سورية: هذه هي معاناة مرضى السرطان

يشكو مرضى السرطان في سورية بمعظمهم من واقع علاجهم، إمّا من جرّاء نقص الأدوية والكادر الطبي في القطاع العام، وإمّا بسبب التكاليف الخيالية في القطاع الخاص في ما يخصّ الأدوية والمستلزمات الطبية بالإضافة إلى أجور مقدّمي الرعاية الطبية من ممرّضين وأطباء. ويدفع ذلك المصابين بأورام خبيثة إلى اللجوء إلى مستشفى البيروني الجامعي المتخصص في علاج تلك الأمراض في مناطق سيطرة النظام السوري.
عواد الحاج، مواطن سبعيني مصاب بمرض سرطاني، وهو متقاعد يقيم في دمشق مع زوجته. لا يخفي أنّه لم يتمكّن من تأمين تكاليف الأدوية المرافقة للعلاج الكيميائي، إذ إنّ برنامج دعم مناعته في اليوم الواحد يُقدَّر بنحو 80 ألف ليرة سورية، وبالتالي 800 ألف لمدّة عشرة أيام. وقد يطلب الطبيب تجديد العلاج، في حين أنّ راتبه التقاعدي الشهري لا يصل إلى 70 ألف ليرة. يُذكر أنّ السعر الرسمي لصرف الدولار الأميركي الواحد هو نحو 2500 ليرة سورية، فيما السعر في السوق الموازية نحو 3400 ليرة. بالتالي، كان الخيار الوحيد أمامه دخول مستشفى البيروني الجامعي، ليوفَّر له الأدوية والرعاية الطبية اللازمتين. لكنّ معاناة الحاج وأسرته بدأت في البحث عن سيارة أجرة تقلّه إلى المستشفى على طريق حرستا السريع عند مدخل دمشق الشرقي، فأجور السيارات غير مضبوطة وكلّ سائق يقدّر تعرفته بحسب ما يريد. وأقلّ عرض تلقاه كان 15 ألف ليرة، فركب على مضض متوجّهاً إلى المستشفى.

يقول الحاج لـ”العربي الجديد”: “عندما تدخل المستشفى، تلمس ألماً كبيراً. فقد وفد سوريون من مختلف المناطق بوجوههم الشاحبة وأجسامهم الهزيلة فيما أنينهم يملأ المكان. شباب وأطفال ونساء وكبار في السنّ، الجميع ينتظر تلقّي علاجه”. يضيف أنّ “الوضع في المستشفى مزرٍ، فالكادر منهك في حين تحتاج المرافق إلى صيانة. مقاعد كثيرة تبدو متضررة كلياً أو جزئياً، وتجهيزات الحمامات إمّا معطّلة وإمّا رديئة. وإلى جانب ذلك، يتوجّب على المريض في الغالب تغطية نقص الأدوية والمستلزمات على نفقته الخاصة”.
غير بعيد من عواد الحاج، تجلس الثلاثينية سعاد، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها كاملة، وتقول لـ”العربي الجديد”، إنّ “المستشفى وطاقمه يقدّمان كثيراً من الجهد ويعملان على التخفيف عن المواطن أعباء مادية كبيرة، إذ إنّ المرضى الذين يراجعون المستشفى بمعظمهم كانوا ليفقدوا حياتهم لو أنّهم لم يتمكّنوا من تلقّي العلاج، غير أنّ الحاجة أكبر بكثير. وهذه مسؤولية الدولة”. وتوضح سعاد أنّ “المستشفى يعاني من نقص في الأدوية والمستلزمات. وعلى سبيل المثال لا تتوفر أجهزة قسطرة وريدية، علماً أنّ الأدوية بمعظمها تُعطى عبر الوريد”، مضيفة أنّ “الأطباء يعمدون بالتالي إلى تزويد المرضى بوصفات أدوية ومستلزمات طبية يحتاجونها ليؤمّنوها من خارج المستشفى. لكنّ أقرب منطقة مأهولة وتضمّ صيدليات تبعد عن المستشفى 10 دقائق بالسيارة، وهي ضاحية حرستا وسكّانها بمعظمهم من العسكريين. أمّا خدمة النقل هذه، فيؤمّنها موظّفون في المستشفى الذين يستخدمون سياراتهم الخاصة في مقابل خمسة آلاف ليرة. رواتبهم لا تكفيهم كحال مختلف الموظفين في القطاع، الأمر الذي يجعلهم يستفيدون من أيّ فرصة متاحة أمامهم”.
وتلفت سعاد إلى “فساد” يلجأ إليه الجميع في مثل هذه المؤسسات، حتى الموظفون الصغار. وتقول: “إن كنت ترغب في خدمات أفضل، كأن تحصل على غطاء إضافي مثلاً أو ألا يضاف مريض إلى الغرفة التي تشغلها، لا بدّ من أن تكرم الموظّفين بالمال. وعلى الرغم من أنّ تلك المبالغ ليست كبيرة، فإنّها تتراكم في النهاية وتشكّل عبئاً على المريض”.

ويتجنّب أيّ من أفراد الكادر الطبي أو الإداري الحديث صراحة عن واقع المستشفى، فأيّ كلمة خارجة عن السياق قد تكلّف المتحدّث خسارة مصدر رزقه، وذلك في ظروف يعاني فيها المجتمع ككلّ من حالة من العوز والبطالة. وفي هذا الإطار، تكتفي ممرّضة بالتعليق على موضوع نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، فتقول لـ”العربي الجديد”: “بعد قليل، لن تجدوا سواي في المستشفى”.
أمّا زميلة لها فتشير إلى أنّه “لم يعد ثمّة كادر طبي مكتمل، فيما يُسجَّل نقص في أدوية كثيرة فيُطلَب من المريض تأمينها، علماً أنّها كلّها مرتفعة الثمن. كذلك، فإنّ أطباء كثيرين يشككون في فعالية أدوية السرطان التي يُزوَّد بها المرضى، وينصحون بالتالي من يملك الإمكانية بجلب أدوية أوروبية أو أميركية بطريقته الخاصة، ولو عبر مهرّبين، لأنّها أكثر جدوى”. تضيف الممرضة نفسها أنّ “الناس تقبل بهذا الوضع المزري لأنّ المقابل هو مستشفيات القطاع الخاص والتكاليف التي تصل إلى الملايين. فمثلاً كلفة برنامج العلاج بالأشعة الذي يتطلّب خمسة أيام تصل إلى 1.5 مليون ليرة، في حين أنّ جرعة العلاج  الكيميائي الواحدة تبلغ كلفتها نحو 800 ألف ليرة. وحتى ميسورو الحال يعجزون عن تأمين مبالغ مماثلة”.
في سياق متصل، كان مدير الأمراض السارية في وزارة الصحة التابعة لحكومة النظام جمال خميس قد قال في تصريح صحافي، في منتصف العام الجاري، إنّ عدد المصابين بالسرطان في عام 2020 بلغ 17 ألفاً و300 مريض، موضحاً أنّ معدّل الإصابة بالسرطان بلغ 90 حالة لكلّ 100 ألف من السكان، وهو عدد قريب من الأرقام المسجّلة في دول الجوار، فيما تُسجَّل وفاة واحدة بسبب السرطان من بين كلّ ستّ وفيات في سورية. أضاف خميس أنّ أكثر أنواع السرطان شيوعاً لدى النساء هو سرطان الثدي، فيما سرطان الرئة الأكثر شيوعاً لدى الرجال.

إلى جانب ذلك، كانت الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية قد أفادت في تقرير لها أصدرته في سبتمبر/ أيلول من عام 2018، بأنّ “سورية احتلّت المركز الخامس من بين دول غرب آسيا في عدد الإصابات بأمراض السرطان قياساً بعدد السكان، وثمّة 196 شخصاً مصاباً بالسرطان من بين كلّ 100 ألف سوري، و105 وفيات من بين كلّ 100 ألف”.