترة الدعاية الانتخابية، ما تطلب استغلال الوقت المحدد لتحقيق الهدف المنشود.

تمكين المرأة

تضمنت محاور البرامج الانتخابية للمرشحين من الرجال والنساء عناصر متعددة تدور حول تمكين المرأة، ما لفت انتباه الدكتورة بثينة حسن الأنصاري خبيرة التطوير الاستراتيجي والموارد البشرية، والتي تقول لـ”العربي الجديد”: “ركزت البرامج بشكل كبير على تمكين المرأة، ليس فقط بتقليل ساعات العمل أو زيادة المزايا المتعلقة بالوظيفة، وإنما تطرقت لموضوعات اجتماعية كمعاشات الأرامل والمطلقات والسماح بإنشاء دور حضانة في البيوت”.

وتساءلت الأنصاري هل ما سبق مجرد وعود براقة للمرشحين الراغبين في الحصول على الأصوات النسائية، أم بالفعل يوجد إيمان بأن المرأة شريك وعامل مهم في تطوير المجتمع؟ مضيفةً أنه في كل الأحوال أثبتت المرأة القطرية نفسها وقدراتها عبر كثير من التضحيات وعلى الرغم من صعوبة العمل في القطاع الخاص والتدرج الوظيفي في القطاع الحكومي، وتربية أبنائها، وقضية أبناء القطريات وغير ذلك، لكن هذه الصعوبات لم تعطّلها عن المشاركة في بناء الدولة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وأيضاً السياسية.