حسين فوزي: أعمال لا تُنصفها المطبعة الرسمية

حسناً فعلت “هيئة قصور الثقافة” بإعادة طبع أعمال حسين فوزي (1900 – 1988) تحت عنوان جامع هو “سندباديات”، وهو شروع بدأته عام 2017، ليصدر منه، أخيراً، جزء خامس، هو “سندباد إلى الغرب”. ولعلّ كثيرين – وخصوصاً من الأجيال الجديدة – لا يعرفون من هو فوزي، ولا أنه مثلاً كان معاصراً لشموس الثقافة المصرية؛ طه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وغيرهم، بل ولا حتى أنه مع تخصّصه في علوم البحار كان سبّاقاً ومن الجيل الأول الذي كتب القصة القصيرة، ثم انصرف عنها إلى ما عُرف به لاحقاً: متبحّراً في الموسيقى الكلاسيكية الغربية، وسندباد الزمن الحديث من خلال كتاباته الفريدة في أدب الرحلة.

كتبه الخاصة بأدب الرحلات تنطق بعمق ثقافة صاحبها وسعة اطلاعه، وتضم بين صفحاتها خبرة حركةٍ حقيقيةٍ في المكان أو مجازية بين طبقات الزمان؛ من النوع الأول كتبه: “سندباد عصري” و”سندباد إلى الغرب”، ومن الأخير “سندباد مصري” و”حديث السندباد القديم”، ومن هنا العنوان الجامع للطبعة الجديدة “سندباديات”، حيث الاتكاء على العناوين المفردة لكل كتاب على حدة، كما على المحمول الرمزي والثقافي لاسم السندباد في الذاكرة العربية.

لا يعمد فوزي في كتبه إلى مجرّد تسجيل وقائع الرحلة ومشاعره الشخصية فيها أو قنص لحظات الإغراب والطرائف، إنما هو يفعل كل ذلك ويخلطه برؤيته لواقعه وعصره، وبمطالعاته الأدبية وتحليلاته النفسية والاجتماعية، ثم يُصيغه أخيراً واضحاً براقاً في صياغات لا تنقصها الطرافة، وإن كانت تلك الخلاصات لا تخلو أحياناً من إشكال أو تناقض. ها هو في فاتحة كتابه “سندباد عصري، جولات في المحيط الهندي” يقول بوضوح: “درجت على حب الغرب، والإعجاب بحضارة الغرب، وقضيت أهم أدوار التكوين من عمري في أوروبا، فتمكنت أواصر حبي، وتقوّت دعائم إعجابي. فلمّا ذهبت إلى الشرق، عدت إلى بلادي وقد استحال الحب والإعجاب إيماناً بكل ما هو غربي”.

يخلط وقائع جولاته بمطالعاته الأدبية وتحليلاته النفسية

لكنّ هذا التصدير للكتاب الذي صدرت طبعته الأولى عام 1938، حُذف من الطبعة الجديدة عن “قصور الثقافة”، ولا نعلم سبباً لذلك، وإن كان حسن النية يفترض أن الأمر حدث سهواً، فإن سوء الظن الذي هو من حسن الفطن أيضاً يوحي بأن في الحذف إراحة للذهن من إشعال معارك “الشرق والغرب”، مع أنها لم تنته أصلاً، وما زالت رحاها تدور للآن في الدراسات الثقافية كما في العلوم الاجتماعية، فضلاً عن السياسة بطبيعة الحال.

غير أن هذا الإعلان لا يحبس شخصية فوزي في بعد واحد، فقد آمن بتلاقي الحضارات وبأن بعضها يأخذ من بعض، ولكلّ حضارة فضل على لاحقاتها، بل إنه أفرد أحد كتبه وهو “حديث السندباد القديم” للبحث في الأدب الجغرافي العربي والرحلات البحرية، ومدّ خيطاً بين رحلاته الشخصية ورحلات الجغرافيين العرب الأوائل، وأقرّ بالأثر العربي الكبير على علوم الجغرافيا والبحار في العصور الوسطى، ثم ببراعة مؤلفي ألف ليلة وليلة في استخدام هذه المعارف البحرية والكشوف الجغرافية وتطويعها في نصهم الأدبي العظيم وخصوصاً في رحلات السندباد.

يزعم فوزي في حديث إذاعي قديم مع الشاعر فاروق شوشة في برنامجه “مع الأدباء” أنه لم يكتب “حديث السندباد القديم” دفعاً لتناقض قد يبدو مع ما يصدّر به كتابه “سندباد عصري”، إنما في طريق البحث الحضاري يلاقي الإنسان ما هو جدير بالفحص والبحث، كما أن مناداته باقتفاء حضارة الغرب “لا يعني أنني أنكر حضارة أجدادي”، مع أنه هو نفسه من سيقول إن شعوب الشرق “تهيم وتسدر في غيبياتها وغيبوبتها”.

لا نقصد بكل تأكيد إدانة دكتور فوزي، أو حتى محاكمته على ضوء معارف عصرنا، وقد تبيّن لنا ذلك التشابك المعقد بين الفكرة والآلة وما ينتج منهما معاً، في حين كان فوزي – وربما معه جيله – يفصلون الإنتاج المادي الغربي عن معينه الفكري فصلاً معملياً لا يخلو من تعسف، بل ولم يعتور إيمانه بالحضارة الغربية أي ضعف “حتى بعد أن كادت هذه الحضارة تُصرع تحت أقدام النازية والفاشية، وحتى وهذه الحضارة “العظمى” تهدّدها مخترعات الفناء العام”، كما أضاف في حديثه السالف مع فاروق شوشة.

مدّ خيطاً بين رحلاته الشخصية ورحلات العرب الأوائل

المدهش أن فوزي وهو يتوجّه بأحلامه لبلاده صوب الشاطئ الأوروبي، فإنه فعل ذلك بلغة عربية لا تعوزها الصحة أو الدقة، فضلاً عن الطرافة وحسن السبك، وهو ما نصادفه في أحاديثه الشخصية كما في سندبادياته، وصولاً لدرّته “سندباد مصري؛ جولات في رحاب التاريخ” الذي هو بانوراما شاملة وسريعة للتاريخ المصري.

في هذا الكتاب – وقد كتبه فوزي “في بحبوحة الأدب والفن” كما قال – ترتاح اللغة والمعارف الواسعة في يديه، وتسري منه إلينا دفعات حارة من الشجن وسوء العذاب الذي لاقاه المصريون على طول تاريخهم، لكننا نمسك كذلك بروح المقاومة والحيلة مما تفننوا فيه، ولا نعلم سبباً – غير الجهل – يمنع من إقرار هذا الكتاب على مراحل التعليم المدرسية، لكن ها نحن نشكر “هيئة قصور الثقافة” على إتاحة هذه الأعمال، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة القبول بإهمال الجودة الفنية في إخراج الكتب مقابلَ أسعارها، فسعرها الزهيد لا يشفع لاستخدام مثل ذلك الورق الرمادي السيئ، كما لا يسوّغ فيضانَ الحبر حول الكلمات والسطور – لا في كرم وإنما نقص مهارة – بما يجعل من القراءة أمراً عسيراً وشاقاً؛ هذا نوع من الكرم لا نحبه، ويكفينا “فيضان النيل” ذلك الذي حتى ما عدنا نراه.

وبالعودة إلى حسين فوزي، نحب أن نقول أخيراً إن الرجل لم يكن بدعاً بين أبناء جيله ممن ينتمون إلى ثورة 1919، أو السابقين عليها بقليل، الذين – وبدرجة ما – ولّوْا وجوههم شطر الغرب وعرفوا بالمتوسطيين (mediterranean)، ممن شطحوا بأفكارهم ما شطحوا وأغربوا فيها ما أغربوا، لكنه جيل ظلت أقدامه راسخة في أرض وطنه، يرجو له الخير والرفعة، حتى وإن كان يفعل ذلك بسذاجة أحياناً، لكنه لم يكن مغرضاً أو جاهلاً، أو – وهذا هو الأهم – منبطحاً.

قناع عالِم البحار

يعدّ حسين فوزي أحد الكتّاب العرب القلائل الذين أفادوا الأدب من تخصّصهم المعرفي، فقد كان عالم بحار، ومن هنا كانت معظم أعماله ضمن أدب الرحلة واتخاذه السندباد شخصية موازية له في مؤلفات مثل: “سندباد عصري” (1938)، و”حديث السندباد القديم” (1942)، و”سندباد مصري” (1961)، و”سندباد إلى الغرب” (1968، غلاف الطبعة الجديدة)، و”سندباد في سيارة” (1973). كما اشتهر فوزي بالكتابة حول الموسيقى الكلاسيكية بأسلوب مبسّط.