ستارة قوس النصر: أن تحلم بكلفة 15 مليون يورو

يرى سكان باريس مدينتهم بوصفها عملاً فنياً ضخماً يتجولون داخله، لا فقط لجمالها وتاريخها، بل أيضاً بسبب القوانين الصارمة التي تهدف للحفاظ على شكل المدينة، تلك التي تحمي واجهات الأبنية التقليدية عبر منع نشر الغسيل وتركيب المكيفات، وتحديد شكل يافطات المحلات بصورة لا تلفت الانتباه عن المدينة نفسها. فباريس تحفة تخاطب الفن وأعلامه، وتحتضنهم ضمن قواعد صارمة.
هذه السلطة الجمالية التي تمارسها باريس على نفسها وسكانها، تكسب من “يتنزه” ضمنها حساً بالتفوق الجمالي، ناهيك عن سطوة المدينة نفسها، بوصفها تجلياً للذوق الفني. لكن هذا الذوق، أو الحوار بين المدينة وعالم الفنّ، لم يكن دائماً موفقاً؛ فسكان باريس غاضبون من باقة الورد التي أنجزها جيف كونز و”صمدها” بدعم من بلدية المدينة قرب “القصر الصغير”؛ كون العمل ببساطة بشع، ويتعرض إثر ذلك للتخريب دوماً؛ إذ شكل، بالنسبة لكثير من الباريسيين، وصمة عار في صدر المدينة. يمتد هذا الانتقاد السري والهمسات وأحياناً المقالات المنفردة، ليطاول مركز بومبيدو الفني، وبرج إيفل، والهرم الزجاجي عند مدخل اللوفر.
آخر ما تبنّته سلطة فنياً في باريس، نراه حين دشن الرئيس الفرنسي وزوجته وعمدة باريس الستارة التي تغطي حالياً قوس النصر، بوصفها احتفاءً بالفنان كريستو، الذي رحل عن عالمنا العام الماضي، تاركاً وراءه هذا الحلم الذي راوده عن قوس النصر عام 1962. المقاربة التي سبق له أن أنجز ما يشابهها عام 1982 حين غطى “الجسر الجديد” بستارة، لأجل الاحتفاء بالضوء والريح وتحويل ديناميكية المدينة إلى جزء من تكوين العمل الفني الذي يتغير في كل مرة يخطو فيها عقرب الساعة ثانية إلى الأمام.
سنحاول تجاهل كل التحليلات الجمالية والفنية والكلمات الرنانة المحيطة بهذا العمل، والتي تميل إلى الشعور بالفخر الوطني. كلف هذا العمل 15 مليون يورو من أموال كريستو نفسه، واستخدم فيه 270 ألف قدم من القماش القابل لإعادة التدوير، أي كأن العمل يقول إن المدينة لم تتكلف بشيء، وكل “مخلفاته” تدخل ضمن النظام البيئي.
لكن هناك بعض الملاحظات الصغيرة، إذ نقرأ عن نسر كان يعشش في أعلى القوس، ما أدى إلى تأجيل إنجاز العمل، في نوع من التأكيد على أن كل من “يحيا” في باريس ذو حقوق محفوظة، لكن بعد التأجيل الثاني بسبب الوباء، وقف الرئيس الفرنسي وقال إن باريس “تتيح للأحلام المجنونة أن تتحقق”، أي إن كان قوس النصر احتفاء بحلم نابليون، فهذا الغطاء احتفاء بحلم فنان مهاجر. وهذا بالضبط ما يثير الانتقادات؛ رمز وطني وجزء من الهوية الوطنيّة، أصبح مكاناً للعب الجمالي، ما يعكس سياسة فرنسا: غطاء مؤقت للاحتفاء بـ”الحلم” الأجنبي، غطاء جمالي يخفي تحته القوة العسكريّة والتاريخ الاستعماري، فالعمل أشبه بـ”فلتر”، يقدم صورة عن فرنسا المفتوحة أمام الجميع، لكن هذا الفلتر لا بد أن يتلاشى وتعود الهوية الوطنيّة للظهور لتجثم جمالياً وثقافياً فوق رؤوس سكان المدينة. وهنا يمكن أن نفهم تعليق الناشط اليميني فلوريان فيلبيوت، الذي قال: “كيس قمامة يغطي واحداً من أعظم صروح فرنسا”.
نتفهم وجهة النظر اليمينية هذه كونها لا تستحي من التعبير عن معتقداتها بوضوح، خصوصاً أنها تسخر من اليسار الذي “يفلتر” الهوية الفرنسية، ويزخرفها ويزينها، من دون أي تغيير حقيقي، في رهان على الحلم والحكاية الفرنسية، من دون أثر ملموس على أرض الواقع، ذاك الذي نراه حين يقتحم المتظاهرون قوس النصر ويخربونه، بوصفه علامة على العنف السياسي، هذا العنف الذي لا يمكن لستارة أن تخفيه ببريقها وألقها.
الانتقادات وجهت أيضاً من صديق كريستو المعماري كارلو راتي؛ ففي افتتاحية في صحيفة اللوموند الفرنسية، أشار إلى أن كلفة العمل لن تغير من حقيقة التلوث الذي تشهده المدينة، إعادة التدوير ليست الحل، كونها لن تقلل من انبعاث الغازات، ناهيك عن أن إنتاج هذه الكمية نفسها من القماش لا يختلف عما تسببه صناعة الأزياء من تلوث.

هناك، أيضاً، كما ذكرنا سابقاً، تلك العلاقة بين الهوية الوطنيّة وصورتها، فقوس النصر غلف سابقاً مرةً واحدة بصورة جزئية باللون الأسود، وذلك عام 1885، أثناء جنازة فيكتور هوغو.

الحدث حينها كان احتفاء بواحد من رموز فرنسا، لا كما الآن، محاولة لاحتواء “حلم فنان” ضمن الثقافة الفرنسية، وتحويل قوس النصر إلى “فيل عملاق”. يبدو الأمر أشبه بدعوة فرنسيّة لكل من يحلم، مفادها أننا سنسمح لك بتغطية أي معلم من معالم باريس طالما تدفع من جيبك، متناسين كل القواعد التي تنطبق على سكان المدينة وأحلامهم، لأنهم ببساطة ليسوا من أصحاب الأموال.