الذّات واللّغة والعالَم

ليست الرّغبة هنا، بدءًا، الخوض في قضيّة طال الكلامُ عليها؛ إذ انحسم ذلك الخلافُ الممتدّ في: توقيفيّة اللّغة واصطلاحيّتها، وخلص القومُ قديمًا إلى أنّها مُواضَعة واصطلاح. لكنّ الغاية الوقوفُ على طبيعة توسُّط اللّغة بين الذّات والعالَم: أهي تعبِّر عمّا فيه، أم أنّها تُعيد تشكيلَه وفقَ رؤية الذّات له، وزاوية نظرها إليه؟ وبين هذه وتلك مسافةٌ وجوديّة شاسعةٌ هي نفسُها القائمةُ بين: الحقائق والأوهام، وبالأحْرَى بين: الحقيقيّ والمُتخَيَّل.

وقد ينبغي، هنا، استحضارُ ما قرّره القدماء في التّمييز بين “وُجوداتِ” الشَّيء؛ ولعلّ ما أثبته الغزاليّ في مقدّمة كتابه “المستصفى من علم الأصول” (ص 62) مُوجَزٌ مناسبٌ، ويفي بالغرض. قال أبو حامد: “اعلَمْ أنّ كلّ مَن طَلَب المعاني مِن الألفاظ ضَاع وهَلك، وكان كَمَن اسْتَدْبَر المَغْرِبَ وهو يَطْلُبه، ومَن قَرّر المَعانِيَ أوّلًا في عَقْلِه، ثم أَتْبَع المعانيَ الأَلْفاظَ، فَقَد اهْتَدى. فَلْنُقَرِّر المَعاني أَوّلًا، فنقول: الشّيءُ له في الوُجود أرْبعُ مَراتبَ؛ الأُولى: حَقِيقَتُه في نَفْسِه، الثّانيةُ: ثُبوتُ مِثَالِ حَقِيقتِه في الذِّهْن، وهو الّذي يُعَبَّر عنه: العِلْم، الثّالثة: تَأْليفُ صَوتٍ بحُروفٍ تدُلّ عَلَيْه، وهو العبارةُ الدّالةُ على المِثَال الّذي في النَّفْس، الرّابعة: تَأْليفُ رُقُومٍ تُدْرَك بحَاسّة البَصَر دَالّة على اللّفظ، وهو الكِتابَة. فالكِتابةُ تَتْبَع اللَّفظ إذْ تدُلّ عَلَيْه، واللَّفظ يَتْبَع العِلم إذ يدُلّ عَلَيْه، والعِلم يَتْبَع المَعْلُوم إذ يُطَابِقُه ويُوافِقُه. وهذه المراتبُ الأربعُ مُتَطابِقَة مُتَوازِية، إِلّا أنّ الأَوَّلَيْن موجُودانِ (لعلّها: وُجودان) حَقِيقيّان لا يَخْتَلِفان بالأَعْصَار والأُمَم، والآخَرَينِ – وهما: اللَّفظُ والكتابةُ – يَخْتَلِفان بالأَعْصَار والأُمَم؛ لأنَّهُما مَوْضُوعانِ بالاخْتِيَار. ولكنّ الأوضاع – وإن اخْتَلَفتْ صُورُها – فهي مُتَّفقةٌ في أنّها قُصِد بها مُطابَقَة الحقيقة”.

لكلّ عُنصر صُورتُه الخاصّة المماثلة له، ولكلّ صورة أصلُها الّذي هي انعكاسٌ له

ولتحقيق الغرض من هذا القَبَس، نقتصرُ على الوجودَين الحقيقيّين في تقسيماتِ الغزاليّ. لكلّ شيءٍ – وفق كلامه، وكلام أكثر علماء الكلام والفلاسفة – وُجودانِ تأسيسيّان هُما: وُجودٌ في عالَم (الأعيان)، وآخرُ في (الأذْهَان)، وكان الرّجل دقيقًا تمامًا حين عبّر عن الأوّل بصفتِه “حقيقته في نفسه”، وعن الآخر بقولة “ثُبوت مثال حقيقتِه في الذِّهن”، ثمّ قرنَ ذلك بدَالّ آخر هُو “العِلْم”؛ إذ العلمُ قائمٌ في الذّهن، ومَناطُه حقائقُ الأشياء، فكلُّ صورةٍ ذِهنيّة للشّيء لا تُطابقُ حقيقتَه في نفسِه (في الأعيان) لا تدخُل في (العِلم).

العلاقةُ الّتي يفرضُها كلام الغزاليّ، بين الشّيء في الأعيان، وصُورته في الأذهان، قائمةٌ على المُطابَقة التّامّة، ويُعبّر عنها في الرّياضيّات بالعلاقة الانعكاسيّة (العَكْسيّة: reflexive relation)، حيث لكلّ عُنصر صُورتُه الخاصّة المماثلة له، ولكلّ صورة أصلُها الّذي هي انعكاسٌ له. وهذا يُحيل على الصّورة في المرآة المُستوية، فصورة الشّيء فيها مُساوية تمامًا له وإن تكُن مقلوبةً، بعكس ما هي عليه في المرآة المُحدّبة إذ تبدُو أصغر ممّا هي عليه في الواقع، وفي المرآة المُقعّرة إذ تبدُو أكبر منها في الواقع.

وإذا عدنا إلى إقرار أهل اللّغة قديمًا وحديثًا، في غاية النّهاية من نقاشاتِهم، بأنّ اللّغة مواضعة واصطلاح، فمن المُسلَّم أنّ وضع اللّفظ كانَ لمعنًى مخصَّص مُحَدَّد، وأنّ ذلك المعنى إنّما هو صورة الشّيء/ الأمر/ الشّخص الّذي يدلّ عليه في الذِّهن، ويُطابق ما يؤشّره في الأعيان/ الوجود/ الواقع. هكذا يدلّ كلّ لفظٍ على معناه، ويكون التّفكيرُ بالألفاظ: أصواتًا منطوقةً، ورُسومًا مكتوبةً، وبمعانيها: صُورها الذّهنيّة، مساويًا للتّفكير بما تدلّ عليه في الواقع المُعايَن تمامًا. وهذا هو المسارُ الوحيدُ لكي يكون التّفكير انعكاسًا للواقع؛ تَعَقُّلًا له بتجميع ما تشابه منه، وتفكيكًا لتمييزِ ما اختلفَ، وتَفكُّرًا بتأليفِ الأشتاتِ المختلفات، وتفريقِ الأشباهِ المُؤتلفات. والإشكالُ الحقيقيّ الّذي يتوسّط هذا كُلّه ماثلٌ في السّؤال: أيَنتُجُ الفِكرُ مِن الواقعِ المادّيّ، أم هُو سابقٌ عليه في عالَم (المُثُل)؟ ألم يكُن ذلك الفارقَ الدّقيق الحاسمَ بين مِثاليّة أفلاطون، وواقعيّة أرسطو؟ وكذلك بين وُجهَتي الغزالي وابن رُشد: أيّهما يحتاجُ المرءُ إلى الانطلاق منه: العلوم الإلهيّة، أو العلوم الطّبيعيّة؟

يبدو العالَم الشِّعريّ مُصَغَّرًا، أو مُكَبَّرًا، لكنّه لا يبدو على حقيقتِه إطلاقًا

ننساقُ هنا، مُكْرَهين لا أبطالًا، إلى رفض أفلاطون إدخال الشُّعراء في (يُوتوبياه الفاضلة)، فالقضيّة متّصلة عميقًا بما نحنُ بصدَدِه. الشِّعر في تعريف الفلاسفة: مُحاكَاةٌ وَتَخْيِيل، وكلاهُما يقودُ حتمًا إلى مسافةٍ ما، تطولُ أو تقصُر، بينَ المُحَاكَى والعِبارةِ الّتي تُحاكِيه، أي: بين الشّيء في (حقيقة نفسِه)، والعِبَارة الّتي صاغَها المُحاكِي (ذات الشّاعر). هذا من جانب، ومن الآخَر: بينَ العِبارة الّتي تُحاكِي الشّيءَ، والصّورةِ الّتي ترتسِمُ في ذِهن المُتلقِّي حين يقرأ العبارة/ يسمعُها. ذاتُ الشّاعر تُحاكِي الشّيء الموجودَ في عالَم الأعيانِ، وتُخيِّله بعبارتِها عنهُ للمتلقّي الّذي ترتسمُ في ذِهنِه صُورةٌ عن ذلك الشّيء. هذه المسافةُ إمّا أن تكون مستقيمةً مستويةً تُبرزُ صورة الشّيء كما هو في (حقيقة نفسِه)، أو محدّبةً تظهرُ بها صورةُ الشّيء (أصغرَ) ممّا هو عليه في (حقيقة نفسِه)، وإمّا مُقعّرة تُظهِر صُورةَ الشّيء (أكبرَ) ممّا هو عليه في (حقيقة نفسِه). ولأنّ المسافة المستقيمة غيرُ شِعريّة إطلاقًا، وإلّا كانت من قبيل قول الشّاعر السّاخر: (كَأَنَّنَا وَالمَاءُ يَجْرِي حَوْلَنَا/ قَوْمٌ جُلُوسٌ حَوْلَهُمْ مَاءُ)، فإنّ المسافَتين المحدَّبة والمقعّرة هُما السّائدتانِ في الشِّعر.

يبدو العالَم الشِّعريّ مُصَغَّرًا، أو مُكَبَّرًا، لكنّه لا يبدو على حقيقتِه إطلاقًا. .. العالَم الشِّعريّ عالَم (بَلاغيّ)، هُو إمّا مُهَوَّل مُعَظَّم مُضَخَّم مُجَمَّل مُزَيَّن، وإمّا مُهَوَّن مُحَقَّر مَمْسُوخ مُقَبَّح مُشَوَّه. واللغة في العالَم الشِّعريّ لُغة مختلفة عن تلك الّتي تواضع عليها القومُ واصطلَحُوا على جعل كلّ لفظٍ منها قُبَالةَ معنًى دالّ على الشّيء في حقيقة نفسِه؛ إنّها لُغة يجسّدُها قول الشّاعر: (يَطُولُ اليَومُ لَا أَلْقَاكِ فِيهِ/ وَحَوْلٌ نَلْتَقِي فِيهِ قَصِيرُ). اللّغة الشِّعريّة لُغة بلاغيّة قائمةٌ على الرّؤية الخاصّة بالذّات الشّاعرة، وزاوية نَظَرها الخاصّة للأشياء والأشخاص والأمور والأفكار، أي: للوُجودِ الواقعيّ لهذه كلّها/ للعالَم. اللّغة الشّعريّة ليست لُغة حقائق موضوعيّة، إنّما لغة حقائق خاصّة، هي ترسُم عالَمًا خاصًّا، من حيثُ ترسُم صُورًا خاصّة للأشياء تختلفُ -قليلًا أو كثيرًا- عن صُورها في (حقائق أنفسِها). ترى أكان ذلك هو السّبب أيضًا في نعت القرآن الكريم الشُّعراء بقوله (سورة الشّعراء: آيات 224- 226): (والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُون* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُون)؟

حاجة المجتمعات السّاعية إلى النّهوض، والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانيّة، وإنتاج الفِكر والعِلم، واكتساب المعارف والمهارات، ماسّةٌ إلى لغةٍ تعكسُ الواقع

إذا كانت اللّغة، أيّ لغة، في أصل المُواضعة والاصطلاح عليها، تمثّل الحَيِّز اللّغويّ العامّ للأمّة النّاطقة بها، فإنّ اللّغة الشّعريّة تمثّل حيِّزًا لُغويًّا خاصًّا بالذّات الشّاعرة، ولهذا قال الباحثون بمُعجمٍ شِعريّ خاصّ لكلّ شاعِر. وهذا مشروعٌ ومقبولٌ في ذاته، لكنّه دائمًا يُحيل على العالَم الخاصّ بتلك الذّات، والقضيّة الإشكاليّة الّتي ترسّخُها تلكَ الخصوصيّة كانت موضع جدَل بين الفلاسفةِ: جدوى الأشعار والأقاويل الشِّعريّة في تربية النّاشئة! ابنُ رُشد التّقدّمي المُختلف الحقيقيّ في عصرِه رأى خطرًا عميقًا في توظيفِ الأشعار في التّربية. وقد يكون لموقفِه صلةٌ قويّة بخُصوصيّة العالَم الّذي يرسُمُه كلّ شاعرٍ بما يحجُبُ عالَم الواقع، عالَم الأشياء في (حقائقِ أنفُسِها)، ويصرفُ الأذهانَ إلى تشرُّب صُورٍ مُباينةٍ للأشياء. وإذا كان التّفكير يحدثُ بالألفاظِ وصُور الأشياء الذّهنيّة (المعاني)، فإنّ أخطر ما يتخيّله المرء، هنا، أن يحدُثَ التّفكير بصُور غير حقيقيّة، لا تُطابقُ الأشياءَ، إنّما هي صُورٌ مُهَوَّلة أو مُهَوَّنة، مُجَمَّلة أو مُقَبَّحة، مُعَظَّمة أو مُحَقَّرة. إنّها في الغايةِ صُور للعالَم مُذَوَّتَةٌ خاصَّة، وقد لا تمتُّ إلى حقيقة واقعها في عالَم الأعيان بصِلَة.

إنّ حاجة المجتمعات السّاعية إلى النّهوض، والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانيّة، وإنتاج الفِكر والعِلم، واكتساب المعارف والمهارات، ماسّةٌ إلى لغةٍ تعكسُ الواقع، وتُظْهِر كلّ شيء كما هُو في (حقيقة نفسِه)، لغةٍ منكشفة في دلالاتِها، غيرِ مُواربة، ولا مُراوغة، تُطابقُ الواقعَ بلا تهويلٍ أو تهوين، متخفّفةٍ من الفُيوض الدّلاليّة الّتي تستدعي التّأويل وجَسْرَ المسافاتِ بين الشّيءِ في الواقع، وصُورته في ذِهنِ المُحَاكِي المُعبِّر عنه، وصُورتِه الحادثةِ بالتّخييلِ/ التّخيُّل في ذهن المتلقّي. تلك لغةٌ قد نستمتعُ بها في وقتِ فراغ، وهذه نفكّر بها ونُنتجُ الفكر والعلم والمعرفة.