التغير المناخي يدمر المساكن القديمة في ألاسكا

كان منزل الأميركي فرانسيس واسكي، في ولاية ألاسكا، يقف على ركائز خشبية بارتفاع أربع أقدام فوق الأرض. لكن غرقت الأعمدة بمرور السنين، فبات منزله مهدداً بالسقوط، نتيجة ذوبان التربة المجمدة الغنية بالكربون، والمعروفة باسم “التربة الصقيعية”، وهي الأرض المتجمدة لمدة عامين على الأقل، وتشكل جزءاً كبيراً من الأراضي في المناطق الجبلية الشاهقة، وفي القطبين الشمالي والجنوبي.
حاول واسكي (55 سنة) دعم الهيكل الخشبي، ولكن دون جدوى. خرجت المسامير من ألواح الأرضية، وتحطمت النوافذ الزجاجية تاركة إياه عرضة لموجات الجليد التي تخترق جدران منزله في فصل الشتاء. استعان بفريق بناء، والذي وجد حين سحب الخشب الرقائقي من الجدران رائحة كريهة تخرج من الخشب، إذ كان العفن الأسود يملأ العزل الإسفنجي، وهو أمر سيئ للغاية.
بعد خمسة عقود من تشييده، سيتم هدم المنزل الذي تم بناؤه لمواجهة المناخ القاسي في جنوب غرب ألاسكا، والذي تم استيراده، مثل كثير من المنازل في جميع أنحاء الولاية، خلال فترة الازدهار الاقتصادي بعد مد خط أنابيب عبر ألاسكا خلال السبعينيات.
في الأشهر القليلة المقبلة، سيتم استبدال منزل واسكي في قرية “يوبيك” التي يبلغ عدد سكانها 855 شخصاً بنموذج جديد صممه مركز أبحاث الإسكان في المناخ البارد (CCHRC) في جامعة ألاسكا، والذي يسعى إلى تصميم منازل تحاكي التغييرات المناخية.
ويعد البناء في ألاسكا أحد تحديات المستقبل بحسب وصف صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، إذ تقع الولاية في نهاية سلسلة إمداد طويلة غالباً ما تكون منفصلة عن نظام الطرق، مما يعني أن تكلفة نقل مواد البناء باهظة، كما أن المنازل القائمة سيئة العزل، وتثقل كاهل الأسر بفواتير التدفئة، فضلاً عن جهود إدارة تعفن الجدران، ونظام التهوية، ما يجعل أمراض الجهاز التنفسي متوطنة في ألاسكا، وخاصة بين أطفال السكان الأصليين. في منطقة دلتا يوكون – كوسكوكويم على الساحل الغربي لولاية ألاسكا، يبلغ معدل دخول الأطفال الرضع المصابين بالالتهاب الرئوي في المستشفيات أعلى بعشرة أضعاف من معدل دخول الأطفال الرضع الآخرين في الولايات المتحدة، ومع ارتفاع درجة الحرارة الولاية بمعدل ضعف المعدل الذي تشهده بقية الولايات، تواجه 31 قرية تهديدات وشيكة، مما يدفع المجتمعات إلى اتخاذ قرار إما بالانتقال أو التحدي للبقاء في مكانها.
ويقول اختصاصي المناخ في مركز ألاسكا لتقييم المناخ والسياسات ريك ثومان: “لا توجد خيارات عندما يتعلق الأمر بالسكن، فلا بد من التفكير بوضوح في شكل البيئة في غضون 30 أو 50 عاماً”.
انتقل مؤسس مركز أبحاث الإسكان في المناخ البارد جاك هيبرت عام 1973 إلى العيش في أحد المنازل الواقعة تحت الأرضي (SOD)، والذي تسكنه شعوب Inupiaq الأصلية في ألاسكا. كان يبلغ من العمر 23 سنة، وعاش ثلاثة فصول شتاء في المنزل المبني من جذوع الأشجار، وتعلم خلالها الدروس الأساسية التي نقلها السكان الأصليون إلى أصحاب المنازل الأوائل، ومنها كيفية تدفئة البيت خلال العواصف القطبية.
أصبح هيبرت عامل بناء في الثمانينيات والتسعينيات، عندما بدأت تزدهر فكرة تشييد المنازل في ألاسكا، إذ تعاون مع مجموعة من البنائين المحترفين، واستشاروا الكنديين الذين كانوا متقدمين عشر سنوات في التعامل مع تحديات مماثلة، وقرروا أنهم إذا كانوا سيحلون فوضى العمارة فسيحتاجون إلى مركز أبحاث متخصص بالبناء في القطب الشمالي.

واستدعت التغييرات المناخية قيام مجلس قبيلة أساكارسارميوت إلى استشارة مركز أبحاث الإسكان في المناخ البارد قبل عامين، لمعرفة التحديات الأساسية التي تواجه المنطقة، ففي جميع أنحاء المنطقة يتحلل العزل، وتنفصل الأسقف عن الجدران، ويستخدم السكان أي شيء للحفاظ على منازلهم من الانهيار، بداية من الألواح الخرسانية، والألواح الخشبية، وحتى البطانيات وأكياس النوم.

وأعاد مركز أبحاث الإسكان في المناخ البارد تسجيل الملاحظات، ونقلها إلى المختبر، حيث قام فريق مكون من 24 شخصاً، من بينهم خبراء في الأنثروبولوجيا والهندسة، التوفيق بين الاحتياجات والواقع المالي للقبيلة، ووجدوا أنها تحتاج إلى 91 منزلاً يجب إصلاحها إن لم يتم هدمها، إلا أنهم وجدوا تحديات عديدة، منها نقص الأموال المخصصة في الميزانية العامة للولاية.
صمم المركز ستة نماذج أولية لذوي الدخل المنخفض مثل فرانسيس واسكي، والذي كان يعمل في الصيد ولكنه حالياً عاطل عن العمل، وسيتم تصميم أساس وحدته التي تبلغ مساحتها 288 قدماً مربعاً بما يمكنه من توسيع المنزل إلى 480 قدماً مربعاً في المستقبل.

بعد ذلك، قام المركز بدمج هذه المخططات مع التكنولوجيا اللازمة للمناخ، فتم تجهيز المنزل بنظام تهوية عازل يحافظ على الحرارة والرطوبة والهواء، ويستخدم 70 إلى 80 في المائة أقل من استهلاك الوقود المعتاد. في عام 2019، ساعد المركز قرية يبلغ عدد سكانها 400 شخص في جنوب غرب ألاسكا على بناء مساكن جديدة، وقدرت تكلفة المشروع بـ100 مليون دولار.
يقول أستاذ الجيوفيزياء، فلاديمير رومانوفسكي، من معهد فيربانكس للجيوفيزياء بجامعة ألاسكا: “في العديد من المواقع، وصلت التربة الصقيعية إلى نقطة حرجة. تشير التقديرات إلى أن التربة الصقيعية تخزن ضعف كمية الكربون الموجودة في الغلاف الجوي، وبمجرد أن تتجاوز درجة التجمد، فإنها تطلق الكربون والميثان، لدرجة أنه حتى لو توقفت انبعاثات الوقود الأحفوري، فإن الجليد الدائم الذوبان سيظل يساهم بمقدار 1.7 درجة من الانبعاثات على مدى القرون القليلة القادمة”.