في رحيل صانع الفرح

ككل أصدقائك، ما زلت لا أصدق… تلك البهجة والضحك والحكايات المستعادة عشرات المرات من دون أن تفقد طرافتها، إذ إنك من القلة الذين عرفتهم يمتلكون ملكةً متجدّدة للطرافة، كل هذا الإقبال الصادم على الحب والفرح والدهشة والسهر والإنغماس حتى فقدان الوعي في الحياة والعيش لا يمكن لصاحبها أن يغيب. “كبيرة المزحة هي يا طارق”، وإذا استمررت فيها طويلا فسوف نصدّقها فعلا. قال لي صديق قبل أيام: “أنا حزين جدا، وعلي أن أفعل أي شيء”. كلنا نشعر أن علينا أن نفعل أي شيء، أن نسترجعك، أن نطرُق باب غرفة نومك ونفتحه، ونلقي على السرير الذي نمت عليه ورفضت الاستيقاظ بعض المِلح. يقولون إن الملح يطرد الشر، ربما يسعفنا ويطرد غيابك، المِلح الذي كنت تتجنّبه خشية ارتفاع الضغط، لكنك احتفظت في مسامّ روحك بما تشاركت منه مع أصدقائك، فأنت أكثر من يصون العيش والمِلح.

هذه المرّة، نسيت العيش والمِلح ورحلت. ما كتبه عنك كل من عرفك يؤكّد الحقيقة. “رحل صانع البهجة”، نادرا ما استخدم أحدٌ مفردة البهجة مع الموت. في حالتك، كانت المفردتان مترافقتين، وكأن في هذا الترافق إصرارًا على تأكيد رحيلك. منذ وصلت إلى مصر في 2012، وأنا أسمع باسمك، قبل أن أتعرّف إليك بوقت طويل، طارق المرصفي، صانع البهجة في القاهرة ومنطقة وسط البلد، الذي جعل من “الأفتر إيت” ليس فقط مكانا للسهر، بل ملتقى لشباب الثورة في بداية الربيع العربي. حتى السوريون الذين قصدوا مصر أول تغريبتهم، كان “الأفتر إيت” مكانا لالتقائهم. شيء ما في هذا المكان كان يختلف عن أماكن السهر التي تعجّ بها القاهرة، النماذج التي تقصده الفرق الفنية الشبابية (الأندر غراوند) التي تبنّيتَاها، أنت وكريمة، لتكون انطلاقتها في هذا المكان. أغنيات الثورة التي كانت تنتقل من الميادين إلى داخل جدران آمنة، تجد الشابات فيها فسحةً ليكن حرّات من دون أن يتجرأ أحد على التعرّض لهن. كنت وكريمة حريصين على هذا الأمر. لهذا ربما كل من دخل المكان أكثر من عشر سنوات اعتبر نفسه صديقا لكما، فمن يمنحك الأمان هو صديقك حتما.

ما أكثرصنّاع الحزن والكآبة، أينما نلتفت نجدهم. وما أندر صناع الفرح، ذاك أن صناعة الفرح تحتاج إلى حرفية وإتقان، ومن يشبهون حرفيتك في صنع الفرح نادرون. رؤيتك بشعرك الأبيض والابتسامة التي لا تفارق وجهك، وامتنانك الدائم للحياة أنها أعطتك كل ما رغبته، سعة روحك التي تحتوي الجميع، والبراح المهول في كرمك ولطفك ومحبتك، الاتساق المذهل بين أفكارك وحياتك، علاقتك مع أبنائك، مع صديقاتك، مع كريمة زوجتك، جرأتك على خرق تابوات المجتمع من دون صدام فجّ معه، بل بحساسية عالية وفهم عميق للبيئة التي تعيش فيها، ولمفاتيحها المتعدّدة التي عرفت كيف تفتح فيها الأقفال الصدئة من دون أن تزعج أحدا، والأهم من دون ادّعاء أو تشاوف أو تعال على طريقة النخب المؤثرة. لم تعتبر نفسك يوما من النخبة، لكنني أجزم أنك كنت أكثر تأثيرا في تعزيز مفاهيم أولية للتنوير المجتمعي من نخبٍ تنويريةٍ عديدة، ذاك أنك مارست هذا عمليا، ولم تفصله عن موقفك الشخصي من الحدث السياسي منذ ما قبل الربيع العربي وحتى اللحظة التي مشيت فيها.

“طارق مشي يا رشا”.. أخبرتني صديقة على الهاتف باكية. أتذكّر حين تحدثنا عن الموت آخر مرّة وقلت لي: “لقد عشتُ كما اشتهيت أرجو أن أمشي كما أشتهي، بهدوء وأنا نائم، من دون أن أمرض، ومن دون أن أكون عبئا على أحد”. كان ما تمنيته تماما: بهدوء، في سريرك وأنت نائم، حبيبتك إلى جانبك، خفيفا خفيفا مثل روحك. “طارق مشي”، كم تحمل مفردة “مشى” من ألفة تناسبك أكثر من “مات”، إذ من مثلُك يختار أن يمشي في لحظة ما. الموت فيه قطع تام، المشي فيه متابعة، أثق أنك تتابع صنعك الفرح حيث أنت الآن، إذ أينما كنت سوف ترافقك البهجة… مع السلامة، يا طارق، أيها الصديق الاستثنائي.