مطورو عقارات الصين والأسهم الأميركية

فيما أطلق عليه البعض “لحظة ليمان براذرز الصينية”، تيمناً بالبنك الأميركي الذي كان انهياره إيذاناً ببدء الأزمة المالية العالمية في العام 2008، تسببت الأخبار المتداولة عن قرب انهيار عملاق التطوير العقاري الصيني إيفرغراند، التي كانت في وقت من الأوقات أكبر شركة تطوير عقاري في الصين، وأصبحت الآن أكبر شركة مثقلة بالديون في العالم، في ضربة قوية لأسواق الأسهم، لتبدأ التساؤلات حول احتمالات تسبب الشركة في أزمة مالية كبرى في بلدها، لا يسلم من أذاها المتعاملون في أسواق رأس المال حول العالم.

وأنهى الصينيون تعاملات الأسبوع الماضي في سوق الأسهم في شنغهاي وانطلقوا إلى منتجعاتهم لالتقاط الأنفاس في عطلة أسبوعية مطولة تنتهي يوم الثلاثاء، بسبب عطلة “مهرجان منتصف الخريف”، ليتركوا أسواق العالم تنزف الدماء وتتكبد خسائر بمليارات الدولارات.
وبعد أن أخبرت الشركة الصينية البنوك التي أقرضتها أكثر من ثلاثمائة مليار دولار أنها لن تتمكن من الوفاء بمدفوعات الفائدة المستحقة على القرض هذا الأسبوع، خسر مؤشر هانغ سنغ (في هونغ كونغ) في تعاملات أول أيام الأسبوع الجديد أكثر من ثلاثة بالمائة من قيمته، وتراجع مؤشر العقارات فيه بنحو 6.7%، ليصل إلى أدنى مستوياته في السنة الأخيرة.
ولم تكن هونغ الصينية الخاسر الوحيد في تعاملات الاثنين الحزين، حيث خسر فيه مؤشر الأسهم الاسترالية أكثر من اثنين بالمائة، وتراجع مؤشر الأسهم الألمانية بنسبة 2.31%، والفرنسية بنسبة 1.74%، والإيطالية بنسبة 2.57%، كما خسرت بورصة لندن 0.86% من قيمتها.
أما في الولايات المتحدة، وفي أول أيام أسبوع فسيتحدث جيرومي باول، رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) في أمور هامة في مؤتمره الصحافي يوم الأربعاء، على رأسها توقعاته للنمو الاقتصادي في بلاده خلال الفترة القادمة، وهو ما يأمل أغلب المحللين أن يستشفوا منه الموعد الذي قد يبدأ فيه البنك المركزي في تقليص مشترياته من سوق السندات، ضمن برنامج التيسير الكمي الذي أقره قبيل نهاية الربع الأول من العام الماضي، وتعهد بمقتضاه بشراء ما تصل قيمته إلى 120 مليار دولار من سندات الخزانة وسندات الرهن العقاري، كانت البداية دموية، حيث وصلت الخسائر في بعض لحظات جلسة الاثنين إلى أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عام، وسجل اللون الأحمر أكثر من 975 نقطة من الخسائر في مؤشر داو جونز الصناعي، بنسبة تقترب من 2.90% من قيمته.
ورغم ارتفاع نبرة التشاؤم بين المحللين، عوضت المؤشرات الأميركية خلال الدقائق الأخيرة جزءاً من خسائرها، لتختم اليوم على خسائر تتراوح بين 1.7% – 2.19%.

جاء التأثير الكبير لاقتراب الشركة الصينية من حافة الهاوية بسبب ارتفاع قيمة مديونيتها، التي تجاوزت اثنين بالمائة من حجم الاقتصاد الصيني، الذي يعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ومشاركة العديد من المؤسسات المالية من البلدان المختلفة فيه، فتجمع آلاف المحتجين أمام مقر الشركة، في واحدة ربما من سبع دول في العالم لا تسمح بالاحتجاجات، ليعبروا عن غضبهم، بعد أن بدا واضحاً أن جزءاً كبيراً من مدخراتهم التي دفعوها كمقدمات لعقارات اشتروها من الشركة، إن لم يكن كلها، في طريقه إلى الضياع. وتشير بعض التقديرات إلى أن هذه المقدمات تشكل نحو ثلثي مديونية الشركة، وأن ما يخصها من مساكن لم يتم بناؤها.
لم تكن انهيارات أسعار الأسهم في السوق الأميركية إذاً لأسباب داخلية، وإنما جاءت نتيجة للمخاوف من حدوث الكارثة في الصين، وامتدادها للشركات الأميركية، وهو ما ظهر في ارتفاع نسبة الخسائر في أسهم الشركات المرتبطة بالصين.
وحتى هذه اللحظة من فجر الثلاثاء بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، لا يبدو أن الأزمة يمكن أن تحدث كارثة في الأسواق الأميركية على النحو الذي توقعه خبير الاستثمار العالمي محمد العريان والملياردير الأميركي وارين بافيت، وغيرهما كثير، منذ شهر مارس / آذار من العام الماضي، الذي شهد أكبر الخسائر المرتبطة بظهور فيروس كوفيد-19 وانتشاره في الأراضي الأميركية، وتسببه في حالات وفاة اقترب عددها من سبعمائة ألف.
وعلى عكس التوقعات، ارتفع مؤشر إس آند بي 500 الأكثر شمولاً لقطاعات الاقتصاد الأميركي من وقتها بنسبة تتجاوز مائة بالمائة.
تختلف البورصة الأميركية عن أغلب بورصات العالم في العديد من الأشياء، لكن أهم ما يميزها تعامل أغلب المحللين معها، في معظم الأحيان، باعتبارها سلعة، يقوم الجميع، من أول رئيس الدولة وحتى أصغر متعامل فيها بالتسويق لها، ولكلٍ طريقته الخاصة في ذلك، باستثناء مجموعة من السياسيين الذين يرتدون ثوب الاشتراكيين، مثل عضو مجلس الشيوخ الأميركي المليونيرة إليزابيث وارين، التي تقدر ثروتها بنحو 12 مليون دولار، تحتفظ بأغلبها في حسابات تستثمر في البورصة، وزميلها في المجلس بيرني ساندرز، والذي تقدر ثروته بنحو 2.5 مليون دولار، وبعض أعضاء مجلس إدارة البنك الفيدرالي الذين أظهرت تقارير الأسبوع الماضي تعاملهم فيها بملايين الدولارات.

يستثمر تقريباً كل الأميركيين جزءاً من مدخراتهم في البورصة، سواء بصورة مباشرة، أو غير مباشرة عن طريق حسابات التقاعد التي يمكنهم أن يديرونها بأنفسهم، أو يفوضوا مدير أصول متخصصا لاستثمارها، في صورة تشبه، مع وجود فوارق كبيرة، النموذج المشوه الذي حاول أحد وزراء المالية في مصر تطبيقه قبل سنوات، فخسر نسبة لا يستهان بها من أموال التأمينات والمعاشات، ويدخل إلى سوق الأسهم كل عام أعدادٌ غفيرة من المتعاملين، سواء من المهاجرين الجدد، أو الداخلين إلى سوق العمل، أو الشباب الذين يبدأون التعامل فيها لأول مرة في حياتهم، الأمر الذي يجدد دائماً المياه الجارية في هذا النهر، وهو ما شهدناه في سرعة وحجم الارتفاعات في قيمة المؤشرات الرئيسية الثلاثة في أعقاب خسائر العام الماضي، حتى أنها حققت جميعاً أكثر من خمسين إغلاقاً قياسياً منذ بداية العام الحالي، فهل بعد ذلك يمكن لشركة صينية، مهما كبرت، أن تنال من الأسهم الأميركية؟