العراق: تفاهمات سياسية تُرحّل قوانين خلافية إلى البرلمان المقبل

كشف مسؤولون عراقيون ونواب في البرلمان، عن تفاهمات سياسية أفضت إلى قرار بترحيل عدد غير قليل من القوانين التي ينتظر الشارع العراقي إقرارها، إلى الدورة البرلمانية المقبلة لوجود خلافات على كثير منها، وحاجة أخرى لمدة زمنية أطول لمناقشتها، وهو ما لا يتوفر حالياً، خاصة مع الفترة المتبقية من عُمر البرلمان، إذ سيحل نفسه في السابع من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، قبل ثلاثة أيام من موعد الانتخابات التشريعية في 10 أكتوبر، بنسختها الخامسة منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.
ومن أبرز القوانين التي سيجري ترحيلها إلى البرلمان المقبل، قانون النفط والغاز، وقانون مكافحة العنف الأسري، وقانون حماية الطفل، وقانون الخدمة الاتحادية، وقانون الأحوال المدنية، وقانون استرداد الأموال المنهوبة، وأخيراً قانون التجنيد الإلزامي، الذي أقرته الحكومة مطلع شهر سبتمبر/أيلول الحالي، وأرسلته إلى البرلمان لغرض التصويت عليه.

وانتهت آخر العطل التشريعية لمجلس النواب العراقي، في 4 سبتمبر الحالي، وأعلن برلمانيون عن استئناف النشاط التشريعي والرقابي الجديد، في سبيل استكمال قراءة وإقرار بعض القوانين المهمة. لكن النائب المستقل باسم خشان، أكد لـ”العربي الجديد”، أن “الشهر الحالي لن يشهد أي جلسات برلمانية، وإن شهد، فإنها ستنتهي بعد أقل من ساعة لأن معظم البرلمانيين منشغلون في الحراك السياسي والترويج الانتخابي لصالحهم وصالح أحزابهم”. وأوضح أن “معظم القوانين المهمة، وتحديداً الجماهيرية والخدمية، سيتم ترحيلها إلى الدورة المقبلة، وقد يتعطل ظهورها (القوانين) بسبب الأوضاع العراقية غير الواضحة والمشتتة”.

ما لا يقل عن 10 قوانين مهمة، سترحّل إلى الدورة البرلمانية المقبلة

من جهته، أبلغ موظف في الدائرة القانونية بالبرلمان العراقي، “العربي الجديد”، بأن “هناك ما لا يقل عن 10 قوانين مهمة، سترحل فعلاً إلى الدورة البرلمانية المقبلة”. وأوضح أنه “لا يوجد قرار بذلك، لكنْ هناك تفاهم بين الكتل الرئيسة على الأمر، خصوصاً أن أغلب تلك القوانين عليها خلافات سياسية، مثل قانون النفط والغاز، وقانون مكافحة العنف الأسري، الذي تعتبره بعض القوى السياسية الإسلامية بأنه استنساخ لقوانين غربية لاحتوائه على بنود تسمح للفتاة أو الزوجة المُعنفة بطلب الحماية وتوفير مسكن بديل لها وصرف مستحقات تعليم، وهو ما تعتبره تلك القوى بأنه يساهم بتفكيك الأسر”. واعتبر المتحدث ذاته أن ترحيل القوانين بالمجمل “خطوة تؤثر على الشارع العراقي بالعموم”.

ومطلع الشهر الحالي، أكد عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان، عبد الخالق العزاوي، ترحيل قانون الخدمة الإلزامية إلى الدورة البرلمانية المقبلة، لافتاً إلى أنه “يتطلب دراسة مستفيضة، لأن تطبيقه سيحتاج فترة ليست قليلة”. وأضاف العزاوي في تصريحات صحافية أنه في حال إقرار القانون “سيصل عدد المجندين لأرقام قياسية تفوق المليون مجند”.

ومن القوانين التي ستُرحل أيضاً إلى البرلمان المقبل، قانون النفط والغاز، الذي من المفترض أن يؤسس نظاماً لإدارة العمليات النفطية في العراق، كما يهدف إلى تعويض المحافظات المنتجة للنفط عن الأضرار البيئية التي تتعرض لها، إضافة إلى تشكيل مجلس اتحادي للطاقة بإدارة رئيس الوزراء لاتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة النفطية في الدولة.

وتواصلت “العربي الجديد”، مع عضو لجنة النفط والطاقة في البرلمان العراقي، ستار الجابري، الذي قال إن “ما تبقى من عمر الفترة التشريعية الحالية، قد لا يكون كافياً لإقرار قانون النفط والغاز، الذي يُعد أهم القوانين الاستراتيجية، وهناك احتمالية كبيرة لترحيله إلى الدورة البرلمانية المقبلة”.

شاكر: بعض النواب منشغلون حالياً بحملاتهم الانتخابية على حساب التصويت على القوانين التي ينتظرها العراقيون

لكن عضواً آخر من اللجنة نفسها، أشار إلى أنّ “الضغوط السياسية من قبل الأحزاب الكردية منعت التصويت على هذا القانون، أو حتى تداوله على مستوى القراءة في مجلس النواب”، مبيناً لـ”العربي الجديد”، بشرط عدم ذكر اسمه، أن “القانون يتضمن بنوداً تتعلق بتنظيم عملية بيع النفط، وعودة كل الأموال إلى بغداد، وهو ما لا تقبله حكومة إقليم كردستان في أربيل، التي تتاجر بالنفط بطرق غير شرعية، وتتعاون مع جملة من الدول، بينها خليجية وأخرى في الجوار”.

من جهتها، قالت القيادية في “ائتلاف النصر”، ندى شاكر، إن “عدم الاتفاق السياسي على تمرير جملة من القوانين المهمة بالنسبة للشعب العراقي، هو ما يؤخر التصويت عليها، وليس هناك أي أسباب أخرى”. وأضافت في اتصال مع “العربي الجديد”: “على الرغم من الحديث عن قلة التخصيصات المالية بسبب الضائقة الاقتصادية التي يعاني منها العراق منذ احتلال تنظيم داعش لعدد من المحافظات عام 2014، لكن بعض القوانين لا تحتاج إلى أي أموال، وهي قابلة للتنفيذ بالإمكانات المتوفرة، من بينها قانون النفط والغاز، إضافة إلى مشاريع قوانين اعتبارية، وهي مهمة أيضاً، مثل حضانة الأطفال والعيد الوطني العراقي، وقانون وزارة الثقافة، وغيرها”. وأوضحت شاكر أن “بعض الكتل السياسية والنواب، منشغلون حالياً بحملاتهم الانتخابية على حساب التصويت على القوانين التي ينتظرها العراقيون”.

ومن الملفات الحكومية التي تم ترحيلها باتفاقات حزبية وسياسية، ملف التحقيق بقتل المتظاهرين الذين خرجوا في أكتوبر 2019 وفي الأشهر التي تلته إلى الساحات، ولكن تم قمعهم بعنف، إلى حد تصفية بعضهم واغتيالهم، حتى بلغ عدد الناشطين والمحتجين الضحايا، أكثر من 700 قتيل. وكانت حكومة مصطفى الكاظمي، قد وعدت باستكمال هذا الملف والكشف عن هوية القتلة والجهات التي ينتمون إليها، والمرجعيات التي أصدرت أوامر قتل الناشطين، لكن لا يبدو أن الوقت الحالي يكفي للكاظمي للإيفاء بوعده.

الركابي: قوى سياسية تمتلك فصائل مسلحة تقف حالياً بالضد من قانون الخدمة الإلزامية

وأخيراً، أكد رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي، أرشد الصالحي، أن ملف التحقيق في جرائم قتل المتظاهرين، سيُرحل من قبل حكومة الكاظمي إلى الحكومة المقبلة، مبيناً في تصريحات صحافية، أن “القضاء أصدر أكثر من 21 مذكرة إلقاء قبض بحق أشخاص متهمين بالضلوع بقتل متظاهرين، وكذلك صدرت مذكرات بحق محتجين تورطوا بأعمال تخريب وحرق وشغب تسببت بمقتل عدد من رجال الأمن”.

بدوره، رأى الباحث والمحلل السياسي العراقي، عبد الله الركابي، أن “الكتل السياسية تتسابق لتبني المشاريع التي تخدم شرائح محددة من الجمهور وتحديداً جمهورها، وبالتالي، فهي تعارض أي قوانين تخدم شرائح أخرى، وهذا ما يحدث مع قانون جرائم المعلوماتية وقانون العنف الأسري الذي ترفضه الأحزاب المقربة من إيران، في حين أن أحزابا أخرى تسعى إلى إقرار قوانين محددة نكاية بقوى أخرى، مثل قانون النفط والغاز”. وأكد الركابي في حديث مع “العربي الجديد”، أن “قوى سياسية تمتلك فصائل مسلحة تقف حالياً بالضد من قانون الخدمة الإلزامية، كي لا يحسب نصراً لحكومة الكاظمي، في حين أن ملفا مثل الكشف عن قتلة المتظاهرين، لا يمكن التوصل إلى أي نتيجة بشأنه، نظراً للمشاكل السياسية والأمنية التي قد يولدها”.