فلسطينيو الـ48 وأسرى نفق الحرية: سؤال التضامن والخيانة

 

لم تمر ساعة على خبر اعتقال أول أسيرين فلسطينيين من أسرى نفق الحريّة الستّة الهاربين من سجن الجلبوع، حتّى انتشرت موجة غضب في مواقع التواصل الاجتماعي بين الفلسطينيين، على أشخاص مجهولي الهويّة من مدينة الناصرة قاموا بإبلاغ الشرطة الإسرائيليّة عن مكان الأسيرين يعقوب قادري ومحمود عارضة، في أعقاب نشر الإعلام الإسرائيلي خبرًا مفاده أن من أبلغ الشرطة هو سكّان من مدينة الناصرة، ليتبع ذلك موجة غضب بحق مدينة الناصرة وتخوين أهلها.

بدأت تُتداول أسماء عائلات وصورعديدة دون معرفة مصدرها، كانت واحدة منها الأكثر انتشارًا صورة لشاب من أم الفحم على أنه متطوع في الشرطة الإسرائيليّة وأنه هو من قام بالتبليغ، ليتّضح لاحقًا أن الشاب لا علاقة له واعتقل في أم الفحم في أعقاب مظاهرة مناصرة للأسرى.

أثارت عملية نفق الحريّة أسئلة التضامن والخيانة حول دور فلسطينيو الـ48 في مساعدة الأسرى، كونهم الحضن الأول المحتمل للأسرى بعد الهروب. وكان واضحًا منذ البداية التعاطف الشعبي _وإن لم يكن معلنًا أو ظاهرًا_ مع الأسرى الهاربين رغم عدم معرفة الناس بمعظم الأسرى وأسمائهم، وذلك يعود لرمزية قضية الأسرى في الوجدان الفلسطيني ولبطولة العملية نفسها التي تحاكي خيالًا يحصل في الأفلام.

بدأ الناس في التساؤل في أحاديثهم اليوميّة، كيف سيتصرفون فيما لو صادفوا الأسرى أو شاهدوهم صدفة أو إذا توجه لهم الأسرى أنفسهم طلبًا للمساعدة؟ هل يُقدّمون المساعدة وسرًا؟ أم هل يجب التبليغ كي لا يتعرضوا لملاحقة دولة لديها جهاز استخباراتي يعرفونه جيدًا؟ لم تكن هناك إجابة واضحة في ظل حالة من التوتر العام أصابت المؤسسة الإسرائيليّة أمام فشل منظومة الأمن والقمع في هذه العملية، والتي انعكست بحملات تفتيش واسعة للعديد من البلدات العربيّة القريبة من سجن الجلبوع والمحتمل في أن يتوجّه إليها الأسرى، بالإضافة للحواجز الطيارة اليوميّة وسيارات الشرطة عند مداخل البلدات العربيّة، مع ما يرافقه من إعلام إسرائيلي مُجنّد إلى جانب الحكومة الإسرائيليّة، وبثّه لأخبار كاذبة عديدة شهدناها في هذه العملية، مثل “تواجد 6 سيارات خارج السجن لنقل الأسرى” أو “هدف الأسرى القيام بعمليّات مسلحة” وغيرها من قصص مُزيّفة أو مصدرها الشرطة الإسرائيليّة.

هذا التخبط في الإجابة عن سؤال مساعدة الأسرى الواقع بين الموقف الإنساني وانتماء الفلسطينيين في الداخل للشعب الفلسطيني وبين ما يفرضه القانون الإسرائيلي على مواطنيه، عبّر عنه البروفيسور أمل جمّال في مقابلة صحافيّة (في إذاعة الشمس) مؤخرًا، التي أعقبها موجة تحريض إسرائيليّة بحقه وتطالب بمحاسبته. قال جمّال المحاضر في جامعة تل أبيب “إذا لجأ إلي أحد الأسرى الفارين، كيف كنت سأتصرف؟ من جهة هناك القانون والاتهام بخيانة الدولة، ومن جهة أخرى هناك الوجدان الإنساني الذي يفرض علي إيواء شخص بحاجة لمساعدة، وهذا جزء من الواقع المعقد الذي يواجهه كل مواطن فلسطيني في الداخل”. وحين سأله المذيع حول إجابته الشخصية على هذا السؤال الافتراضي على خلفية الواقع المركب الذي يعيش فيه الإنسان الفلسطيني في الداخل، أجاب جمّال: “هذا تساؤل لا يوجد عليه إجابة قاطعة واضحة، هذا أمر حيثياتي، يجب التعامل معه في الواقع، لا توجد إجابة صحيحة، كل إنسان يمكن أن يتعامل معه بشكل مختلف. وحسب رأيي أن كل تعامل إنساني في هذه الحالة هو شرعي. هذا يعني في حال تصرفت بشكل إنساني وقدمت المساعدة، يجب أن أتحمل المسؤولية القانونية عن ذلك، هذا جزء من التعامل مع منظومة القانون الاسرائيلية، التي تريد أن تثبت القيود حول تعاملنا مع مثل هذه المواضيع”.

إلا أن الإجابة القاطعة على هذه التساؤلات جاءت من الأسرى أنفسهم، فبحسب المحامي خالد محاجنة المترافع عن الأسير محمود العارضة ، فإن الأسرى امتنعوا عن الدخول للبلدات العربيّة لما قد يشكّل دخولهم من موقف صعب على أهالي البلدة أو في توريطهم بأي مسؤوليّة “جنائيّة” بحسب القانون الإسرائيلي. في نفس الوقت؛ يبقى احتمال تلقيهم مساعدة عفوية أمرًا واردًا ليبقى سرًا طي الكتمان، كما قد يكون هناك من قام بالإبلاغ عن معلومات قد تكون مساعدة للأمن الإسرائيلي.

وقد نشهد تحميلًا لقضية الأسرى على ظهر قضايا أخرى لا علاقة لها بها، مثل مناكفات مناطقية مثلما حصل في لعبة كرة قدم بين فريق الناصرة وأم الفحم في الأيّام الأخيرة، في فيديو انتشر لهتاف جمهور أم الفحم ضد جمهور الناصرة يقول “يا نصراوي يا خنزير يللي سلّمت الأسير”، مع العلم أن الهتاف الأهم الذي خرج في قضية الأسرى هو هتاف لعشرات الشباب والصبايا من أمام محكمة الصلح في الناصرة أثناء جلب الأسرى للمحكمة، الذي وصل إلى مسامعهم ورفع من معنوايتهم بشكل كبير بحسب ما نقله المحامون.

تحاول المؤسسة الإسرائيليّة دومًا استغلال المواقف لصالحها حتى تلك التي تصاب فيها بفشلٍ أو حرجٍ، فتبثّ أخبارًا كاذبة وتتّبع سياسة التخويف والترهيب. مع ذلك هذا لم يمنع الناس من التعبير بشكل واضح عن تضامنهم وتأييدهم للأسرى، ولا في أن تخرج مظاهرات عدّة دعمًا للحركة الأسيرة الفلسطينيّة في الداخل الفلسطيني.