"برج الفتاة" السياحي… لغز إسطنبول يخضع للترميم

ربما الغموض وتعدد الروايات المشوقة، يزيدان من رغبة الاكتشاف، سواء كان الغامض شخصاً أو مكاناً أو حتى معتقداً، فماذا لو كان الحديث عن تلك الثلاثية، مكاناً غامضاً يروي قصة غريبة لمعتقد عجائبي؟ إنه “برج الفتاة”؛ أهم رموز مدينة إسطنبول السياحية الذي حيكت حول بنائه وابنة الملك الموضوعة فيه أغرب الروايات.

واستخدم، منذ بنائه، في أغراض عسكرية وتعليمية وسياحية. وتقول بعض الروايات عنه إنه استخدم سجناً ومقبرة ومنفى، بل وحتى مكان جباية لتحصيل الرسوم من السفن العابرة للبوسفور، ومنارة لمن يضلّ منها.

لكن هذه التحفة المعمارية ستحجب منذ نهاية الموسم السياحي الحالي، حتى إبريل/نيسان عام 2022، بداعي الترميم، كما أعلنت وزارة الثقافة والسياحة التركية أخيراً. وربما ثمة أهداف تركية أبعد من الصيانة وتصليح ما نالت منه زيارات السياح. إذ كشف وزير السياحة، محمد نوري أرصوي، عن “بذل الجهود الحثيثة لاكتشاف المزيد من الآثار التاريخية، والحفاظ على الآثار الحالية”. فربما يفتح الستار بعد أقل من عام، على “برج فتاة” جديد، باكتشافات تعيد نسج روايات أخرى، عن بناء وسط البحر، وصلت طرق استثماره ليكون مطعماً، بعد ترميمات عام 1995.

وتقول أستاذة التاريخ التركية، سيهان بولكجو، إن “برج الفتاة” من أهم ما تبقى من العهد البيزنطي في إسطنبول الآسيوية (أسكودار)، لكن كثرة الاستخدامات وتوافد الزوار يستدعيان الترميم والدعم كل فترة، والبرج لم تطرأ عليه إصلاحات حقيقية منذ عام 2000.

وتوضح بولكجو، لـ”العربي الجديد”، أن بعض المراجع تتغافل عن بداية بناء البرج، وتقول إنه مجهول، لكن كتبا أخرى تشير إلى أنه بُني في عهد القائد الإغريقي ألكيبيادس، أي في نحو العام 411 قبل الميلاد، ولكن على هيئة ومساحة مختلفتين، لأن “برج الفتاة” أخذ شكله المعماري الراهن، مع بعض التعديلات اللاحقة، عام 1832، خلال عهد السلطان العثماني محمود الثاني. وتبدلت استخدامات البرج، نظراً لأهمية موقعه وغرابته.

البرج تعرض لتغيرات مادية ومكانية، لاستخداماته المختلفة عبر التاريخ، وينتظر الانتهاء من ترميمه في إبريل/نيسان

ولكن بعد دخول السلطان محمد الفاتح إسطنبول عام 1453، استخدم كبرج مراقبة، لأغراض ملاحية وعسكرية، ولكنه تهدم خلال الزلزال المدمر عام 1509، كحال آثار كثيرة وقتذاك، ليعاد بناؤه بعد عامين، إلا أن حريقاً عام 1721 نال منه، ليعاد ترميمه وتدرس استخداماته للمحافظة عليه. استخدم حينذاك مكاناً للحجر الصحي لمصابي الأمراض المعدية. لكن هذا الدور سرّع بتهالكه، الأمر الذي دفع السلطان محمود الثاني لإعادة الترميم مع بناء جديد ومتين، وعلى الأرجح هو الشكل الحالي حتى اليوم، مع تغيرات بسيطة خلال ترميم 1945 و1998. وبعد زلزال 1999 وأيضاً عام 2000، دعّم المبنى بالفولاذ لحمايته، لأن إسطنبول تقع على فالق ومهددة على الدوام بهزات وزلازل.

البناء الواقع وسط البوسفور مثمن الأضلاع، وفيه 6 طوابق يربط بينها درج حلزوني، يبلغ ارتفاعه مع القبة 23 متراً

وتقول الروايات، حول البرج مثمن الأضلاع، ذي الطوابق الستة التي يربط بينها درج حلزوني، ليبلغ ارتفاعه مع القبة 23 متراً، يزيّن خليج البوسفور، إن السلطان كان يحكم المنطقة، وأفزعه حلم رآه حول لدغ أفعى لابنته الوحيدة وموتها في عيد ميلادها الثامن عشر، فردم جزءاً من البوسفور، ليتحول بناء البرج إلى جزيرة منعزلة عن اليابسة، ولا تصل إليه الأفاعي. لكن محبي السلطان والمتوددين له، سارعوا لحمل الهدايا يوم عيد ميلاد ابنته الثامن عشر، وبينها سلة فاكهة مزينة بالعنب تسللت إليها أفعى. وحين تناول الابنة الفاكهة، خرجت الأفعى، ولدغتها، لتموت كما نبوءة أبيها.

وينسج الأتراك من هذه القصة عبرة القدر الذي سيطاول الإنسان ولو كان في حصون مشيدة، ويستشهدون بموت الفتاة على عدم هروب الإنسان مما يُكتب له، بعد التطرق لمكانة الأولاد وغلاوتهم، بدليل هجرة السلطان البرج وحمله اسم الفتاة حتى اليوم. ولكن، لا راو ولا كتاب، يذكر اسم السلطان أو ابنته، بل ولا تواريخ على هذه الرواية الأقرب للرومانسية منها للحقيقة، بل والمتداولة في أكثر من جغرافيا حول العالم، لأماكن مرتفعة أو قصية أو قصور قديمة فارهة، مع اختلافات قليلة، إذ البعض يقول إن عرافين توقعوا موت الفتاة وحذروا أباها، فبنى لها قصراً أو أسكنها برجاً.

تقول الأسطورة إن سلطاناً أمر ببناء البرج لحماية ابنته الوحيدة، بعدما راوده كابوس عن موتها بلدغة أفعى

وعلى ذكر الأبراج، وليس بعيداً عن “برج الفتاة”، ثمة برج أخذ عبر التاريخ أدواراً، فضلاً عن تفرده بتجربة الطيران التي قام بها هزارفن أحمد شلبي عام 1632، من منطقة بيرا في القسم الأوروبي من إسطنبول إلى “أسكودار”، قاطعاً عبر أجنحة اصطناعية، 3358 متراً. إنه برج “غلاطة”، أحد أهم معالم إسطنبول حتى اليوم الذي بُني أول مرة من الخشب عام 507 قبل الميلاد، فاحترق مراراً قبل أن يُبنى من الحجر في عهد السلطان محمود الثاني أيضاً، ويتحول، كما “برج الفتاة”، للسياحة وأخذ عبر من التاريخ.