بروباغاندا الصين: قضية المديرة المالية لـ"هواوي" نموذجاً

حظيت المديرة المالية لشركة “هواوي”، مينغ وانتشو، باستقبال الأبطال في بلدها الصين، في أعقاب إطلاق سراحها من قبل السلطات الكندية، بعد التوصل إلى اتفاق مع المدعين الأميركيين لتسوية التهم الموجهة إليها، حيث كانت رهن الإقامة الجبرية في كندا منذ نحو ثلاث سنوات بسبب مزاعم بالتخطيط لاستخدام النظام المصرفي العالمي من أجل الالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.

وكان في استقبال ابنة مؤسسة شركة “هواوي”، بمطار شين جن جنوب البلاد، يوم السبت، عدد من كبار المسؤولين الصينيين، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المواطنين الذين احتشدوا داخل وخارج المطار حاملين لافتات وشعارات ترحب بمن وصفوها بالبطلة القومية. وفي خرق واضح للبروتوكول، وعلى غير عادة الصينيين، مُد بساط أحمر أسفل مدرج الطائرة، واستقبلت مينغ وانتشو كأنها شخصية سياسية رفيعة. وقد حظي مقطع فيديو قصير لنزولها من الطائرة بأكثر من 500 مليون مشاهدة خلال دقائق على منصة “دويين” للفيديوهات القصيرة. ووصفت وسائل إعلام حكومية إطلاق سراح المسؤولة المالية بأنه انتصار للدبلوماسية الصينية، بينما اعتبرها مغردون رمزاً لمواجهة الهيمنة الأميركية.

أفردت صحف حكومية في الصين مساحةً كبيرة للحديث عن حيثيات عملية الإفراج ونسب الفضل إلى قادة الدولة، وقالت صحيفة “غلوبال تايمز” في افتتاحيتها، الأحد، إنّ قضية مينغ وانتشو كشفت للعالم مدى وحشية الطرق التي تتبعها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها السياسية، وإنها ستبقى وصمة عار في تاريخها الحديث. ولفتت إلى أن واشنطن ستفكر ملياً في المستقبل قبل أن تأخذ أي قرار يستهدف رجال الأعمال الصينيين، كما أعربت الصحيفة الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، عن أملها في أن يلعب إطلاق سراح مينغ دوراً إيجابياً في معالجة الفوضى التي بدأت قبل ثلاث سنوات، وأن يسهم في إعادة العلاقات بين الصين وكندا وكذلك تحسين العلاقات الصينية الأميركية. من جهتها، نشرت صحيفة “تشاينا ديلي” رسماً كاريكتيرياً يظهر شخصاً يحمل ميزان العدل في يد، وفي اليد الأخرى يقطع بالسيف سلاسل القيد المتصلة بساق المسؤولة المالية، والممسك بها من الطرف الآخر وحشٌ يرمز إلى الهيمنة الأميركية.

ثلاث سنوات من التعبئة الصينية حول قضية مينغ وانتشو

وكانت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية خوا تشون يينغ، قد وصفت قضية مينغ بأنها عملية اعتقال تعسفي، وحادثة اضطهاد سياسي لمواطن صيني بهدف قمع شركة الاتصالات الصينية. وبالرغم من أنه لم تتم الإشارة إلى الصورة التي سويت فيها القضية، فإن مراقبين يعتقدون بأن الأمر تم ضمن صفقة تبادلية مع السلطات الكندية، خصوصاً وأنه في نفس اليوم الذي عادت فيه مينغ إلى بلدها، أطلقت السلطات الصينية سراح الكنديين مايكل سبافور، ومايكل كوفريغ، المتهمين بقضايا تجسس، وهي مسألة لا تتسامح معها بكين تحت أي ظرف.

عن الاحتفاء الصيني غير المسبوق بهذا الحدث، قالت أستاذة العلاقات العامة في جامعة تيانجين، تسو لينغ، متحدثة لـ “العربي الجديد”، إنّ “ذلك ثمار جهود استمرت ثلاث سنوات في التعبئة الشعبية من خلال وسائل الإعلام المحلية، وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث كان من المهم توعية الشعب الصيني بقضية مينغ وانتشو وخلفيتها السياسية”. وأضافت أن “عريضة أطلقتها صحف حكومية في وقت سابق للمطالبة بإطلاق سراح المسؤولة المالية، جمعت 15 مليون توقيع خلال أيام قليلة فقط”. ولفتت إلى أن ذلك كان له بالغ الأثر في ممارسة الضغط على أصحاب القرار، كما أشارت إلى دور المواطنين الصينيين المقيمين في الخارج والذين يقدر عددهم بحوالي مائة مليون صيني، في إثارة قصة اعتقال مينغ وانتشو، وتحويلها إلى قضية رأي عام.

وفي ردها على سؤال عن مدى الاستثمار السياسي في هذه القضية، قالت تسو لينغ: “لا شك أن بكين نحجت إلى حد بعيد في استغلال مسألة الاحتجاز التعسفي، لكشف النقاب عن الوجه القبيح للديمقراطية الغربية والتشدق بالحريات العامة”، معتبرة أن قصة مينغ رواية مضادة لما يتم تسويقه في الغرب عن اضطهاد الصين للأقليات المسلمة في إقليم شينجيانغ.

من جهته، اعتبر الحقوقي في جزيرة هونغ كونغ، مارك لام، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “الصين بالغت في التعبير عن فرحتها بالإفراج عن المسؤولة المالية في شركة هواوي، سواء في تغطية رحلة العودة من كندا إلى الصين، والتي بثت على شاشات التلفزة الرسمية، أو في مراسم الاستقبال التي خرقت البروتوكول الصيني، على اعتبار أن مينغ وانتشو ليست سوى مديرة مالية في شركة تتبع القطاع الخاص”. وفي تفسير ذلك، قال لام، “يبدو أن الصين لا تزال تعاني تحت الضربات المتتالية التي توجهها لها الولايات المتحدة، والتي كان آخرها إقامة شراكة أمنية ثلاثية مع بريطانيا وأستراليا لمواجهة التهديد الصيني في المنطقة، والحديث أيضاً عن تأسيس رباعية آسيوية تشبه حلف الناتو تضم اليابان والهند”. لذلك يبدو، حسب قوله، أن “قرار الإفراج عن مينغ وانتشو، جاء برغبة وتوقيت صينيين، بعد أن قررت بكين التنازل والإفراج عن معتقلين كنديين، لتسويق هذا الأمر داخلياً وتصويره على أنه انتصار دبلوماسي، في ظل غياب الرد الصيني على التحديات الحقيقية المتمثلة في علو كعب قوات البحرية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”.

يشار إلى أن السلطات الكندية كانت قد ألقت القبض على مينغ وانتشو، في مطار فانكوفر الدولي في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2018، وذلك بناء على طلب واشنطن، حيث وجهت لها تهم بالاحتيال المصرفي ومحاولة الالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على النظام الإيراني، وقد جاءت تلك الخطوة في ذروة الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، حين فرضت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، عقوبات على شركات صينية عديدة، كانت في مقدمتها شركة هواوي عملاق التكنولوجيا الفائقة الصينية.