ميسون الباجه جي: هذا وقتٌ مهم لنقل قصصنا إلى الشاشة

استغرق العمل في “كلشي ماكو” للمخرجة ميسون الباجه جي نحو 10 أعوام، منذ الكتابة حتّى المشاركة في أول مهرجان سينمائي، “مهرجان ساراييفو السينمائي”، بداية أغسطس/ آب 2021. الفيلم، الذي شاركت الباجه جي في كتابته مع الأديبة العراقية إرادة الجبوري، واجه تحدّيات عدّة، أخّرت تنفيذه.
بمناسبة جديدها، حاورت “العربي الجديد” الباجه جي عن السينما والإنتاج والتفاصيل الفنية والتقنية:

* بداية، ماذا عن الأسباب التي أخّرت تنفيذ “كلشي ماكو”؟

أولاً، القصّة مركّبة، تحتوي على شخصيات عدّة، ثم إنّي مُقيمة في لندن، وشريكتي في الكتابة، إرادة الجبوري، مُقيمة في بغداد، وهذا يؤخّر ولو قليلاً العمل على نسخة جديدة من السيناريو. كنا نستغرق وقتاً أطول في إعادة الكتابة ممّا كنا سنستغرقه عادةً في حال كنّا مُقيمتين في المدينة نفسها، ونتشارك مكان العمل نفسه. كذلك، يُقيم شركائي في الإنتاج في مدنٍ مختلفة. أيّ أنّنا كنّا متباعدين جغرافيّاً لفترة طويلة، في الوقت الذي كنّا ننكبّ فيه على تطوير المشروع. إلى جانب التحدّيات التي واجهتنا في عمليتي الإبداع والتنظيم، بذلنا جهداً كبيراً في إقناع المموّلين بدعم المشروع. بعضهم تردّد، لأنّ تجربتي تقتصر على إخراج الوثائقيات. آخرون كانت لديهم تساؤلات عن الطبيعة المُركّبة للسرد. لهذه الأسباب، ولغيرها، كان الدعم الذي وفّره لي المنتجون في الكويت وفرنسا وألمانيا مهماً جداً، إذ شجّع بعض المموّلين ومنحهم مزيداً من الثقة. بالإضافة إلى ذلك، هناك عراقيل إنتاجية دائماً: لفترة طويلة، لم نكن متأكّدين مما إذا كنّا سنستطيع تصوير الفيلم بكامله في العراق، لأسباب أمنيّة. لذا، استكشفنا مواقع واسعة النطاق في الأردن.

* ماذا عن فكرة الفيلم، والأسلوب الذي اعتمدِته في الإخراج؟

“كلشي ماكو” روائي طويل، تجري أحداثه في منطقة مختلطة في بغداد، في شتاء عام 2006. فيها، يكافح السكّان حفاظاً على أمل هشّ وحسّ مجتمعي، في زمن العنف الطائفي الشديد، وحظر التجوّل ليلاً. تتقاطع قصصهم، بينما يحاولون حماية أحبّائهم، واتّخاذ قرار الرحيل أو البقاء، ومعالجة الضرر الداخلي والخارجي بالموسيقى والفكاهة. يواجه الجميع الظروف القاسية نفسها. القصّة جماعية، لا بطولة لأحد فيها، بل كلّ واحدة منها تتمتّع بالقدر نفسه من الأهمية. برأيي، يُمكن إدراج الفيلم في أسلوب الواقعية الشعرية.

* إنّه أول روائي طويل لك. أليس كذلك؟

بما أنّي أشتغل في المونتاج، عملت في مسلسل تلفزيوني في المملكة المتّحدة، وفي فيلمين روائيين للمخرج البريطاني جون ساندرز، إلّا أنّها المرّة الأولى التي أكتب وأخرج فيها فيلماً روائياً طويلاً. وكما قال لي كثيرون في مرحلة تطوير السيناريو، “كلشي ماكو” مشروع طموح جداً ليكون باكورة أيّ مخرج. إلا أنّي كنت مُتمسكّة، مع شريكتي الجبّوري، بتشارك قصص العراقيين المختلفة في هذه المرحلة، وعدم الاكتفاء بقصّة واحدة تدور حول شخصية واحدة.

* يندرج جديدك هذا ضمن أفلامك المتعلّقة بهموم شعوب المنطقة، وخاصة العراق. لماذا هذا الاهتمام تحديداً؟

صحيح. ينشغل فيلمي الجديد بهموم شعوب المنطقة. إلى جانب أفلامي عن العراق، أنجزت أفلاماً في فلسطين ولبنان ومصر وسوريا وإيران. في جهتنا من العالم، يُنظر إلى شعوبها، في الضفة الأخرى من الكوكب، على أنّها إرهابية أو ضحية. أمضيتُ جزءاً كبيراً من حياتي خارج العراق والمنطقة، لكنّي متجذّرة هنا. أشعر أحياناً كما لو أنّي أعيش على جسر، أطلّ منه على جهتي النهر. هكذا، يمكنني أنْ أخبر الموجودين على الضفة الأولى من النهر عن أشخاصٍ يعيشون على الضفة الأخرى. أشعر أنّ واجبي فعلُ ذلك.

* يتناول الفيلم موضوعاً عراقياً بحتاً. كيف استطعت جمع فريقه وأنت في لندن؟ كيف صنعت أجواء عراقية هناك؟

رغم أنّ شركتي، ومقرّها في لندن، ساهمت في إنتاجه، علماً أنّه تلقّى دعماً من “المعهد البريطاني للسينما”، صُوِّر الفيلم بكامله في العراق، وتحديداً في السليمانية وبغداد. ورغم أنّ السليمانية تشبه بغداد، خصوصاً في ما يتعلّق بالسكن المحلي، تطلّب الأمر حتماً بعض الابتكار الفنّي.
مُهمّ أنْ أُشير هنا إلى هذه المسألة: بما أنّ الفيلم إنتاج مشترك بين فرنسا وألمانيا، توجّب عليّ التعاون فنياً مع مواهب ألمانية وفرنسية. هكذا، تعاونت مع متخصّص فرنسي في المونتاج، وموسيقيّ ألماني في مرحلة ما بعد الإنتاج. وللحصول على تمويل من “صندوق الفيلم الأوروبي”، كان ينبغي عليّ الالتزام بالقوانين الأوروبية المتعلّقة بجنسيات أعضاء الفريق، وكيفية صرف التمويل الأوروبي.
في النهاية، كنتُ أعمل مع فريق مكوّن من جنسيات عدّة، متنوّعة ثقافيّاً، وفيه عدد من النساء. قسم التصوير مؤلّف من بريطانيين وإيرانيين، وقسم الصوت من فرنسيين وعراقيين (من القوميتين الكردية والعربية على حد سواء). مُصمّمة الإنتاج عراقية، والمخرجون المساعدون بريطاني عراقي، وسويدي عراقي، ودنماركية من أصول كرديّة. رئيس قسم الإنتاج سوري بريطانيّ، بالإضافة إلى مواهب إيرانية عدّة.

* تبعاً للسؤال السابق: ماذا عن صعوبات تحقيق الفيلم؟

كما ذكرت سابقاً، تشكّل الفيلم من عددٍ كبير من الممثلين. لهذا، كانت هناك قصص ومشاهد ينبغي تصويرها يفوق عددها بكثير ما يحتويه عادةً فيلم صغير (مدّة الفيلم ساعتان. المحرّر). على هذا الأساس، تمّت زيادة الميزانية، بما أنّ التصوير حصل مع هذا العدد الكبير من الممثلين، القادمين من العراق والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والسويد، فالنفقات تجاوزت المبلغ المُقرّر والمرصود سابقاً.

ونظراً إلى اضطراري إلى توزيع التمويل، لم تكن هناك موارد مالية كافية لمرحلة ما قبل الإنتاج، كما كنتُ أرغب في ذلك. مثلاً، لم تكن هناك “بروفات” مع الممثلين قبل تصوير المشاهد. كما حُرمت من خيار إعادة تصوير بعضها الذي لم ينجح كما تخيّلته أصلاً، لأنّ الوقت كان يداهمني. أما غير المقيمين في العراق، فكانوا يحملون تأشيرات قصيرة الأجل، وبالتالي، كان ينبغي عليّ الالتزام فعلياً بجدول زمني صارم. جدول زمني ضيق كهذا أثَّر على القسم الفني في مرحلة التصوير في السليمانية، لأنّ فريق التصميم اضطرّ إلى إعادة تصميم مَشاهد عدّة في مدّة زمنية قصيرة للغاية. مُصمّمة الإنتاج، ريا عاصي، ومساعدها عبد الله خالد، قدّما عملاً مذهلاً في هذا الصدد. دعمهما للفريق الفني الإيراني رائع. للمنتج المحلّي في السليمانية، فؤاد جلال رشيد (ماستي فلم للإنتاج)، دور إيجابي مهم أيضاً.
في بغداد، تعاونّا مع “شركة عشتار للإنتاج”، بإدارة هدى الكاظمي. ساعدني منتجون محليون، بشكلٍ كبير، في التغلّب على مصاعب الإنتاج التي واجهناها، ومنها أحياناً سوء الأحوال الجوية، كالأمطار والفيضانات. في النهاية، كنت أعمل بوجود 5 لغات في موقع التصوير، ما شكّل مصدر سعادة، من دون أنْ يخلو الأمر من التحدّي. في أحيانٍ عدّة، كان على أحدهم ترجمة تعليمات معينة لفريق عمله: أحياناً إلى العربية، وأحياناً أخرى إلى الفارسية. لكن الجميع كانوا منسجمين مع بعضهم البعض، واستمتعوا كثيراً بهذا التعاون الفني.

* هل لك أن تعطينا فكرة عن مشروعك السينمائي التالي؟

على مدى سنوات، انشغلت بـ”كلشي ماكو”. أخيراً، أستطيع الآن أنْ أفكّر في مشاريعي التالية، لكنّي لا أرغب في التحدّث عنها حالياً. منذ الانتهاء من الفيلم، شاركت في أنشطة ثقافية وسينمائية عدّة. قريباً، ستُقام عروض وحلقات نقاش لبعض أفلامي الوثائقية في برنامج “مخرجات عربيات” في غلاسكو في اسكتلندا. في 10 الشهر الحالي، عُرض في بغداد والموصل، في وقتٍ واحد، فيلمي “العودة إلى بلد العجائب”، الذي صوّرته فيها عام 2004. بعد 3 أيام، شاركتُ في حلقة نقاشية في لندن حول قسم السينما في “كلية سليد للفنون”. إنّه الأول المخصّص للسينما بين كلّ الجامعات البريطانية، وترك أثره عليّ بطرق عدّة.

* ما هو رأيك بما ينجزه الشباب العراقيون في السينما الآن؟ وبالمشهد السينمائي العراقي عامة؟

لطالما كان للعراق فنّانوه وشبابه، الذين عانوا الكثير في حياتهم، نساءً ورجالاً، وهم يسردون قصصاً كثيرة على مسامعنا. أؤمن بأنّهم يتمتّعون بالموهبة والطاقة والرغبة في صنع الأفلام. هذا وقت مهمّ جداً لهم، لنقل قصصهم إلى الشاشة، وإسماع أصواتهم عالياً. في السنة الماضية، كنتُ عضو لجنة تحكيم الأفلام القصيرة في “مهرجان عمان السينمائي”. دُهشتُ بقوّة وعمق فيلم من 7 دقائق، مُصوَّر في الموصل، للشاب العراقي مُهند الطيب. أنا على يقين بأنّ هناك سينمائيين موهوبين في العراق، أسوة به، ستتاح لنا مُشاهدة أفلامهم قريباً.

* أودّ سؤالك عن تجربة “كلية السينما في بغداد”، التي خضتها أنتِ والمخرج قاسم عبد: ما الذي تبقى منها، بعد مساهمتها بشكل كبير في تخريج مخرجين ذوي حضور في السينما العراقية؟

أشكرك على سؤالك عن “كلية السينما” المجانية التي أطلقناها، قاسم عبد وأنا، عام 2004، واضطررنا إلى إغلاقها عام 2012. لكنّنا فخورون بطلابنا، الذين فاز كثيرون منهم بجوائز في العالم، وواصلوا صنع الأفلام.