السودان: شراكة العسكر والمدنيين تترنّح

يخوض شريكا الحكم في السودان، العسكر والمدنيون، معارك كلامية وسجالاً سياسياً، قد تنتهي بفضّ الشراكة بينهما، والعودة إلى نقطة الصفر قبل عامين. وتعود أسباب تلك المعارك إلى محاولة انقلابية جرت يوم الثلاثاء الماضي، ونفذّها أكثر من 20 ضابطاً في الجيش السوداني، باءت بالفشل في ساعاتها الأولى، قبل أن يتبادل المكونان العسكري والمدني في السلطة الانتقالية، تحميل المسؤوليات بشأن ما جرى للطرف الآخر. المكون المدني، ممثلاً في حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وأعضاء مجلس السيادة من المدنيين، بادروا بالكشف باكراً عن المحاولة الانقلابية وإدانتها، واتهام النظام السابق بالتورط فيها. وسارع المكون المدني، بينما كانت محاولة تنفيذ الانقلاب قائمة، إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام للدعوة إلى التصدي للمحاولة وحماية الانتقال الديمقراطي، ما ساهم إلى حدّ بعيد في إحباطها. وفي أول تعليق له إثر فشل الانقلاب، رأى حمدوك أن ما حدث يُعتبر انقلاباً مُدبّراً من جهات داخل القوات المسلحة وخارجها، ويمثل امتداداً لمحاولات الفلول منذ سقوط النظام السابق من أجل إجهاض الانتقال المدني الديمقراطي. ونوّه إلى أنه سبقت المحاولة تحضيرات واسعة، تمثلت في الانفلات الأمني في المدن واستغلال الأوضاع في الشرق ومحاولات قطع الطرق القومية وإغلاق الموانئ وتعطيل إنتاج النفط والتحريض المستمر ضد الحكومة. ومن الواضح أن المكون المدني حرص في ردود أفعاله الأولى على تجنب مهاجمة المكون العسكري، ولم يتهمه لا بالتورط في المحاولة ولا التواطؤ معها أو السكوت عنها، بل إن حمدوك نفسه أكد أن الانقلاب يستدعي مراجعة كاملة لتجربة العملية الانتقالية بكل شفافية ووضوح، للوصول إلى شراكة مبنية على شعارات ومبادئ الثورة، وطريقاً يؤدي إلى الانتقال المدني الديمقراطي لا غيره.

حزب الأمة: الحل الوحيد بجلوس الجميع على طاولة الحوار

 

في المقلب الآخر، تأخر المكون العسكري في إصدار بيان حول المحاولة الانقلابية، وانتظر حتى زيارة رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، لسلاح المدرعات، البؤرة الرئيسية لتنفيذ المحاولة الانقلابية الفاشلة. وبدلاً من إدانة الانقلاب، وجّه البرهان رسائل حادّة ضد المكون المدني، واتهمه بالفشل الحكومي وبالتسبب في التردي الاقتصادي. وفي اليوم التالي صعّد البرهان من جهته تجاه المدنيين، معتبراً أثناء تخريج جنود في القوات الخاصة، أن همهم الوحيد هو القتال من أجل الكرسي. ورأى أن المكون المدني تجاهل معاناة المواطن وركّز الإساءات ضد القوات المسلحة، مشيراً إلى أن هذه القوات تمثل الضمان الأوحد لوحدة السودان وتماسكه وتحقيق قيم الحرية والعدالة والسلام، ولا تقبل أي تسلّط عليها من أي جهة سياسية. ونفى البرهان صلة العسكريين بما يجري في الشرق السوداني، من احتجاجات يقودها المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، من أجل إلغاء مسار شرقي السودان في مفاوضات جوبا للسلام، وحل الحكومة الانتقالية، وتشكيل حكومة كفاءات. ووصف البرهان تلك الأحداث بـ”السياسية”، ويجب “حلحلتها قبل أن تتفاقم”، متهماً الحكومة بإقصائهم من مبادرة رئيس الوزراء، الهادفة لتوحيد قوى الثورة. أما نائب رئيس السيادة، قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، فقد كان في حديثه في المناسبة نفسها، أكثر عنفاً تجاه السياسيين. وقال إنهم منحوا الفرصة لحصول الانقلابات، بسبب إهمالهم حقوق المواطن وراتبه وخدماته الأساسية، وانشغلوا بالصراع على الكراسي وتقاسم المناصب، مما خلق حالة من عدم الرضى وسط المواطنين. وشدّد على أن العسكريين لم يبخلوا بشيء منذ اليوم الأول في التغيير، وسخروا كل إمكانيات القوات النظامية من أجل المصلحة العامة والاستقرار، والحفاظ على الفترة الانتقالية وتحقيق شعارات الثورة، وصوناً للشراكة التي وقعت بين الطرفين. لكنه أشار إلى أن كل ذلك لم يُقابل من الذين يصفون أنفسهم بالشركاء، إلا بالإهانة والشتم ليل نهار لجميع القوات النظامية، متسائلاً: “كيف لا تحدث الانقلابات والقوات النظامية لا تجد الاحترام والتقدير؟”. وبعد كلمتي البرهان وحميدتي، قرّر المكون المدني التصعيد تجاه المكون العسكري، وخرج خمسة مسؤولين في الحكومة المدنية، وعدد آخر من قيادات تحالف الحرية والتغيير الحاكم، إلى الإعلام في حوارات مباشرة للرد على التصريحات. وعادت بعض القيادات بعد غياب طويل، للكتابة على منصات التواصل الاجتماعي، مع التركيز على إدانة خطابي البرهان وحميدتي. ولوّحوا بالعودة إلى نقطة الصفر بالخروج إلى الشارع الثوري، لمواجهة أي خطوات تصعيدية للمكون العسكري، إذا اختار المواجهة.

كما عقد تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير اجتماعاً طارئاً أصدر بعده أمس الخميس بياناً شديد اللهجة، عدّ فيه خطابي البرهان و”حميدتي” حول المحاولة الانقلابية، نكوصاً عن التحول الديمقراطي، وضد أجندة الثورة. وأوضح البيان أن الحديث حفل بمغالطات واتهامات لا أساس لها من الصحة ضد قوى الحرية والتغيير، مشيراً إلى أن ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 المجيدة رسمت مساراً واضحاً للانتقال، توافقت عليه قوى الثورة والتغيير في الوثيقة الدستورية. واعتبر البيان أن لا مجال لإجهاض هذا المسار، أو خطفه بأي قوة كانت، مستنكراً القول إن القوات المسلحة وحدها التي أجهضت المحاولة الانقلابية، ومؤكداً أن إحباط الانقلاب هو نتاج يقظة أبناء الشعب السوداني الوطنيين في القوات المسلحة وحيوية وقوة قوى الثورة السودانية، والتي لن تسمح لأي انقلاب بالتسلّط على رقاب الشعب، مرة أخرى. واعتبر البيان أن حديث رئيس مجلس السيادة الانتقالي ونائبه هو تهديد مباشر لمسار الانتقال الديمقراطي ومحاولة لخلق شرخ بين قوى الثورة المدنية وقوات الشعب المسلحة، وتقويض للأسس التي قامت عليها المرحلة الانتقالية والتي لا تعرف سوى طريق واحد هو التحول المدني الديمقراطي، الذي يريد رئيس مجلس السيادة ونائبه النكوص عنه “وهو ما لن نسمح به وسنتصدى له بكل قوة وصرامة”. كما أجمعت القوى السياسية المشاركة في الحكم، في بيانات منفصلة، على أن واحدا من أهم أسباب تنفيذ المحاولة الانقلابية هو تلكؤ المكون العسكري في إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية، وعدم تطهيرها من عناصر النظام السابق، والتباطؤ من المكون العسكري في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية الوارد في اتفاق السلام الموقع بين الحكومة وعدد من الحركات المسلحة.

دعوة لتشكيل حكومة مصغّرة لإدارة الأزمة بأقل عدد من الوزراء 

 

وحول هذه التطورات، رأى المستشار الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، فيصل محمد صالح، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، أن دافع توجهات البرهان وحميدتي، ينبع من عدم رغبتهما في انتقال رئاسة مجلس السيادة للمكون المدني في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، طبقاً لما تنص عليه الوثيقة الدستورية. وأكد أن المكون المدني رفض من قبل مقترحاً من المكون العسكري لتمديد فترة رئاستهم لمجلس السيادة. ووفقاً لكل التطورات، فإن التوقعات والمآلات باتت مفتوحة على كل الاحتمالات، ولكل طرف مصادر قوة يعتمد عليها. فالمكون العسكري، فيما يبدو يراهن على القوة العسكرية، وعلى دعم يجده من مكونات اجتماعية مثل بعض زعماء القبائل وبعض من رجال الدين. كما أن أحزاباً سياسية انشقت من تحالف الحرية والتغيير، بدأت في التقارب معه والوقوف لجانبه. أما المكون المدني، فيراهن أولاً على الشارع الثوري، والآليات التي قادت الثورة ضد نظام البشير، رغم الانشقاق الذي حدث فيها في فترة من الفترات، لكنها متفقة من حيث المبدأ على مناهضة أي عسكرة للحكم من جديد. كذلك يعتمد المكون المدني، خصوصاً حكومة رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، على الدعم والتمسك الدولي بالمدنيين كعنوان رئيسي في سودان ما بعد الثورة. وقد تباهى مجلس الوزراء في بيان له، أمس الخميس، بعدد بيانات الإدانة الدولية والتنديد بالمحاولة الانقلابية، التي ظلت تتوالى من مختلف الدول، ومختلف المنظمات الدولية والقاريّة والإقليمية. وأشاد المجلس بشكل خاص بالبيانات الصادرة من الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، و”الترويكا” (الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج)، و”إيغاد” (الهيئة الحكومية للتنمية)، والسعودية، وقطر، ومصر، والأردن، والإمارات، وعدد آخر من الدول. وثمّن بيان الخارجية الأميركية الذي أفصح عن جهود الإدارة بقيادة الرئيس جو بايدن ومختلف الشركاء، لحشد دعم كبير لمساعدة السودان على تحقيق أهدافه الاقتصادية والأمنية.

وحول تسارع التطورات يقول الواثق البرير، الأمين العام لحزب الأمة القومي، أحد أعمدة تحالف الحرية والتغيير، في حديثٍ مع “العربي الجديد” إن الحزب سبق أن تنبأ بثلاثة سيناريوهات يمكن أن تحدث أثناء الفترة الانتقالية. السيناريو الأول هو الفوضى، والسيناريو الثاني عودة النظام العسكري، أما السيناريو الثالث فمرتبط بإجراء انتخابات مبكرة. ويشير إلى أن سيناريو عودة الحكم العسكري سيلاقي رفضاً واسعاً من جماهير الشعب السوداني وقواه الحية. وفيما يتعذّر في الوقت الراهن إجراء انتخابات مبكرة، أو أن تعمّ الفوضى البلاد، يرى البرير أن الخيار الوحيد المتاح، هو جلوس أطراف الحكم في السودان على طاولة حوار للمكاشفة وإعادة تقييم تجربة السنتين الماضيتين من عمر الانتقال الديمقراطي. ويشدّد البرير، على أن ما صدر من رئيس مجلس السيادة ونائبه خلال اليومين الماضيين مرفوض جملة وتفصيلاً، وسيكون له انعاكاسات داخلية وإقليمية خطيرة. ويرى أن انتقادهما الحكومة والقوى السياسية وإلصاقها الفشل الاقتصادي والأمني والتشرذم في البلاد عليها غير دقيق. ويلفت إلى أن الفشل الأمني، بحسب تقديره، يتحمل مسؤوليته المكون العسكري، الذي لم يعالج قضايا إغلاق الطرق القومية والموانئ الإستراتيجية وتوقيف إنتاج النفط، ولم يتعامل بالشكل الكافي مع الانفلات الأمني في المدن. وبالتالي لا يجوز له مهاجمة الحكومة والأحزاب الحاكمة، حتى أن العسكر يتحمّلون جزءاً من الاخفاق الاقتصادي بسبب عدم حسمهم ظواهر تهريب السلع الاستراتيجية عبر المعابر الدولية التي يشرفون عليها. في المقابل، يقرّ البرير بإخفاق الحكومة والمكون المدني في بعض الجوانب، مشيراً إلى أنه تمت محاولة سدّ الثغرات في الفترة الأخيرة بما في ذلك إعادة توحيد قوى الثورة، بدليل التوقيع على إعلان سياسي جديد في 8 سبتمبر/أيلول الحالي. لكنه يكرر التأكيد على أن الحوار بين المكون العسكري والمكون المدني هو الخيار الوحيد للخروج من عنق الزجاجة.

المكون المدني رفض تمديد فترة رئاسة العسكر لمجلس السيادة
 

أما القيادي في الحرية والتغيير، جمال إدريس، فيرجح تراجع المكون العسكري عن توجهاته الحالية تحت الضغط الشعبي الكبير الرافض لهيمنة العسكر، الذين ليس بإمكانهم بأي حال من الأحوال التقدم إلى الأمام. ويؤكد في حديثٍ مع “العربي الجديد” أن تربص العسكر بالثورة وبالفترة الانتقالية، رغم مخاطره، سينعكس إيجاباً على قوى الثورة التي ستجد نفسها بحاجة ملحّة لإنعاش وحدتها وتوحيد مواقفها وحلحلة خلافاتها السياسية، وذلك من أجل فرض المسار الديمقراطي، وسد الطرق أمام أي مخططات لإجهاضه. ويتوقع إدريس أن تتّحد أجسام الثورة من أحزاب وتيارات سياسية ومنظمات مجتمع مدني ولجان مقاومة، بصورة مشابهة تماماً لتلك الوحدة التي أسقطت نظام المخلوع عمر البشير في العام 2019. ولم يستبعد إدريس تدخل طرف ثالث بمغامرة انقلابية جديدة، لكنه يشدّد على أن الشارع سيتصدى لها أيضاً. وينفي أن يكون اعتماد المدنيين على المجتمع الدولي لحماية التحول الديمقراطي، مؤكداً أن الشعب هو الحارس الأول والأخير للثورة ومبادئها في الحرية والسلام والعدالة. وحول الصدام بين المكوّنين العسكري والمدني، يرى اللواء المتقاعد أمين مجذوب، أن هناك خللاً كبيراً في الشراكة بينهما، وهو ما كشفته التصريحات العنيفة من رئيس الوزراء، ووزير الإعلام ووزير شؤون مجلس الوزراء، من جهة المكون المدني، وتصريحات رئيس مجلس السيادة ونائبه من الجهة الأخرى، مبيناً أن مستقبل الشراكة في خطر حقيقي بسبب تلك الأساليب والتلميحات وتبادل الاتهامات. ويرى مجذوب في حديثٍ مع “العربي الجديد”، أن أفضل السبل للخروج من الأزمة الحالية، هو البحث عن صيغة جديدة وتشكيل حكومة مصغّرة لإدارة الأزمة بعدد أقل من الوزراء وأعضاء مجلس السيادة، لتخفيف التوتر. ويعتبر أن كافة الأجهزة الحالية المشتركة، بما يشمل مجلس الوزراء، ومجلس السيادة، ومجلس الشركاء، ومجلس الأمن والدفاع، والاجتماعات المشتركة، لم تخلق أي نوع من الانسجام والتنسيق والتعاون، ولم تبنِ ثقة بين الأطراف. ويحذّر من أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فسيؤدي إلى انهيار الفترة الانتقالية، خصوصاً أن هناك لاعبين جددا لم يأت ذكرهم، وهي الحركات الموقعة على اتفاق السلام، الصامتة الآن ولم تعلق على المحاولة الانقلابية ولا على تصريحات المكونين. وهو ما يعني أن اتفاق السلام نفسه معرّض للانهيار.