تعليم مسافر يطا… تلاميذ مجتهدون رغم مصادرة حقائبهم وحياتهم

في العادة، يستيقظ التلاميذ في الصباح ويتهيّأون ليوم دراسي جديد. أمّا تلاميذ مسافر يطا الواقعة في جنوب الخليل، جنوبي الضفة الغربية بفلسطين، فيتحضّرون قبيل توجّههم إلى المدرسة لاحتمال تعرّضهم إلى ملاحقة مرعبة يقودها مستوطنون من تسع مستوطنات مقامة على أراضي المسافر.
ولا تخفي منتهى أبو عرام أنّ “قلبي لا يهدأ على ولدَيّ حامد (الصف الثامن) وعيسى (الصف الثالث) وهما في طريقهما إلى المدرسة”. وتؤكد لـ”العربي الجديد”: “نحن نعيش بالخوف على أبنائنا عند ذهابهم إلى المدرسة صباح كل يوم”. فالتلاميذ في منطقة مسافر يطا يتعرّضون إلى الملاحقة والضرب من قبل المستوطنين الذين قد يقطعون الطريق عليهم فيمنعونهم من مواصلة مسيرهم إلى المدرسة. وقد يقصد هؤلاء جعل التلاميذ يقضون ساعات تحت أشعّة الشمس اللاسعة صيفاً، مثلما حصل مع انشراح أبو جندية التلميذة في الثانوية العامة التي تفوّقت على الرغم من ملاحقتها من قبل المستوطنين في الصيف الماضي وتأخّرها عن الامتحانات الوطنية وخسارة بعض الوقت.

في سياق متصل، في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كانت هيام النواجعة من قرية سوسيا شرقي مسافر يطا تعدّ طعام الغداء، عندما سمعت أصوات أطفال تصرخ فزعاً “مستوطن مستوطن”، وتقول “لكنّني لم أتوقّع قطّ أن أجده في مطبخي”. تخبر هيام “العربي الجديد”: “كنت أقلّب شرائح البطاطس في زيت القلي قبيل عودة أبنائي الثلاثة من المدرسة، عندما وصل ابني أحمد (11 عاماً) وأمسك بي بقوّة، خوفاً من اعتقاله من قبل عناصر شرطة الاحتلال”. تضيف هيام أنّه “كان في الصف الخامس حينها، وراح يحاول الاحتماء بي، بعدما  اقتحم مطبخي أحد عناصر شرطة الاحتلال وحراس مستوطنة سوسيا المقامة على أرضنا”. وكلّما شدّ أحمد ملابس والدته وهو مرتعب من احتمال اعتقاله، تشبّثت هيام أكثر بالدفاع عنه رافضة تسليمه إلى الشرطي الذي ظلّ يشدّ بها بدوره حتى أسقطها أرضاً. فارتطم رأسها بأرضية المطبخ وفقدت وعيها على الفور. وتتابع هيام: “حينما أفقت، صرخت: أين أحمد؟ وبعد دقيقة ربّما، وقفت لأجد عناصر آخرين من شرطة الاحتلال في ساحة المنزل يحاولون أخذ ابني. ونتيجة صراخي تجمّع الناس من حولي. حاول الشرطي إخباري بأنّه لن يعتقل أحمد، لكنّهم تعاملوا معنا بطريقة وحشية. وحتى الآن، لا أعرف كيف سحبوه من بين يدَي”. وتذكر أنّها راحت حينها تحذّر شرطة الاحتلال من اعتقال ابنها بصوت عالٍ: “لن أسمح لكم بأخذ أحمد”. وبعد وقت قليل، أفلتوا أحمد بعدما وصل والده نصر النواجعة بصحبة نشطاء أجانب شغّلوا كاميراتهم وعدسات هواتفهم، فتغيّر سلوك شرطة الاحتلال.

يُذكر أنّ أحمد وعند مروره إلى جانب مستوطنة سوسيا المقامة على أراضي قرية سوسيا الأصلية التي سيطر عليها المستوطنون وهجّروا أصحابها ليقيموا على مقربة منها سوسيا الجديدة، راح ينظر إلى إحدى اللافتات. فبدأ الحراس بملاحقته، مدّعين أنّه هو من يعمد إلى تخريبها في كلّ مرة. وراح أحمد يركض طوال الطريق بحثاً عن الأمان الذي وجده في والدته التي كانت تعدّ له الطعام. وبحسب ما تشير هيام، فإن ابنها وفي خلال هروبه وهو أمر مرعب بالنسبة إلى طفل في مثل سنّه، أوقع حقيبته المدرسية ربّما خوفاً وربّما ليتمكّن من تخفيف الحمل عليه فيسهل الركض.

تجدر الإشارة إلى أنّ ما حدث مع أحمد النواجعة أتى في “منطقة إطلاق النار” من مسافر يطا تحديداً التي تضمّ أربع مدارس يتابع أبناؤها تعليمهم فيها، هي مدرسة المسافر الإعدادية والثانوية في قرية الفخيت، ومدرسة جنبا الابتدائية، ومدرسة المجاز، ومدرسة سوسيا الأساسية المختلطة. ويعرف التلاميذ فيها رحلة صعبة، تبدأ من منزل مهدّد بالهدم مروراً بطريق محفوف باعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال وصولاً إلى مدرسة.
وبعدما تمكّنت هيام النواجعة من إفشال محاولة اعتقال ابنها أحمد، عثرت على طفلَيها الآخرَين ليث (الصف الخامس) وداليا (الصف الثاني) مختبئَين تحت أثاث المنزل. وتقول: “لا أستطيع وصف وجهَي ليث وداليا بعد الحادثة من شدّة خوفهما… هما اختبآ حين ظنّا أنّ الاعتقال سوف يطاولهما كذلك. وقد هرعا باكيَين حين رؤيتي”.

طريق محفوف بالمستوطنين
من جهته، لم يعد محمد موسى شحادة، أبو طايل، يخشى على أبنائه من التعرّض إلى اعتداءات من قبل المستوطنين في طريقهم إلى المدرسة، فهم كبروا وتزوّجوا. لكنّه اليوم يقلق على أحفاده البالغ عددهم 11 حفيداً. ويقول أبو طايل لـ”العربي الجديد”: “بالتأكيد أخشى على أحفادي التلاميذ، علماً أنّ جزءاً منهم يقصد مدرسة المجاز وجزءاً آخر مدرسة المسافر”. ويسأل: “هل تعلمون أنّ مركبة واحدة رباعية الدفع تُخصّص لنقل التلاميذ هنا؟ وهل تعلمون كم تبلغ درجات الحرارة في مناطقنا؟ وهل تعلمون أنّه عند تعطّل المركبة في منتصف الطريق، يكمل أبناؤنا الطريق المقفرة سيراً على الأقدام؟”، موضحاً أنّ “هذا ما يرفع احتمال تعرّضهم إلى أذى من قبل المستوطنين. ويُضاف إلى ذلك أنّنا على أبواب الشتاء، وهذا الموسم صعب جداً على تلاميذ المسافر. فنحن نخشى عليهم من السيول كما من المستوطنين. فأحياناً ينقطعون عن الذهاب إلى المدرسة خوفاً من أن تجرفهم السيول”.
ويشكو أبو طايل من أنّ “طرقات مسافر يطا غير معبّدة، إذ أبقى عليها الاحتلال وعرة. بالتالي لا يمكن لمركبة عادية أن تكمل مسارها بسهولة، وربّما تأخذ المركبات رباعية الدفع وقتاً إضافياً للوصول إلى وجهتها أو نقل التلاميذ. فبدلاً من أن يستغرق نقل تلميذ من منطقة المجاز إلى بير العد 15 دقيقة، قد يتطلّب ساعة ونصف ساعة، عدا عن أنّ مركبة الدفع الرباعي تتّسع لخمسة تلاميذ لكنّنا نحشر فيها 20 وهي تعمل لمصلحة أربع مدارس”.

ولا يكفي أن تكون حال الطريق والمركبة كذلك، فيزيد المستوطنون الرحلة صعوبة. جزء من غلاتهم متمترس في حزام المستوطنات التسع حول خاصرة الخليل الجنوبية الملتحمة برأس النقب جنوباً، وقد يقطعون الطريق على التلاميذ وقد يرمون المسامير أو قطعاً من الحديد لتخريب عجلات المركبات، الأمر الذي من شأنه تأخير موعد بدء الحصص المعتاد.
ويقول المدرّس حمزة أبو عرام من مدرسة المجاز الابتدائية في قرية المجاز شرقي المسافر لـ”العربي الجديد” إنّ “عدداً كبيراً من التلاميذ يتأخّرون بفعل مضايقات المستوطنين، ما يضطرنا إلى تأجيل الحصص أو إعادة شرح الدروس للتلاميذ المتأخرين. وهذا يتطلّب وقتاً أكبر من المعتاد ويستنزف العملية التعليمية”. ويخبر أبو عرام أنّ “الحصص تبدأ في الساعة الثامنة صباحاً، وقبل أسبوعَين تأخّر التلاميذ بسبب تعطّل مركبة الدفع الرباعي الوحيدة المتوفّرة لتقلهم هم وتلاميذ مدارس ثانية، فاضطررت إلى البدء بشرح درس رياضيات في الساعة التاسعة”. ويتساءل: “ماذا نفعل؟ هؤلاء تلاميذنا وأمانة في أعناقنا”.

الصف المهدد بالخوف والهدم
يحاول مدرّس اللغة العربية حاتم مغنم التعامل مع ما يواجهه تلاميذه في مدرسة الفخيت الأساسية والثانوية وسط المسافر من حالات رعب نفسي وترويع بفعل الانفجارات وأصوات التدريب العسكري الذي تقوم به قوات الاحتلال في المنطقة في أثناء الحصص، عدا عن تحليق الطائرات المستمر. ولا ينسى مغنم الإشارة إلى ما يتعرّض له التلاميذ كذلك عندما تنفّذ قوات الاحتلال عمليات هدم لبيوت الأهالي.
ويقول مغنم لـ”العربي الجديد”: “أشعر بالحزن إزاء أحوال تلاميذي، خصوصاً أنّني من مدينة يطا التي تُعَدّ الأفضل حالاً من المسافر. فنحن لدينا طرقات معبّدة وبيوت حجرية ومركبات وحافلات لنقل التلاميذ ومتنفّس ترفيهي للأطفال. أمّا تلاميذي في المسافر فلا يملكون أياً منها. وأوجّه نداء إلى كلّ المؤسسات والجهات الفلسطينية الرسمية لتهتم بمدارس مسافر يطا وتلاميذها”.

وثمّة 300 تلميذ في منطقة المسافر الأكثر تعرّضاً إلى التهديد، علماً أنّها 14 قرية في التجمّع البدوي في منطقة إطلاق النار من أصل 35 قرية، يتوزّعون على أربعة مدارس. ويهرب تلاميذ المسافر من احتمال هدم منازلهم إلى طرقات غير آمنة تهدّد حياتهم وإلى مدارس وصفوف مهدّدة بالمصادرة. فمدرسة الفخيت في قلب المسافر التي تستقبل نحو 100 تلميذ، صدرت أوامر هدم لمبانيها منذ عام 2012. لكن بفعل الضغط الشعبي والإعلامي، لم تنفّذ حتى الآن، علماً أنّه في عام 2014، حين وصلت جرافات الاحتلال ودباباته إلى مشارف المدرسة، رأى التلاميذ أحلام مواصلة تعليمهم وهي تتبدّد أمام أعينهم وإن لم يُنفّذ الهدم. ويقول مدير مدرسة المسافر هيثم أبو صبحة لـ”العربي الجديد” إنّ “تلاميذ المدرسة واجهوا مشهداً محتملاً لهدم المدرسة، وقد رأيت الخوف في أعينهم. لكنّ هذا المشهد ليس غريباً على تلاميذنا، فلا يوجد تلميذ في المنطقة لم يُهدم له منزل أو رأى بأمّ عينه منشأة تنهار أمامه عشرات المرّات”.
ويضطر بعض الأهالي إلى الاستعانة بمرشد نفسي للتخفيف من أثر ما يتعرّض إليه أطفالهم من قبل الاحتلال والمستوطنين وتخطّيه. فمن شأن ما يواجهونه أن يصيبهم بتشتّت ذهني وخوف وما إلى ذلك، بحسب ما يؤكد كثيرون. ويشير هؤلاء إلى مواجهتهم صعوبة كبيرة لإقناع أبنائهم بالتوجّه إلى المدرسة، إذ يخشون تعرّضهم من جديد إلى استفزازات قوات الاحتلال ومستوطنيه.

وعلى الرغم من كلّ ما يعانيه تلاميذ مسافر يطا، فإنّهم يتفوّقون ويسجّلون علامات جيّدة في المراحل الدراسية المختلفة. وفي هذا الإطار، يقول مدرّس الرياضيات في مدرسة جنبا، نبيل يونس، لـ”العربي الجديد”: “لا أبالغ إن قلت إنّ النسبة العظمى من تلاميذ المدرسة يصلون إلى مستوى تحصيل دراسي جيد جداً”. وبحسب يونس، فإنّ “لدى التلاميذ تحفيزاً ودفعاً إلى النجاح وحبّ التعلم، لكنّ ظروفهم تختلف عن ظروف التلاميذ الآخرين”. ويوضح: “حتى لو استثنينا الاحتلال واعتداءات المستوطنين، لا يمكننا تجاوز مسألة أنّ تلميذ المسافر هو تلميذ منتج ويعمل مع عائلته في الرعي والزراعة والاعتناء بالماشية، وهذا يزيد العبء عليه. وكي أكون صريحاً، فإنّ همّ تلميذ المسافر أكبر منه”.